رأس فارغ مثل قناع

{{(تنويه يوضّحه لاحقاً النص:

“يحقّ لكِ أيضاً أن تحسبي هذه الكلمات لك

وأن لا تجدي لها مبرراً سوى ذلك”)}}

هذه الكلماتُ لن تقولَ شيئاً

لن تفصحَ عن المعنى الذي رُمِيَ في غفلةٍ

أو توقظَ البوحَ النائمَ

من فزعٍ قديم.

لن تذهبَ إلى قصدٍ

ولا تلزمُها الحيلةُ

أو يخدعُها اليقين.

هذه الكلمات ليست لكِ

ليست لأحد.

{{* * *}}

ربّما همستْ لي بها صخرةٌ

ولم يبقَ منها سوى همهمة مبتورة

وصدى سحيق.

ربّما هي طرفٌ من حكمةٍ

فقدتْ حنكتها

وضلّلتْني.

وربّما كنتُ أبتدعها للتوّ

وأقتصّ بها من كلامٍ ناجز.

وربّما لأنني أحتاجُ ما أمحوه كلَّ حين.

{{
* * *}}

رسالةٌ مطويةٌ ومحترقةٌ

لم ينجُ منها سوى أحرف عطف

وأجزاء من مفردات هشّة.

رسالة تُكتَبُ

من أجل أن تُحرَق

ومع هذا تذهب أسرارُها إلى وجهةٍ غامضة.

{{* * *}}

ثمّ ما أدراني بالكلامِ المفضَّل؟

بالجملِ التي تَصلحُ؟

بالهمسِ يقطرُ كالندى

ويلامس حلمةَ أذنك

أو ينحني ليبوسَ صورةً في خيالك؟

ما أدراني بالبهاءِ العذبِ؟

بالبخارِ يجتاحُ الفواصلَ؟

هذه الكلمات ليست لكِ

قد تكون مناماً عن رجلٍ يتسلّق روحَه

وهي تطلعُ.

عن رجلٍ يترك يده في يدها ويغادر

دون أن يقولَ الكلامَ الذي ينبغي.

عن رجل أكلتْ لسانَه القطّةُ

وامتلأتْ حنجرتُه بالفراشات.

لا..

لم يكن ثمّة منام

لم يكن ثمّة نوم.

{{* * *}}

ما الذي يُفهَم عندما يعجز اللسانُ

عن وصف السخونةِ في الأحشاء؟

أو الرجفةِ في الأذين الأيمن؟

أو التعرّقِ الباردِ تحت الإبطين؟

ما الذي يٌفهَم عندما ينعقد اللسانُ

على هيئة التاء؟

{{* * *}}

عن ذلك الرجلِ الذي حلم بروحه أقصرَ منه قليلاً

الذي رآها تطلع فركض على رؤوس أظافرِه

عن رجل بيدٍ واحدة

لا تصلحُ للإشارةِ

ولا تقبض سوى على الكبد.

هذه الكلمات لا تشبهه حتّى!.

{{* * *}}

لو أنني أملكُ فقط حرفين

لو أنّ ما يضجُّ في الرأس

له حذاقةُ اللسان

لو أنّ له لسعة النحلِ أو لذعة الملوحةِ

لو أنّه يخرجُ

ويتركُ الرأسَ فارغاً مثل قناع.

{{* * *}}

لنفترضْ أنّ اللغةَ توقفتْ عند أشباه الجمل

وأنّ مَنْ يجرحُهم النقصُ ملؤوا الكؤوس بالثرثرة.

أو لنفترضْ أنّ اللغة أنثى

تبدّل كلَّ ليلةٍ أسرارَها

وترمي مفاتيحَها في البحر

وأن الذين قالوا نطقوا بالكلام القديم

وظلوا يتداولون عملةً باطلةً

لنفترضْ أنَّ أحداً لن يضع غشاوةً على عيونهم

وأنّهم سيبقون محدّقين بذلك الوضوح!.

{{* * *}}

هي حركةُ شفاهٍ هادئةٌ

جعلتني أشمُّ البياضَ

بحثاً عن الياسمين.

نسمةٌ عبرتْ في ليلةٍ

خفيفةً

وأورثتْني رائحةً مقيمةً

وطنيناً في الأذنين.

هي حرقةٌ؟

ليست كذلك

ولا تشبه الطعمَ الذي يخلّفه الحلمُ

ولا الهواءَ الأخيرَ لتنهيدة خرساء.

{{* * *}}

وكنت قد قلتُ كلاماً كثيراً

قلتُ ما يقولُه الناس

مشيتُ وتلعثمتُ وسقطتُ

ووقفتُ لأشهد نفسيَ بلا ماضٍ

عاريةً من الأحرف

ومفتوحةً على غيمةٍ.

لم تكن غيمةً

هي قطعة حرتُ في زرقتها

فأسميتها غيمةً

وأمطرتْني

وغسلتني من مألوف المعاني

وشربتُ منها فما ارتويتُ

ولا عرفتُ.

لم تكن غيمةً

هي سحابةٌ

طلعتْ من بين ثدييك

وظلّلتْ أفكاري

محتْ بالأشباح صوري القديمةَ

وتركتْ بين الأصابع أكثرَ من لمسةٍ

وأقلَّ من وعد.

{{* * *}}

الخَدَرُ تحت الجلد

المواءُ في أوردةٍ سبق لها أن جفّتْ

الوحشةُ يسهر عليها صمتٌ

ويداعبُها الفقدُ.

ما يطردُ النعاسَ واللغةَ.

ليكلّفْ أحدٌ خاطرَهُ أنْ يجدَ لذلك تسميةً

من أرومةٍ أخرى سوى الوجد.

{{
* * *}}

وكنتُ قد رأيت مَنْ لا أعشقُه

ويفتُنني

ولمحتُ جسدي مصروعاً،

“يعلو شفتيّ الزبدُ”،

وتخترقه أمواج من الهذيان

ومشيتُ على جسدي كأنّه ماءٌ

ولم تكن الكلماتُ قد وجِدتْ لأستغيثَ

أو لأصفَ ما بي فيسمعُني كلُّ ضلّيلٍ

ويرأفُ بي كلُّ أعمى قلب.

وكنتُ أعمى قلبٍ

وأعمى أصابعٍ

أبصرُ ما لا اسمَ لهُ

وألمسُ جسداً يتراوحُ بين فتنةٍ وغياب.

وكنتُ في العشق

ولم أدركْ أنّه العشقُ

وكنتُ في الياسمين

فأفقتُ منه على مجرّد البياض.

ذاهلاً

وجدتُ الكلمات تتكسّرُ في فمي

قبل أن أقولها

سمعتُ جسدي كأنّه صوتي

بينما لساني يلوكُ لغةً مللتُها

يقول ما يشبه رجلاً آخر

فأخشى ذلك الرجلَ

وأصمتُ مثل رجل وامرأة

يتقاسمان الخوف من الحب.

{{* * *}}

الغامضُ

المبهمُ

الوهمُ

الماضي أيضاً والغدُ

الفجوةُ التي تُربكُ في القول

وما هو عصيٌّ وغائرٌ

ثمّ يأتي الجهابذة بوصفاتهم الجاهزة

ليفسّروا لي ما لم يحدثْ إطلاقاً

فكيف إذن أبرأُ منه؟!

كيف أنتهي ممّا لا يبدأ؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق