رأي في الديموقراطية / ميشيل كيلو

يستحق رأي الفيلسوف النمساوي كارل بوبر حول معضلات الحرية والديمقراطية أن يصل إلى الجمهور العربي الواسع، لأسباب مهمة بينها أن الرجل عاش في بلد عانى كثيراً العوز ونقص المناعة الديمقراطيين، لذلك درس بإمعان حالة أثينا التي تعد مختبر ومهد الديمقراطية في العصر القديم، وتالياً في التاريخ البشري، والموقع الذي سادت فيه كنظام حياة وحكم، بعد أن عصفت بمصيرها مراحل متلاحقة من الفوضى والحروب والصراعات الداخلية والخارجية، عرفت خلالها نظماً سيطر عليها حكام طغاة، لم يمنعهم طغيانهم من أن يكونوا رجالاً بارزين، حققوا مآثر ثقافية وسياسية عظيمة حفظتها الدهور، أكثرهم أهمية وشهرة بيزيستراتوس، لكنهم لم ينجحوا، رغم كل شيء، في إخراجها من القلاقل والعنف، وفي ضمان الاستقرار لها .

 

 

ويتضمن رأي الفيلسوف والمفكر النمساوي بوبر معطيات مهمة ومفيدة لنا نحن العرب، بما أنه ينصبّ على دراسة أوضاع شبيهة بأوضاعنا الراهنة، تقاسمتها أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد مع وطنه النمسا خلال القرون الثلاثة الأخيرة، ومع أوضاعنا العربية في النصف الثاني من القرن العشرين بخاصة، لذلك يمكن اعتبار تجربته وأفكاره مليئة بالعبر والدروس النافعة بالنسبة إلينا، مثلما كانت بالنسبة إلى موطنه الذي عانى حالاً من الفوضى والقلق الوجودي تشبه حالنا، قبل أن يقوم فيه نظام ديمقراطي من النمط الغربي عقب الحرب العالمية الثانية، فرضه الاحتلال عليه بالقوة، بعد أن اجتاحت جيوشه البلاد وعاملتها معاملة ألمانيا النازية التي كانت قد أجبرتها على الاتحاد معها عام 1938 وعلى خوض الحرب العالمية الثانية (1939  1945) إلى جانبها، وخرجت من الحرب مهزومة ومحتلة مثلها .

 

 

يتلخص رأي بوبر في نقاط قليلة هي الآتية:

 

 

في أقوال مفكري وفلاسفة أثينا القديمة، هناك ثلاثة أنواع من الحكم هي: الحكم الملكي وهو حكم رجل واحد طيب، والحكم الأرستقراطي، وهو حكم قلة من الرجال الطيبين الأخيار، والحكم الديمقراطي: حكم عامة الناس وأغلبيتهم . في حال انفلات أنظمة الحكم الثلاثة من الرقابة وانحرافها عن خط سيرها الأصلي، فإنها تفقد هويتها الأصلية فينقلب الحكم الملكي إلى طغيان فرد شرير، والأرستقراطي إلى حكم أوليغارشي تمارسه قلة من الشريرين، والديمقراطي إلى فوضى، بحكم أن العامة شريرون وفاسدون في معظمهم، حسب رؤية أفلاطون .

 

 

كي لا ينقلب الحكم الملكي إلى طغيان، ولا يتشوه الحكم الأرستقراطي، تمس الحاجة إلى نظام يحول دون تركيز السلطات وتجميعها في يد واحدة أو أيد قليلة، هو النظام الديمقراطي، الذي تكمن مزاياه في حقيقة أنه ليس نظاماً للسيادة الشعبية، بل هو قبل كل شيء نظام مؤسسات منفصلة ومزودة بوسائل دفاع فعالة ضد حكم الفرد أو الدكتاتورية، يحول دون جمع السلطات أو منح سلطات مطلقة وتعسفية لأي فرد أو أية مؤسسة، بينما تتحدد فيه بوضوح سلطة الدولة، وتصان حريات الأحرار ضد أي شكل من أشكال السلطة عدا سلطة سيادية واحدة هي سلطة القانون، ويمنع التخلص السلمي من الحكومة القائمة نشوب العنف والفوضى، وإراقة دماء المواطنين، حين تتخلى عن واجباتها وتضخم حقوقها وتمتلك سلطة مفرطة وصلاحيات غير مقيدة، ولا تستند إلى القانون .

 

 

لكن الحرية نفسها قد تنفلت من أي قيد في النظام الديمقراطي وتتحول إلى فوضى، فما العمل عندئذٍ؟

 

 

يقول بوبر في الرد على هذا السؤال: الحرية متعسفة بطبيعتها، وخروجها على ضوابطها حتمي، لذلك تمس الحاجة إلى دولة تحد من تعسفها من دون أن تفرض عليها قيوداً تقتلها أو تنتهكها، على أن تستخدم هي، أي الحرية، بالمقابل، للحد من تعسف الدولة وكبح ميلها إلى العنف والقوة . لا يجوز أن تنتهك الدولة الحرية إلى حد القضاء عليها، لأن الحرية، في رؤية الفيلسوف الألماني كانط، “ضرورية للتعايش الإنساني”، ولأن الدولة في غياب الحرية تصير دولة أبوية تمارس “حكماً هو أسوأ استبداد يمكن تصوره” . وإذاً، من الضروري أن تكون الدولة مقيدة بحدين: رعاية التعايش الإنساني، وحفظ الحرية بالقانون، وإلا فإنها لن تكون دولة مؤسسات تجازي وتعاقب، السيد الوحيد فيها هو القانون الذي يفرض عليها احترام حقوق الإنسان والمواطن ويجعلها أمراً واقعاً لا يتم تجاوزه أو انتهاكه بغير مساءلة وعقاب، كائناً ما كانت الجهة التي تفعل ذلك . إن أي اعتداء على حرية الإنسان وحقوقه هو، في نظر كانط، فعل يتخطى في تأثيره الفرد، يقوض التعايش الإنساني ويقضي على الحرية كأساس تنهض عليه الدولة ويوجد به المجتمع، كما قال فلاسفة أوروبا في الفترة ما بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر، ممن اعتبروا الدولة مؤسسات تضمن المجتمعية عبر ضمان السلم الأهلي والتعايش المدني والقانوني بين المواطنين، ومن خلال عقد بين المواطن والدولة ينمي الحرية والخضوع للقانون في آن معاً .

 

 

في رأي بوبر: للديمقراطية هدفان: منع اندلاع الفوضى في المجتمع، وإنجاز تحول سلمي في السلطة يحول دون إراقة دماء المواطنين ونشوب حرب أهلية، عندما تمس الحاجة إلى تغيير حكومي . الديمقراطية نظام يحفظ المجتمع ويسمح في الوقت نفسه بتغيير السلطة سلمياً، فلا يكون لتغييرها انعكاس سلبي أو عنيف عليه، بينما تحافظ بالقانون على حقوق الإنسان والمواطن  وتقيدها في آن معاً بسلطة دولة المؤسسات التي مرجعها قانونها وليس أي شخص، خاصة إن كان في قيادتها . يذكر بوبر في هذا السياق أن خوف أثينا من الطاغية، الحاكم الفرد، بلغ حداً جعلها تبادر إلى نفي أي حكم يحظى بشعبية واسعة، خشية أن يستغل شعبيته للانقلاب على القانون، والاستيلاء  على سلطة الدولة .

 

 

هذه الآراء، تكتسب أهمية حقيقية بالنسبة إلينا، نحن عرب هذا الزمان الحافل بالفوضى على صعيد المجتمع، والذي صار من المستحيل إحداث أي تغيير في سلطته من دون إراقة دماء وعنف، ويفتقر فيه المواطن والإنسان العربي إلى حقوقهما افتقاراً يكاد يكون تاماً في أكثر من بلد ونظام . يقول بوبر: ليست الديمقراطية محصلة حريات فردية لا ضابط لها، بل هي نظام يحول دون الفوضى من خلال تقييد الحرية بالقانون ودولته الشرعية . ليست الديمقراطية أيضاً نظاماً ضد الدولة، بل هي توازن يستحيل قيامه ووجوده من دونها، تكون الدولة فيه شرط الديمقراطية والحرية وحافظتها وأداتها وغايتها في وقت واحد . ومع أنها لا تقيم دولة مطلقة بل تقيد الدولة بالقانون، فإن هذه لا تكون، في الوقت نفسه، طليقة اليدين ضد الحرية، الفردية والشخصية، ولا تنهض أو تبقى من دونها . ألا تمس حاجتنا، نحن عرب اليوم، إلى مجتمع منظم تضبطه دولة مؤسسات قانونية تحترم وتصون حرية مواطننا وإنساننا وحقوقهما، فلا تسمح هي بتحول الحرية إلى فوضى، وبالمقابل، لا تسمح الحرية لها بالجنوح نحو التعسف والأبوية؟

 

 

هذا الثالوث، الذي يمثله المجتمع الديمقراطي والمواطن الحر ودولة القانون، هو ما يشكل النظام الديمقراطي، نظام السلام والتوازن والتعايش الإنساني، الذي هو غاية السياسة ومقصدها .

 

 

السؤال الذي يطرح نفسه الآن علينا هو ما يلي: هل يحتاج عرب زماننا إلى نظام يجنبهم الفوضى والطغيان والدولة الأبوية المستبدة التي تنتهك القانون بانتظام وشغف، وتقضي بحماسة ما بعدها حماسة على حرية الإنسان وحقوق المواطن؟ أعتقد أننا بحاجة إلى نظام من هذا النمط، وأظن أن أغلبية العرب تريده أيضاً .

 

 

هل نستطيع إقامة هذا النظام في ظروفنا الراهنة، وبأية طريقة، وأية أفكار وقوى وفي أي مدى زمني؟ . . هذا هو السؤال الأهم، الذي لا مفر من أن نجيب عنه بطريقة ملائمة وعملية، قابلة للتطبيق، وإلا استمر ضعفنا وعجزنا عن العيش والاستمرار في عصر مجرم لا يرحم، يأكل القوي فيه الضعيف، ومن يركض من يزحف، والمتقدم المتأخر .

 

 

جريدة الخليج الاماراتية 1/9/2010م

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق