رائحة الدم / ابتهال عبد العزيز الخطيب

تجربتي الشخصية الصغيرة للخوض في النقد الديني تجلّت عن انفصال وانفصام حقيقيين بين المسلمين، من حيث فهمهم للدين وتطبيقهم لتعاليمه، وذلك بناء، ليس على الفهم والتحليل الديني، ولكن على طبقاتهم الاجتماعية. فعندما تحَدّثتُ ناقدة للفتاوى الدينية والقصص التاريخية الإسلامية المؤيدة لهذه الفتاوى، وذكرت من باب المثال تحديداً فتوى إرضاع الكبير، والتمتع بالصغيرة، صحافياً وتلفزيونياً، كانت معظم التعليقات، التي تبدو من طبقة منفصلة عن الواقع المرّ، تأتيني مؤنبة إثارتي لموضوعات تاريخية، لم يعد لها أثر في حياتنا اليوم، ممارسات جمّدتها ثقافة حقوق الإنسان الحديثة والتطورات العلمية والسوسيولوجية، حتى لم يعد هناك حاجة لمناقشتها، أو نقدها إلا من طرف هؤلاء (وأنا واحدة منهم كما أشار النقد) الذين يودون تأليب الرأي العام على الدين واستجلاب العداء له.

 

وها هي الطفلة اليمنية إلهام تدفع ثمن انفصالنا عن واقعنا، ورفضنا ليس فقط لإعادة قراءة المنهجية الدينية والنصوص والقصص التراثية بعقلية معاصرة تتماشى ومنطق الحياة الحديثة القائمة في كل مناحيها على الاحترام التام لحقوق الإنسان وحقوق الطفولة، ولكن رفضنا من الأساس الاعتراف بتجذر المشكلة وتفشيها ولا إنسانيتها.

 

 

ومن سخرية القدر، أن سبق خبر وفاة الطفلة إلهام على ذمة مشايخ الجنس الديني بأيام خبر عن طلب زوجة مصرية الطلاق من زوجها لإجباره إياها أن ترضع صديقاً له يريده أن يقضي رمضان معهما، وبالتالي فإن الزوج يريد له وجوداً شرعياً معهما في المنزل، فكان أن تقدمت الزوجة للمحاكم تستنجد من زوجها الذي يريد أن ينتهك حرمة جسدها باسم الدين، ويكاد لا يمر عليّ يوم لا أتذكر فيه المتصل الكويتي الذي خابرني مؤكداً احترامه لفتوى إرضاع الكبير واستعداده التام للالتزام بها في حال استحقاقها، وذلك من خلال الاتصالات التي وردت إلى ديوانية الرأي التي كنت ضيفتها.

 

 

وفي حديث جانبي مع بعض الأصدقاء عتبوا علي تذكيري بموضوع العبودية المجاز شرعاً، فأنا كالعادة «أنقّب وأحفر» لأجد منافذ في الدين أعمل فيها معاولي هدماً، فأقول لهم، أن سدوا المنافذ، فعندها لن تجد المعاول طريقها «للهدم»، وأؤكد أن مطالباتي بسيطة تنحصر في المنطق الإسلامي الذي يرددونه دوماً «الدين صالح لكل زمان ومكان»، والذي يستدعي القراءة المختلفة لتوائم الدين وزمانه ومكانه، وأذكر أمثلة للعبودية التي لاتزال قائمة بقامتها القميئة ووجهها المريع في دول المغرب العربي، فتأتي ردة الفعل مستغربة أمثلتي ومباعدة بينها وبين واقعنا، وكأنني أتحدث عن أناس من كوكب الزهرة وليسوا «إخوانا» لنا في العرق والدين.

 

 

المصيبة قائمة ما قامت غيبوبتنا، قائمة في رفضنا المطلق لمواجهة النصوص الدينية التي تحتاج لقراءة مختلفة، والتي لا يقلل من قيمتها التاريخية أبدا أن يصطبغ فهمها اليوم بصبغة إنسانية حديثة، قائمة في تقديسنا لفكر اجتماعي يزيد عمره عن الألف سنة، دون أن نراعي التغييرات الفكرية والحياتية والاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى الجيولوجية والبيولوجية، التي تصر صريراً مرتفعاً وحاداً لقراءة متطورة تحفظ لنا كرامتنا الإنسانية، وترتقي بالإنسان لما هو أبعد من توظيفه الجنسي، وكأنه مخلوق ليتعامل فقط مع الجنس، إما كبحاً أو استفاضة، حتى أصبحت القراءة الحالية للدين كلها قراءة جسدية استمتاعية وصولاً للثواب والعقاب القائمين على الجنس بشكل مريع. لا يكمن الحل في سن القوانين المدنية فقط، أقول ذلك بكل أسف، لأن «البشر» عندنا لا يقيمون قيمة لهذه القوانين بقدر قيمة القانون الشرعي الذي يجعل من «زوَّجتك موكلتي» و«قبلت» كافيين لعقد قران، وجرّ صغيرة من ضفائرها لسرير المتعة.

 

 

لا بد من وضع دماء إلهام على قماشة بيضاء والتجول بها على مقارّ رجال الدين الموقرة، أن نقحوا الفتاوى، وغيروا الخطاب.. ولمرة واحدة، واجهوا القرن الحادي والعشرين.. غرقنا في دماء الصغيرات، ألا تشتمون شيئاً فيها غير المتعة الجسدية؟

 

 

عن  جريدة أوان الكويتية

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق