ربيع سمير قصير يعود ثانية / يوسف بزي

لم يتنبأ سمير قصير بـ” ربيع العرب”، قاتله هو الذي عرف به وتنبأ. لذلك كان الاغتيال. الآن بعد ست سنوات نتيقن أكثر بأن الذي قتل قصير أدرك (بذكاء شرير) خطورة الذي كتب “الشقاء العربي”. خطورة حلم علني بات اليوم كابوساً لأنظمة الاستبداد في العالم العربي.

في الذكرى السادسة لغيابه. تبدو سنة 2011 الأكثر استحضاراً لسمير قصير. فهي السنة الإعجازية في التاريخ العربي. فالربيع الذي بشّر به الشاب اللبناني (الفلسطيني السوري) في بيروت، وتجرأ على تمنّيه في دمشق، تفتحت براعمه في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، وبشائره لا تستثني بلداً عربياً واحداً، على نحو تحول فيه الشقاء العربي إلى “يقظة” حرية وتحرر قد لا توازيها سوى حال “النهضة” في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين.

أدرك قصير مبكراً أن “ثورة الأرز” مهددة بالثورة المضادة، وإن انتفاضة 14 آذار 2005 تعاني من كابح ذاتي سببه عدم قدرة الائتلاف الطوائفي على تجاوز بنيته الطائفية، وميل الجمهور العريض إلى تكريس الزعامات التقليدية. أدرك ان إخفاق ثورة الأرز في تقديم نخبة شبابية “تستولي” على القيادة السياسية، بقدر ما تطيح بالولاءات التقليدية وتغادر طوائفيتها، سيكون إخفاقاً للثورة كلها. وهذا بالضبط ما يعتري اليوم حركة 14 آذار. فالثورة المضادة نجحت إلى حد بعيد في إعادة المجتمع اللبناني إلى تمترسه الطائفي، بل وأضافت بعداً مذهبياً جديداً للنزاعات اللبنانية، كما نجحت في تعطيل “الاستقلال الثاني” عبر تمكين النظام السوري من استعادة الكثير من وصايته، وأفلحت في الاستيلاء الأمني والسياسي على الحياة العامة، وحاصرت الدولة واقتحمتها وقوضت أركانها إلى حد ان لبنان اليوم عاد إلى الحال التي كان عليها عام 1988، حين حلّ الدمار بالدولة والعمران والمجتمع والاقتصاد، فذهب الجميع محطماً إلى “اتفاق الطائف” عام 1989 بحثاً عن جمهورية جديدة.

نتذكر سمير قصير اليوم في لحظة مفارقة مدوّخة ما كان يمكن تخيلها. إذ صار ربيع بيروت مؤجلاً وموقوفاً، فيما ربيع دمشق يشتعل بالدم. من هذه المفارقة تعود هذه السنة مقولة ديموقراطية لبنان من حرية سورية، وحرية لبنان من ديموقراطية سورية. ذاك كان رهان قصير الذي تثبت صحته الآن اكثر من أي وقت مضى. فالنظام السوري يخوض معركته الوحشية والدموية في دمشق ودرعا وحمص وبانياس… فيما أذرع النظام وشبكاته و”أحزابه” وأجهزته تخوض المعركة القمعية والأمنية والإعلامية والسياسية في داخل بيروت بالذات. هناك في الداخل السوري شجاعة لا توصف، وهنا في بيروت تخاذل وخوف لا يوصفان.

عاين قصير علامات الشقاء العربي: العكسريتاريا، الاستبداد، الفجور والكذب السياسيين، فشل التحديث، الفساد، غياب الحريات الفردية والعامة. وعاين المطلب الأول: الديموقراطية والتحرر. كتب “الشقاء” بكثير من الحماسة والأمل. وهذا بالضبط ما شهدناه عام 2011، حيث الثورات العربية رفعت تماماً العناوين إياها: الحرية، الخبز والكرامة. وبهذا المعنى إنتمى قصير إلى هذه الثورات قبل اندلاعها وترقب المستقبل العربي في الأفق ذاته الذي يلوح الآن في بنغازي والقاهرة ودمشق وتونس وصنعاء، وعواصم أخرى قد لا نتجرأ اليوم (في بيروت) على تسميتها. فمعركته في بيروت كانت من أجل تحرير السياسة من القبضة الأمنية، وتحرير الحياة الثقافية من الرقابة القمعية، وتحرير الدولة من الاستبداد، و”تحرير” فلسطين من الأنظمة العربية بالذات، وتحرير المجتمع من الهويات القاتلة ومن الخوف. هذه هي المعركة اليوم التي تدور رحاها في الجغرافيا العربية، والتي قُتل فيها سمير قصير قبل اندلاعها.

المدهش في ذكرى قصير انه هو الذي اعلن مسبقاً بأن أولئك الشباب الذين كنا نراهم لاهين، لا مبالين، محبطين أو غير مكترثين، وبالكاد ينشغلون في السياسة، لكن مندفعين إلى الحياة الحديثة ووسائلها وأنماط عيشها… أولئك هم الذين كتب عنهم قصير بأنهم سيكونون قوة التغيير التي ستفاجئنا. رآهم في شوارع بيروت، في صخب ليلها وفي عجقة نهارها. كانوا بالنسبة إليه “الوعد” الوحيد الممكن. ونستطيع اليوم القول إنه كسب الرهان. فما من “ظاهرة” في العالم الآن، سوى ظاهرة الشباب العربي.

كان سمير قصير، أحد ألمع مهندسي “انتفاضة الاستقلال” والتي كانت سماتها أنها ثورة مدنية وسلمية، مستلهمة من المثال الأوروبي الشرقي (من بولندا إلى أوكرانيا) بقدر ما هي مستلهمة أيضاً من مثال “الانتفاضة” الفلسطينية الأولى، إذ ذهبت الثورة مضطرة إلى “المواجهة”.

هذه السمات التي كان سمير قصير يرى فيها الخيار الوحيد، لا للتغلب على المنظومة المستبدة فقط، ولكن أيضاً بوصفها الممارسة التي تتيح للجمهور “التحرر” من العنف ومن اليأس. ممارسة تولد بهجة الحرية وتنبثق منها أولى سلوكيات الديموقراطية.

قد لا تكون 14 آذار اللبنانية منتسبة تماماً للثورات العربية، لكن لا شك أن مشهدها، كما عمل عليه قصير، هو عينه المشهد الذي رأيناه في ساحة الشهداء ببيروت، وفي بولفار الحبيب بورقيبة بتونس، وفي ميدان التحرير في القاهرة، وميادين صنعاء وبنغازي ودمشق وحمص وحماه وحلب ودرعا… 14 آذار سمير قصير 2005، تتيح القول إن ربيع بيروت ينتسب إلى ربيع العرب، رغم كل “الخيانات” اللاحقة.

كان اغتيال سمير قصير “ضرورة” لتأجيل ربيع بيروت. لكن الحياة الثانية التي نشهدها له في ربيع دمشق وتونس والقاهرة وصنعاء، تخفف عنا حسرة غيابه.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل اللبنانية 5/6/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق