«رجئية» رحلت في مهدها

    تحية إلى الكاتب الراحل محمد أحمد البنكي الذي غادرنا في الثامن والعشرين من شهر أبريل 2010.

    تكمن أصالة الكاتب في قدرته على صناعة الواقعة المعرفية أو نحت القالب اللغوي والمفهومي. ولا تزال الصناعة غريبة عن الدراسات الفلسفية والأدبية، لانغماس هذه الدراسات في المثال الأفلاطوني الذي يعطي الأولوية والصدارة للفكرة السامية «إيديا تو أغاتو» (ιδεα του αγαθου) كموضوع للمشاهدة والدهشة، ولا يعتدّ بالصناعة التي هي «تحت فلك القمر»، تنتمي إلى صنائع يدوية ذات قيمة دُنيا. ولكن في الصناعة تتبدّى قيم المثال وجمال الفعل وجلال الخبرة وكمال البصيرة. وليس غريباً أن تكون الصناعة في شكلها اليدوي والحِرفي كما دلّ عليه أرسطو هي «البويسيس» أو الأداء الذي يستهدف بناء شيء خارج الذات (ποιέσις)، بالمقارنة مع «البراكسيس» (πραχις) وهو فعل يستهدف داخل الذات (تأمّل، مشاهدة، تفكير). وكان هناك الخلط بين الشعر (poésie) والصناعة (poièsis) حتى وإن انحدرت الكلمتان من نفس الفعل «الصناعة، الخلق، الابتكار، إلخ»، وعرف عن الفلاسفة العرب قولهم «صناعة الفلسفة» (الكندي) و«صناعة المنطق» و«صناعة الشعر» (الفارابي). وهذه الصناعة الفكرية أهملها الفكر حتى عهد قريب ابتدأ مع فتغنشتاين وجيل دولوز. 
 

    هذه الإشارة الخاطفة لسؤال الصناعة في مجال فكريّ يتميّز في الغالب بالتخمين والتقدير، هي من أجل الوقوف على مفردة من تشكيل الكاتب الراحل محمد أحمد البنكي في إشرافه على الكتاب المشترك حول جاك دريدا والذي عنونه «دريدا بأثر رجئي» (وزارة الثقافة والإعلام، البحرين، 2009، سلسلة أطياف، العدد الأوّل). عندما نقول «صناعة الواقعة الفكرية» لا نقصد بها ابتكار مفردات أو مفاهيم بشكل ارتجاليّ يفتقر إلى الأرضية والمعالم، أي إلى سياق التشكيل. لأنّ صناعة المفاهيم تشتغل في مجال نظريّ تتمّ تهيئته بقراءات وتأويلات وبنوع من الألفة مع النصوص. فلا شيء يمكن ابتكاره من عدم. بل هناك إرهاصات وتهيئة للأرضية المعرفية لإضفاء الهيئة المفهومية على المفردات التي نشكّلها. وهذا حال مفردة «رجئي» التي استعملها الكاتب محمد البنكي، الذي كان له بالإضافة دراسة جامعة ومستفيضة «دريدا عربياً : قراءة التفكيك في الفكر النقدي العربي»، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005). يكتب في تحريره للكتاب الجماعي: «عندما اخترنا هذا العنوان للكتاب توخّينا أن نقترب من المفكّر الفرنسي جاك دريدا بأكبر قدر ممكن من السكن في مناخاته، والتدثّر بأثره.. فالأثر مدماك مفتاحي في عُدّة دريدا المفاهيمية (المضادة للمفاهيم).. وتعبير "رجئي" يحيل إلى الإرجاء الذي هو خيار استراتيجيّ عرفت به أفكاره. ولئن كانت العبارة "بأثر رجعيّ" هي السائدة كتعبير اصطلاحي مطروق ومتداول، فإنّ "الأثر الرجئي" عبارة إشكالية تحيل إلى العبارة الأولى وتتملّص منها في آن واحد، على المستوى الصوتي والمورفولوجي والبصري والدلالي، وهي لذلك تحتمل الانتساب إلى شجرة دريدية السمات. "رجئي" كلمة جدلية تفتح على المستقبل في حين يذهب "الأثر الرجعي" إلى الماضي، وهنا مكمن التشاكل والاختلاف». 
 

    لنقل مباشرة إنّ ما ابتكره البنكي هو من عداد “الأوكسيمور” (oxymoron)، شكل طريف عُرف خصوصاً في عصر النهضة عندما كان الشعراء يتغنّون بالشيء فيدرجون الصفة على النقيض من الإسم مثل عبارات «الشمس القاتمة» أو «الصمت الصاخب» أو «الجُرح اللذيذ»، إلخ. فالمفردة التي قام بتشكيلها تنطوي على بُعدين، بُعد له وجه إلى الماضي (رجعي) وبُعد له وجه إلى الآتي (الإرجاء). وكأنّ الأرضية (التاريخية، الثقافية، الهوياتية) تنسحب من تحت أقدامنا لتعود القهقرى إلى الوراء، بينما يظلّ الوعي في سباق (وعَدْو) للذهاب نحو الآتي، نحو المستقبل. جاءت المفردة لتلائم (وتوائم) ما كان يقصده دريدا بالأثر، الذي هو الآخر "أوكسيموري" التركيبة. لأنّ الأثر يدلّ في الوقت نفسه على الغياب (الوقائع المفقودة) وعلى الحضور (الآثار المشهودة). وشيّد دريدا فكرته حول الطيفية أو الشبحية على هذه المفردة في الأثر التي تحتمل النقيضين، الماضي والحاضر، أو الغياب والحضور. ونعت البنكي المسألة "بالمدماك"، وهو ما تبقّى من الشيء يُعاد استعماله لبناء شيء آخر. ما يتبقّى (الأثر) يواصل اشتغاله في الصور التي يتيحها وكان سبباً في إمكانها. والأثر هو أساساً "المدماك" المفهومي في صناعة مفاهيم أخرى في المحاولة الدريدية.  

    لكنّ «الرجئية» ليست مجرّد تركيب "أوكسيموري" بين الماضي والحاضر، بين التراث والحداثة. إنّها "حضور" الماضي في "الحاضر"، وبنوع من "التقاطع الكياسمي" chiasme، "غياب" الحاضر في "الماضي" (كإمكان). لا ينفكّ الماضي عن العودة بأطيافه وأليافه وأعرافه في الحاضر. فهو يتمفصل بالحاضر، مثلما تسكن روما العريقة في روما الحديثة (المعالم الرومانية العريقة تنطوي على حركة حداثية وتكنولوجية تعجّ بالوقائع السبرانية والالكترونية والافتراضية؛ وبنوع من التقطع الكياسمي، تنطوي المتاحف ذات الهندسة المستقبلية والمابعد حداثية على آثار وأدوات عريقة في الزمن). تنطوي «الرجئية» على نوع من التعايش بين الماضي والحاضر في "الحاضر"، لأنّ الحاضر يتبدّى بآنيته في الحركة والأداء، ويتوارى الماضي فيه في شكل استعمالات وتداولات، أو في شكل تصوّرات وتمثّلات. يلتحم أحدهما بالآخر "حقيقةً" (وجود الآثار والبقايا التراثية والمعتقدات والممارسات والشعائر) و"مجازاً" (تواري الماضي بحقيقته ووقائعه وأشخاصه).

    وفي هذا الالتحام بين الماضي والحاضر، يطرأ المستقبل كإمكان في خاصية الإرجاء. فهاهي «الرجئية» تحيل إلى الإرجاء وإلى الرجاء. فما هو الأمر الذي يمكن إرجاؤه؟ الإرجاء هو حركة الحاضر نحو المستقبل، أي نحو وجوهه المتتالية والمتقدّمة بشكل يؤول نحو الآتي. "الرجئية" هي الأوجه أو الأشكال التي يتّخذها الحاضر في ارتقائه وتساميه. فهو يتقدّم باشتماله على ما سبقه، ويمنح لهذا الماضي أشكالاً جديدة من الأداء والاستعمال تبعاً لسياقات أو مجالات يجوبها الحاضر. حتى وإن كان الإرجاء ينطوي في دلالته على التأخير، فلا يتعلّق الأمر بتأجيل عمل أو رؤية أو مصير. "الرجئية" هي أن يهتزّ الحاضر بأنساقه ومعالمه ونواميسه لكي يتحرّك، أن يغادر الفتور أو الخمول نحو الخلق والابتكار، أن يفتح نافذة على المستقبل، أن يرى الأفق، أن يرتقي بنظره إلى النظرية، وبفهمه إلى المفهمة. "الرجئية" هي أن يصاحب الماضي الحاضر نحو انعتاقه وانفتاحه، نحو مستقبله الذي هو تسامي الحاضر وارتقاؤه. 

  لا يتعلّق الإرجاء أيضاً بتعليق الحُكم أو "الإبوكي" (εποχή) كما كان شهيرا عند سكستوس أمبيريقوس أو هسيرل، كذهول أمام الهول أو كفرار من اتّخاذ القرار. إنّه في «الرجئية» عبارة عن جدلية، أي حركة وتسامي، لما يعتري الجدلية من سلب وإيجاب، عنف وعنفوان، نجاح وإخفاق، بمعنى التجربة أو المغامرة أو الخبرة في أبهى تجليّاتها. «الرجئية» هي مساءلة مستمرّة للبداهات الماضية العالقة بالحاضر، وتساؤل لا ينضب عن مصائر الحاضر في حركته الحازمة نحو الآتي. فلا بدّ من الاحتراق بلوعة السؤال من أجل حياة تسمو بالحركة والفكر. لأنّ الموت الحقيقي هو الاكتفاء بالقناعات الماضية التي كانت وقتها أسئلة حارقة. فإذا كان الماضي "حاضراً" تولّى بهمومه وأسئلته وإرهاصاته واجتهاداته، فما هو الأمر الذي يمنع "الحاضر" الراهن من أن يشكّل أسئلته تبعاً لهمومه وأن يبني تصوّره لوجوده تبعاً لحركته وراهنيته وليس حسب الإملاء القسري أو التلقين القهري لعقود ماضية؟ 

    من هنا جاءت «الرجئية» كحوار جدلي بين الماضي والحاضر، في الإسم كما في الرسم، ولا تركن إلى توفيقية سهلة أو تلفيقية مزيّفة، لتخلد بعد ذلك إلى الراحة والفراغ. وجاءت كتحرير : أن يتحرّر الماضي من تبريرات الحاضر، وأن يتحرّر الحاضر من وصايات الماضي. وجاءت كعلاقة «لادونية» حسب تعبيرنا : لا يحيا الحاضر دون ماضي يغذّيه كما ترافق الذاكرة سيرورة الإنسان، ولا يحيا الماضي دون حاضر يبرزه ويقدّره. بينهما تعاضد في غاية الإحكام يتعرّض للهشاشة من جرّاء الاستعمالات الإيديولوجية أو الغايات الذرائعية والنفعية. «الرجئية» هي الوقوف في عتبة قوامها «لا هذا ولا ذاك»، لأنّهما «معاً»، لا يقوم أحدهما دون الآخر، ولكن بمعزل عن النزوع الرجعي والنفعي. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق