رجلان..

للمكتب الحكومي الوثير طعم رائع، إذ تأتيه الأوراق وتخرج بيضاء لامعة، الباب واسع للزائرين، وكاسات الشاي تتقاطع في اتساع الوقت، خضراء لذّة للشاربين.
للوقت البارد رحابة تأخذ شكل الرتابة والأمان، وكسل مرح يدير الرؤوس ويحنيها، وها قد عاد إلى وقته من جديد، يتمدّد فيه ببذخ المترفين.

بالأمس كان يلبسه فتضيق أطرافه المشتعلة، واليوم يلبسه واسعاً فيرى النور والبهجة.
عاد ليقول بنزق مترف، إنه فقط بحاجة إلى أن يرتاح، غابت سماوات أكثر غيماً، وحضرت سماوات أخرى، ويركض خلفه لقب جميل مترع بالكبرياء، وجد بزهو بالغ أنّ كلّ شيء أصبح أكثر جمالاً، وأدرك بغبطة عميقة أنّ كلّ ما كان يؤرقه وما لم يحسب له حسابا هو الوقت، السيد الكبير الذي عليك أن تقطع أوصاله، متفانيا بالعناية بنفسك، وجسدك، وروحك المريضة بهموم الآخرين، وشعر أنّه قادر على التعايش مع واقع جديد بحماس طفل، بدأ ينمو ويشتدّ عوده، فأسلم نفسه لموجات عارمة من الفرح، راح يتدهور خلفها برقص كهل، أثّث البيت القديم، واستلم أوراق منصبه، مدير فرع جديد للمؤسسة الثقافية والفنية، ثم مضى هادئاً يمشي بأقدام مسئول، يقطع كلّ دروبه بالبهجة اللذيذة التي تلطف صدره، يمكث في المكتب الباذخ ويعود إلى منزله بروتينية محببة إلى نفسه، يسبح في الوقت الذي بدا له واسعاً ينفقه مهووساً بالشعر والموسيقى والمرأة، يدحرج صورة وجهه وهوسه على صفحات الجرائد، والمجلات الفرحة بحضوره الكريم، ويعود إلى منزله بالروتينية المعتادة المحببة، ظلّ هادئاً جداً، كما لم يعتد أصدقاؤه، مدير مسئول يذهب إلى مكتبه من أجل أن يعود فقط، مستمتعاً بلذات عديدة، وكان يبدو أنه لا نهاية للطريق المليء برائحة الهواء الطريّ، وهو يسير بجسده الكبير، أطرافه الحمراء ضخمة تبرز من ثوبه في الحيّ الهادئ الذي يبدو له كما لو أنه لا يحضن سوى منزله، ومكتب عمله، خمس دقائق فقط بين البيت والعمل، وأمام هذه الحياة الجديدة ضاع كل شيء، وصارت تستغرقه دائماً نشوة فادحة ويغمره شعور مستمر بالغبطة، يأخذان كل وقته السخي، وينحدران به إلى عالم من التأملات والآمال، عالم لا يكون فيه الإنسان إلا خليطاً من الشبع والراحة، أو مزيجاً من كبرياء مغرور وفرح يبتهل أن يدوم الرخاء، وترف الرأس الذي لا عمل له.

إنّ كثيراً من المصادفات تحدث في أوقات غير لائقة، هذا ما استغرقه في ذلك المساء، وهو يعود إلى منزله متأبطاً عباءة صفراء منقوشة، في الصباح هاتفه المسئول ولم يجده، مضى شهر على تعيينه ولم يهاتفه أحد من هؤلاء، انعطف إلى الشارع الآخر وكانت تبدو له لا نهائية الطريق الذي رسمه وأصبح يسير الآن فيه، الأمر الذي فتح النافذة واسعة، أمام شابّ كان يسير خلفه، أن يحدّث نفسه قليلاً، ثم يتقدّم منه ويسأله بمفاجأة:
هل هذا هو الشارع الذي يؤدّي إلى منزلكم يا أستاذ؟
اهتزت كلّ صور الهدوء في نفس الرجل، وهو يتوقّف أمام السؤال، ثم ما تكاد تمضي ثوان حتى يلتفت، ينظر في وجه الشاب ثم يبتسم:
نعم يا عزيزي هل تريد شيئاً، ثم يتابع طريقه، مضى بكل الهدوء والاتزان والألفة، حتى وازى الشاب خطوته وبادره:
أرجو أن لا يكون الطريق متعباً لك؟
ردّ بحماس وضحكة على وجهه:
– أبداً .. أحتاج إلى خمس دقائق لأصل إلى المنزل.

قال ذلك وهو لا يدري إذا كان يودّ أن ينتهي فوراً إلى منزله، أو يستمر الشارع طويلاً إلى ما لا نهاية.
ذلك أنّ خواطر مليئة بالريبة، بدأت ترسم لوحات ملوّنة على وجهه المدور السمين، فقد عرف أنّ الشاب أحد طلائع المسرحيين بالفرع، وأحد الذين وافقوا على عدة بيانات رفعت إلى المسئولين، يريدون النهوض بهذا الفنّ (العظيم) على حدّ تعبيرهم، وغادرته فوراً حالة الهدوء، ودون أن يدري أسرعت خطواته المرتبكة، وهو يرمي الشابّ بنظر مخاتل يختلسه اختلاساً، صانعا على شفتيه ابتسامات ملونة.
تقدّمه الشابّ قليلاً في خطوات أكثر اتزاناً، ثم توازت الخطوات.
قال الشاب:
– يبدو أننا سنتعوّد روتين المشوار اليومي.
– هل أنت قريب من هنا؟
– نعم منزلنا في نفس الحيّ وقريب من فرع المؤسسة التي نعمل بها.
لم يشعر الرجل باقترابه من الشابّ وهو يسير ليسأله
– هل تعمل معنا في الفرع.
– تلميذكم، قرأت لك كثيراً من قبل !!..
وفرحنا لك جميعاً بمنصبك الجديد.
وأضاف الشاب بصدق وحرارة:
– لدينا الكثير من المشاريع المسرحية، وهي تنتظر مباركتكم،
ثمّ وهو يزداد صدقاً وحرارة عفويتين:
– لقد بالغ المدير السابق في الإساءة لأكثر أعمالنا، ولم يستوعب الكثير من طموحاتنا.

ولم يفطن الأستاذ لبعد كلام الشابّ، والخطوات متوازية تماماً، في الطريق الذي يتمنّى الشباب أن يمتدّ إلى مالا نهاية وكان قلبه يخفق بالفرح، إذ يكفى أنه يمشي جوار هذا الرجل ذي الوجه التلفزيوني، ويقدم له مشاريع الشباب التي رقصت في صدورهم منذ زمن طويل، كان يتحدث بينما خطرت في بال الرجل أشياء كثيرة، راح معها يغرق في تأملات قبضت روحة بشدة، وفكر مع نفسه وهو يستمع إلى الشابّ دون أن يعي ما يقول تماماً، وكان يرميه بنظرة جانبية ويحدّث نفسه: يعني أنا أصلح للفرع، وامتلأ بخليط المشاعر المرتبكة. لأوّل وهلة شعر بسعادة من نوع رائع، ملأت صدره، لم تلبث أن صارت إلى كآبة عميقة أحسّ معها برغبة هائلة في البكاء، كلمات من نوع: تصلح للفرع، ننتظر مباركتكم لأعمالنا، كانت كافية لإرباكه وهو يتذكّر ماضيه المتوثّب وحاضره الرسميّ البارد وأموال مشاريع الفرع التي قبض عليها دون وجه حقّ، رسم على وجهه ابتسامته المكتبية الصفراء، وردّ باقتضاب بعد أن استعاد نفسه: ليس كذلك بالضبط .. إنما !!
لكنه لم يتمّ ..

بدأ يحسب لإدراك الشابّ الذي أمامه، وهو يرى شابّاً قديماً ينطلق فجأة من أغوار سحيقة في داخله، أيقن أنه لا ضرورة لتبرير أيّ شيء، ظلّ فقط يتأمّل وجه الشابّ المترع بالحماس، ويرى وجهاً قديماً له فيه، وهو يحسب مرة أخرى أنه أدرك معنى صمته، ولكنه رأى في عيني الشابّ عتباً عميقاً، عتباً بريئاً يزخر به هذا الوجه المتوثب.
أراد الشاب أن يتحدث، قال كلاماً كثيراً، الأستاذ يقاطعه، ودائماً كلمات من نوع: ليس كذلك بالضبط .. لا تكن مبالغاً ..
لم يستطع الشابّ أن يستمر، بدأت خطواته تثقل أمام ردود مدير الفرع، صغرت خطواته وهو يرقب خطوات أستاذه تتجاوز، مكتفياً بصورة رسمها في رأسه لوجه آخر رآه يلمع في وجه الأستاذ، وقد عبّر عن ذاته بسرعة من داخله، ربما دون أن يدري غاصت بقية كلمات الرجلين في أعماق ملتهبة مشلولة، لا تستطيع البوح.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This