رجل بائس

الوقت كان غروبا أو ما دون الغروب بقليل. بل كان غروبا فهذه أصوات المؤذّنين ترتفع إلى عنان السماء تشارك أسراب العصافير ذلك الفضاء الرّحب. كلّ يسير في سربه دون نشاز أو تردّد. بعض الرّجال والفتية يحثون الخطى إلى المساجد قبل أن تفوتهم صلاة المغرب. تردّد الرّجل. هل يؤدّي صلاته أم يؤجلها؟ قد يفوّت على نفسه آخر السفرات إلى قريته فيبيت ليلته في العراء فحافلات النقل العمومي لا تعرف تأخيرا أو تأجيلا. حسنا، ليؤجّل صلاته إذا. هذا حساب بينه وبين ربّه. قد يجدان إليه حلاّ. حافلة النقل تأخّرت عن موعدها كثيرا. يحدث هذا أحيانا. تردّد ثمّ سأل حارس المحطة. ألا تعلم؟ هذا يوم إضراب. عد غدا أو بعد غد فقد يطول الإضراب. لا أحد يدري متى ينتهي. لم يغضب الرّجل فالأمر قد حسم وله أن يقرّر الآن. لن يؤجل صلاته ولن يبيت في العراء وسيقطع المسافة إلى قريته راجلا. مسيرة ساعتين أو ثلاث. بل قل ساعتين. سيحثّ الخطى… أدّى صلاته على عجل ولكنه أضاع وقتا طويلا باحثا عن حذائه الجديد قبل أن يقنع بالنعلين القديمين اللذين خلفهما أحد المصلين. أقسم هذه المرّة بأغلظ الأيمان. لن يصلّي أبدا حافي القدمين ولن يصلي في هذه المدينة. سيؤدّي صلاة العشاء في الخلاء وقد يؤجلها وقد يلغيها… يمّم شطر قريته غير آسف إلاّ على حذائه.

قال بينه وبين نفسه يتعزّى: ولكنّ هذين النعلين القديمين مريحان! وقف على الرّبوة التي تطلّ على المدينة واستدار. كانت أضواء الشوارع قد بدأت تتلألأ وكان القمر يطلّ فوقها مكتملا. فرد أصابع يده أمام عينيه ثمّ أطبقها. ما أصغر هذه المدينة! أستطيع أن أطبق عليها بيد واحدة! ثمّ واصل طريقه ولحقت به أصوات المؤذّنين من بعيد معلنة صلاة العشاء. ما زالت الرّحلة طويلة. سيشغل نفسه بالغناء أو التدخين. تحسّس علبة السجائر. سيجارة واحدة؟ كيف نسي أن يتزوّد؟ ربما هذا أحسن. أليس التدخين ضارّا بالصحة؟ هكذا كان يردّد على تلامذته الصّغار… سيحتفظ بالسّيجارة لمنتصف الطّريق حين يعنّ له أن يتأمّل ويتفكّر. سيغنّي إذا. ألا يقول أصحابه إنّ له صوتا شجيّا ؟ كان في الحسبان أن يصير مغنّيا لامعا ومشهورا لولا هذا الجرح الغائر الذي يشقّ جبينه وخدّه. مدّ يده يتحسّس في رفق وحذر كأنّ الجرح مازال حيّا لم يندمل. عشر سنوات. ألا تكفي ليندمل؟

ذهب الجرح بعينه اليسرى وبدأ النور ينحسر عن يمناه. يكاد لا يرى التلاميذ في آخر الصف وهو يكابر ويعاند متخفيا وراء نظاراته الدّاكنة. لو تفطّن الصغار لعلّته لتمرّدوا عليه ولكنّه يسوسهم بالشدّة حينا وباللّين حينا. لو تفطّن المتفقّد له يغمّس قلمه خارج الدّواة أو يتعثّر في المصطبة… هيّا يا عمّار. هذا ليس وقتا للتأمّل والتفكّر. همهم ودندن ثمّ رفع صوته يغنّي ولكنّ حنجرته لم تطاوعه. غنّ! غنّ يا عمّار! إن كنت حزينا فغنّ وان كنت سعيدا فغنّ! لم يكن حزينا ولم يكن سعيدا. فلماذا يغنّي؟ إذن سيشغل نفسه بالكلام. يكلّم من؟ أصحابه؟ نفسه؟ أين هم الأصحاب؟ تقطّعت بهم السّبل وتفرّقوا وتشتّتوا في كلّ فجّ… وبعد فليس لديه ما يقول. فلماذا يتكلم؟ إذن سيشغل نفسه بالصّمت. لم يستطع فانطلق يغنّي وارتفع صوته حتى هيّج عليه كلابا سائبة طاردته حينا من الزّمن ثمّ ارتدّت كسيرة مدحورة. أعياه الرّكض حتى تقطّعت أنفاسه. هذا فعل التّدخين. أليس التّدخين ضارّا بالصحّة؟ لا بدّ أنه قطع أكثر من نصف المسافة. أطبق على سيجارته بين شفتيه وأشعل عود الكبريت في تجويفة راحتيه ولكنّ الرّيح نفخت فانطفأ. أحنى ظهره وأشعل العود الثاني ولكنّه انطفأ. بقي عود واحد لسيجارة واحدة. أدار ظهره للريح وقدح العود ثمّ جذب أنفاسا متوالية فإذا السيجارة تتوهّج. وقف يعبّ أنفاسا أخر ثمّ واصل سيره. الرّيح التي كانت تعترض سبيله وتواجهه أرخت له العنان وباتت تدفعه إلى السّير دفعا. هذا أحسن. كم كنت واهما وأنت تبكي حظّك العاثر المنكود وتقول إن مصائب الدّنيا كلّها تألّبت عليك. هي ذا الرّيح تكاد تطير بك على بساط إلى قريتك. أنت رجل متشائم. هذا الجرح لا يعيبك في شيء. تكاد العين لا تراه بل هي لا تراه. هات يدك وتحسّس. ليس ثمّة شيء أيّها الواهم… عينك اليسرى؟ ما لها عينك اليسرى؟ مازال بها بصيص من نور بل وأكثر ولكنّك لا تريد أن تبصر…

الصّغار في آخر الصفّ؟ كنت تراهم ولكنّك تتغاضى عن صخبهم أحيانا. تغمّس قلمك خارج دواة الحبر؟ لأنّ التّفكير يشرد بك أحيانا كثيرة. ذلك شأن الذين يفكّرون. وبعد، كلّ الرّجال يغمّسون أحيانا خارج الدّواة. ثمّ انظر حولك قليلا. لو أحصيت لوجدت أنّ سبعين بالمائة من النّاس يحملون نظّارات لتصويب البصر. قد نبالغ قليلا. لنقل خمسين بالمائة…صوتك مازال صافيا مثل ماء النّبع الدّافق. بل زاد صفاء على صفاء. هات! أسمعنا! أرأيت؟ أسمعت ما أحلى هذا الصّوت؟ سار الرّجل حثيثا يدندن ويغنّي يكاد يسابق الرّيح حتّى وقف على ربوة فإذا هو مطلّ على المدينة بأضوائها المتلألئة! دهش واحتار. كيف عاد إليها وقد خلّفها وراءه منذ ساعتين من الزمن. كيف يحدث هذا وقد يمّم شطر قريته لا يلوي على شيء؟ أين ذهب بسيره الحثيث إذا؟ أعمل فكره وتذكّر كيف أدار ظهره للرّيح يشعل عود الكبريت ونسي في غمرة نشوته أن يعود فيستدير نحو قريته. أنت رجل بائس. يربكك حدث بسيط تافه، يشتّت ذهنك ويبعثر فكرك فكيف بك في الأحداث الجسام؟ كلّ مصائب الدّنيا تألّبت عليك. جرحك الغائر هذا ختْم البؤس على وجهك. عينك اليسرى انطفأت ويمناك انحسر نورها. أنت لا ترى الصبيان في آخر الصفّ مهما تمعّنت. تغمّس قلمك خارج الدّواة وتتعثّر في المصطبة. وما فائدة أن ترى ما حولك وأنت لا ترى ما بداخلك؟ صوتك كريه يِؤلّب عليك الكلاب السّائبة لأنّك بكلّ بساطة رجل بائس.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق