رحلة إلى البلاد االقصوى (2)

سور الصين… أو العظمة إذ تبلغ مبلغ التجديف

أحد الدوافع لزيارة بيكين كان الرغبة في رؤية سور الصين الشهير والذي يمر غير بعيد من المدينة. سور يمتد على مسافة 6 آلاف كيلومتر، تم بناؤه أجزاء منفصلة وعلى مدى قرون عديدة من الزمن. ذلك أن الممالك الصينية غير الموحدة آنذاك كانت كل واحدة تبني لنفسها سورها الواقي من الهجمات المتكررة لشعوب الشمال من مناطق منغوليا التي لم تعرف محاولاتها لاكتساح مملكة الوسط توقفا عبر التاريخ. في عهد إمبراطورية سلالة المينغ، سيقع الربط بين تلك الأجزاء المتفرقة من السور وتوحيدها في جدار واحد يمتد مثل تنين هائل يتسلل عبر الجبال والأودية والوهاد.

أقتني تذكرة لرحلة ضمن تلك الجولات التي تنظمها وكالات الرحلات والتي لا أحبها في العادة. الموقع الذي سنزوره (بالادينغ) يقع على بعد 65 كيلومترا من المدينة والسفر إلى هناك بالقطار معقد وغير مجد. أفضل إذن الالتجاء إلى الرحلة المنظمة وبرفقة دليل سياحي. ثم إن هذه الرحلة ستمكننا في الوقت نفسه من زيارة قبور سلالة المينغ على سفح أحد الجبال غير بعيد من بالادينغ. الصينيون كانوا يفضلون دفن ملوكهم بعيدا عن المدينة حتى لا تظل أرواحهم تزعج حياة السكان. أمر بدا لي على غاية من الحكمة… احذروا شراسة موتاكم! بالمناسبة لم أر أية مقبرة في بيجينغ. أين يدفن الصينيون موتاهم إذن؟ طبعا هناك المحارق بالنسبة للبوذيين، لكن أين هي مقابر المسلمين مثلا وهم كثيرون في هذه المدينة؟

أقتني تذكرة لرحلة ضمن تلك الجولات التي تنظمها وكالات الرحلات والتي لا أحبها في العادة. الموقع الذي سنزوره (بالادينغ) يقع على بعد 65 كيلومترا من المدينة والسفر إلى هناك بالقطار معقد وغير مجد. أفضل إذن الالتجاء إلى الرحلة المنظمة وبرفقة دليل سياحي. ثم إن هذه الرحلة ستمكننا في الوقت نفسه من زيارة قبور سلالة المينغ على سفح أحد الجبال غير بعيد من بالادينغ. الصينيون كانوا يفضلون دفن ملوكهم بعيدا عن المدينة حتى لا تظل أرواحهم تزعج حياة السكان. أمر بدا لي على غاية من الحكمة… احذروا شراسة موتاكم! بالمناسبة لم أر أية مقبرة في بيجينغ.
أين يدفن الصينيون موتاهم إذن؟ طبعا هناك المحارق بالنسبة للبوذيين، لكن أين هي مقابر المسلمين مثلا وهم كثيرون في هذه المدينة؟

لم تكن الرحلة خالية من بعض المفاجآت، ومن شيء من التوتر أيضا. لم يكن برنامج الرحلة يعلن سوى عن زيارة الجدار وقبور سلالة المينغ. لكن ها أننا نفاجأ في منتصف الطريق بدعوتنا لزيارة ما قُدّم لنا على أنه مصنع لليشب. أغلبنا يعرف من خلال ما قرأ في الكتب السياحية، أو من خلال تجربة شخصية بأن هذه الرحلات غالبا ما ترى مسلكها ينحرف لتستغل سذاجة أو غفلة السياح في اتجاه تجاري بحت. ما قدم لنا على أنه مصنع ليس في الحقيقة غير متجر، أو شيء شبيه بمعرض ذي غاية تجارية صرف. وحتى تلك الورشة التي تجلس داخلها 12 عاملة ورجل واحد لم تكن في الحقيقة غير ضرب من التمويه، ليس أكثر. نحتج في البداية على هذا الانحراف غير المبرمج للرحلة، لكن الفتاة التي كانت تقودنا في رحلتنا مصرة على زيارة “المصنع” وراحت تحاول إقناعنا بالفائدة المعرفية التي سنحصل لنا من وراء ذلك، بينما نحن مصرون من جهتنا على تمسكنا ببرنامجنا الأصلي، لأننا لا نود إنفاق الوقت في مشاهدة هذا المعرض على حساب زيارة الجدار وقبور المينغ. الفتاة تبدو مستغربة لا تفهم أن يحتج الناس على برنامج يملَى عليهم، وأن يرفضوا بهذه الطريقة شيئا يبدو مثل أوامر فوقية غير قابلة للنقاش. ههنا، أول مواجهة إذن بين عالم متمسك بحرية أفراده في اختيار ما يريدون وعالم آخر قائم على الانضباط والطاعة. الفتاة راحت بالنهاية تتوسلنا مؤكدة على أن الأمر يتجاوز إرادتها الخاصة وأن الزيارة لن تتطلب على أية حال أكثر من نصف ساعة. نشفق عليها بالنهاية ونتنازل، لكن ليس دون التأكيد لها على أننا لا نفعل ذلك إلا من أجلها هي شخصيا. هذا الأمر طبعا ليس من خصوصيات الصين، بل كل من تجوّل في بلدان سياحية أخرى وشارك في مثل هذه الرحلات المنظمة يعرف أن لكل مكتب أسفار ولكل دليل سياحي غايات تجارية موازية تجعله ينعرج بقطيع سيّاحه عن المسار المسطر لهم مسبقا ويقودهم إلى متاجر لبيع السجاد ومواد الصناعات التقليدية. الأمر نفسه يحدث في تونس ، في المغرب، في تركيا… لكنني لم أر دليلا سياحيا يصاب بمثل هذا الذعر الذي استبد بالفتاة الصينية وهي ترانا نرفض اتباع برنامج رحلتـ”ها”، كما لو كنا نهدد أركان جمهورية الصين الشعبية بكليتها بذلك السلوك الذي بدا لها بالتأكيد تمردا لا موجب له.

كثيرا ما حلمت برؤية هذا السور الشهير عن قرب، وكان حلمي ذاك يبدو لي أمرا شبيها بالمستحيل. ثم ها أنني الآن أمام الجدار. أفترق عن المجموعة التي اتجهت إلى الجانب الشمالي حيث كانت مجموعات كثيرة تتسلق الجدار باتجاه بناية عالية بعيدة. أمضي يمينا باتجاه ربوة عالية يتسلقها السور مثل ثعبان هائل الجثة ولا أرى أحدا يمضي في ذلك الاتجاه. أفرح لذلك، لأنه ليس هناك ما يفسد علي متعة التجول في المتاحف أو المعارض مثل الحشود الكبيرة المتنقلة مثل القطعان في جلبة تشوش على المرء لحظات اختلائه بما يريد النظر إليه.

سأجد نفسي وحيدا أنا والجدار ولا أحد يشاركني هذا اللقاء. لا جلبة، لا ركض، لا لغط ولا أجسام كثيرة تكسر هيبة ذلك البناء الذي لم يُجعل إلا ليكون عظيما شامخا وحشيا ووحيدا. عظيما في توحشه ومهابة مسيرته متعرجا وحيدا بين الجبال والأودية. ذاك هو السور الحقيقي كما كنت دوما أتخيله. لا أريد أن يفسد علي الزحام البشري مهابة لحظة الجدار كما أفسدها علي من قبل توافد الجموع الغفيرة على جدار برلين أثناء عملية الانفتاح. أتذكر أنني قد تجولت طويلا لوحدي وقطعت مسافة طويلة بمحاذاته قبل شهرين من حادثة الانفتاح في سنة 1989. كان لدي أثناء تلك الجولة انطباع بأنني أسير على الخط الفاصل بين الدنيا واللاشيء الذي وراءها. منطقةُ لا أحد، بل طرف قصي من العالم، وحدّ قاطع فاصل حاد وقاس مثل نهاية فجئية. شيء له رهبة الموت وجلاله المخيف والذي لا يخلو من سحر في الآن ذاته.

السور في هذا الموقع يتسلق الجبل بحسب زاوية تكاد تكون قائمة. السلم الحجري قاس وعنيد ودرجاته عالية نسبيا. أتوقف لحظة لاسترداد أنفاسي وأنظر من تحتي إلى المكان الذي تركته قبل بضع دقائق فيصيبني شيء قريب من الدوار… ذهول الحواس. أنفر من ذلك التحت خاصة عندما أرى الجموع المتحركة في الساحة المبلطة من تحت مثل دمى ملوّنة. أنظر إلى فوق. قمة الجبل تبدو معلّقة فوق رأسي الآن مثل برج يمكن أن يقع عليّ. نوع آخر من الدوار. أحول عيني عن تلك القمة التي غدت تتراءى مخيفة وأسرح بنظري فوق الروابي البعيدة والجبال التي تحد الأفق وفوقها يتسلل الجدار متعرجا ملتويا ماضيا بعناد باتجاه أفق بعيدة لا تدركه العين. ذلك المنظر الذي تعودت أن أراه في الصور كان لا يخلو من سحر ومهابة، أما الآن فإن انطباعا آخر قويا حادا مدوخا مسكرا ينضاف إلى تلك الانطباعات التي توحي بها صوره على الورق. أنا الآن فوق الجدار، ألمس حجارته وترابه وأركل بقدمي الحصى والقش اليابس فوقه. أنا الآن جزء من هذا التنين الحجري الهائل الممتد إلى ما لانهاية.

حشرة صغيرة تدب ملتصقة بالحجر تكاد تلتحم بالنسيج الذي يكوّن تلك الجثة الهائلة للكيان الذي لم يعد مجرد حجر، بل كائنا حيا متحركا بنفَس، كما لو كان هو الذي يتحرك ويمضي بسرعة في التواءاته، يزحف فوق الجبال، ينحدر إلى أعماق الأودية، ينط، يتمطط، يتلوى، يندفع. ولم أكن فوقه سوى نملة متشبثة بظهر تنين سيمضي بها إلى حيث لا تقدر على المضي بقوائمها الضئيلة الضعيفة. شعور لذيذ رائع أن تغدو في وعيك الخاص نملة، ولا شيء سوى نملة ملتصقة بظهر الكون. خفيفا تغدو بتفاهتك المكتسبة من شعورك الجديد هذا. خفيفا ومرحا ومخلَّصا للتو من ثقل الجدية المفرطة التي كانت ترزح على وعيك بنفسك-أو وعيك الزائف بنفسك. نملة فوق سور الصين الذي يتخذ الآن في عينيك -وفي شعورك- كما في لا شعورك هيئة إله صلب متين عظيم عنيد جبار طاغية، ورحيم أيضا لأنه يسمح لك بتسلقه ويحملك على ظهره لا يتأفف منك ولا يضجر ولا ينتفض ليقلبك على رأسك فتهوي حطاما فوق الصخور.

هل كانت الصين في تلك العصور الغابرة تبني سورا واقيا، جدارا يفصلها عن العالم؟ أم كانت ترسم بالحجر تمثالا عظيما لأكبر تنين أطلقته من مخبئه ليمضي إلى تطويق الأرض بكليتها؟ هل كانت الصين مهووسة فقط بالاحتماء من هجمات الشعوب المتوحشة التي كانت تحيط بها، أم أنها كانت مسكونة بهاجس ميتافيزيقي أرقى، مسحورة برسم صورة من الحجر لعظمة كيان ميتافيزيقي غامض؟ هل كان سور الصين تجسيدا أم تجريدا يناشد الحد الأقصى للتجريد؟

فكرة غامضة كان الصينيون ومازالوا يلاحقونها من وراء الاحتفاء بالمعالم الضخمة الهائلة: سور الصين، أسطول الكنز الذي كان يتجاوز في حجمه الجملي كما في حجم بوارجه كل أساطيل العالم، المدينة المحرمة، ميدان تيان آن مان (أو ما يعني السِلم السماوي) الفسيح، الأبراج الحديثة في بيجينغ وشانغهاي. سعي وراء هاجس عظمة blasphématoire –أو ضرب من التجديف الميتافيزيقي، كي أتفادى استعمال عبارة الكفر التي قد لا تفيد المعنى الذي تفيده والدلالات التي ترشح بها نظيرتها الفرنسية.

لكن ما هو السر الذي يكمن وراء هذه المجاورة التي يقدر عليها الصينيون بين العظيم البالغ العظمة والصغير الضئيل؟

***

مطاعم المسلمين في بيكين

ظاهرة غريبة لم أكن لأتوقعها. جزء هائل من مطاعم بيجينغ يعلق على مداخله لافتات كبيرة مرسوم عليها بالخط العربي وباللون الأخضر: المطعم الإسلامي. محلات الأكلات الإسلامية السريعة تعرّف بهويتها بعبارة “حلال” المخطوطة على لافتاتها باللغة العربية وباللون الأخضر أيضا. أغلب أصحاب هذه المطاعم من المسلمين الصينيين المنحدرين من مناطق الشمال الغربي (شعب الغوير). ملامحهم تختلف قليلا عن ملاح الصينيين، وفي أغلب الأحيان يمكنك أن تميز بوضوح تام أصولهم المغولية والتركية العريقة. الكثيرون من أولئك المسلمين يمكن للمرء تمييزهم بالقلنسوات البيضاء التي يضعونها فوق رؤوسهم. لكنني لم أر نساء و فتيات متحجبات! أغلب هؤلاء المسلمين الصينيين أراهم يعملون في المطاعم أو يبيعون الكعك والمكسرات وحلويات وزبيبا في عربات صغيرة يدفعونها عبر الشوارع. غالبا ما يبتهجون عندما يرونني ألتقط صورا لمحلاتهم وأقبل عليهم مسلما بعبارة “السلام عليكم”، وليس نادرا أن يقدم لي أحدهم أو إحداهم شيئا لأتذوقه كهدية وعلامة ترحاب.

سأفاجأ أيضا أن مطعم فندق Red House الذي نزلت به يقدم هو أيضا بعض الأكلات العربية مثل الحمص وباباغنوج والتبولة والمصقّعة، بالرغم أنه فندق من الطراز الغربي ويؤمه الكثير من السياح الأوروبيين وخاصة الشباب منهم. أما المطعم فعبارة عن حانة لنادي رياضي من بيجينغ وعلى جدرانها تعلق الكثير من صور الفرق الرياضية الأوروبية من يونايد مانشستر إلى ريال مدريد . جل البلدان الأوروبية ممثلة هنا بأعلامها أو برايات رياضية لأشهر فرقها أما إسبانيا، ممثلة بنسخة من لوحة للرسام خوان ميرو!

أحياء الخوتونغ(Hutong)

وراء الشوارع الفسيحة والبنايات العالية الهائلة والأبراج الملتمعة ببريق الحداثة المتبرجة تندس الأحياء الشعبية القديمة لمدينة بيجينغ، أو ما ظل صامدا منها أمام سيرورة الهدم الشاملة الزاحفة على المدن الصينية جميعها. هنا تنبض المدينة بنبضها الحقيقي. بيوتضئيلة الحجم متلاصقة بسقوفها القرميدية الرمادية المتداعية في أغلب الأحيان وأزقتها الضيقة التي لا يتجاوز عرضها مترا ونصفا، أومترين في أفضل الأحوال.

هنا تضطرب الحياة من وراء الواجهة العصرية الباردة، بنبض آخر، روائح أخرى ونكهة شرقية أصيلة. دكاكين صغيرة، قاعات حلاقة كثيرة كثرة غير معهودة تجلس داخلها على الدوام مجموعة من الفتيات غالبا ما يكنّ مثبتات عيونهن على شاشة التلفزيون المعلقة فوق رؤوسهن. محلات للحدادة والنجارة ومطاعم، لا تتجاوز مساحة الواحدة منها عشرة أمتار مربعة في على الأكثر. غسيل أواني المطابخ والطناجر والصحون غالبا ما يتم خارج البيوت والمطاعم، في أحواض مبنية لصق الجدار أو في آنية كبيرة من البلاستيك، مباشرة على الرصيف أو في الزقاق الضيق. الناس يتناولون أكلهم على الرصيف مجموعات متحلقة حول أواني أو طناجر مشتركة في كثير من الأحيان. الحياة كلها في الخارج وحتى البيوت غالبا ما تكون مفتوحة الأبواب. شيء من الحوار الصاخب بين الواجهة العصرية المتبرّجة والوجه القديم الذي لا يستسلم لصيرورة التداعي التي تنخره وتهدده بالانقراض، بل يواصل حياته المضطربة بالحيوية والتلقائية.

هنا تحدث اللقاءات مع البشر الحقيقيين، المحادثات، الممازحات، المغازلات، المداعبات، المشاكسة والمساومات. هنا يمكن للغريب أن يجد المنفذ المبجّل لولوج المدينة. الباعة والبائعات النشطات يدعونك دوما لشراء شيء ما، لكن بطريقة أكثر هدوءا ورفقا مما عليه الأمر في الشوارع التجارية الكبرى مثل شارع Wang Fu Jing الشهير والذي يقع غير بعيد من ساحة تيان آن مان. وهنا لا تصدّع رأسك الأصوات الآلية التي تصدح من كل المحلات التجارية وأصوات الفتيات اللاتي يقفن على عتبات المطاعم بلباسهن التقليدي ذي الألوان البديعة مترنمات متغنيات وهن يسعين بكل ما أوتيت حناجرهن من قوة إلى استدرج الزبائن، وكل ذلك وفق نسق سريع ومتتال يجعل المدينة من حولك مثل جلبة من نباح الجراء.

في ساحة تيان آن مان، كما في العديد من أزقة الخوتونغ، كثيرا ما يبادرني الناس بالتحية مبتسمين. بل غالبا ما يتقدم مني أحد المتنزهين في ميدان تيان آن مان عندما يلاحظ أنني غير مرفوق ويسألني إن كنت أرغب في أن يأخذ لي صورة بالكاميرا التي في يدي وهو يفكر بأنني لا أستطيع أن أفعل ذلك بنفسي من دون رفيق. أما عندما يروني أضع السيقان الحاملة التي أحكم فوقها الكاميرا لآخذ لنفسي صورا بالطريقة الآلية فذلك ما يثير عجب الكثيرين، وكثيرا ما تتحلق مجموعة قرب الكاميرا ووراءها حيث يمكنهم مراقبة ما يظهر على الشاشة الصغيرة وهم يبتسمون بدهشة كمن يرقب أمرا عجبا لا يأتيه غير السحرة والشياطين! الأمهات والآباء يفرحون ويغتبطون عندما أريد أن آخذ صورا لأطفالهم. يشجعونهم على ذلك، وبعدها يلحون عليهم بأن يشكرونني، وكم مرة تقرّب أم طفلها مني كي يقبّلني بعد أن آخذ له صورة.

على العموم هناك شعور مريح بأنك ضيف مرغوب فيه تستقبل بالترحاب وأحيانا بشيء من الدهشة البريئة، أوالساذجة؛ شيء شبيه بدهشة الأطفال أمام مشهد غريب نادر أو غير منتظر. حياتنا كغرباء في أوروبا تكاد تنسينا مثل هذه الحفاوة والتلقائية.

ليس نادرا أيضا أن يعرض عليك الناس أن تتقدم وتشاركهم أكلهم وأنت تمر بهم وتنظر إليهم متحلقين حول أواني الأكل في الشارع وأمام الدكاكين.

ذات مرة لبّيت الدعوة في زقاق من أزقّة الخوتونغ غير بعيد من المدينة المحرمة وكان عليّ بعدها أن ألغي بقية برنامج زيارات ذلك اليوم لأعود مباشرة إلى الفندق وأنام لكثرة ما سكبوا لي من البيرة في تلك الظهيرة الساخنة. ستة رجال مررت بهم وأنا أخرج من دكان لبيع الاسطوانات الموسيقية، ثم مررت ثانية أمامهم وأنا أعود إلى الدكان نفسه بعد أن سحبت مبلغا ماليّا من الموزع الآلي القريب. وفي كلتا المرتين قذفت بنظرة سريعة على الأطباق التي كانت أمامهم وزجاجات البيرة متمنيا لو أنني أجلس إلى هذه المائدة المرتجلة مباشرة على الرصيف.

عند خروجي ثانية من الدكان متجها نحو مقهى الإكسبرسو الذي جلست فيه مرتين قبلها وأخذت صورا لأحواض الغسيل الطريفة لبيت الحمام في طابقه العلوي، لم يفت الجماعة اهتمامي بمائدتهم. يدعوني أحدهم إلى الجلوس، ثم ينهض من مكانه ليجلب من المطعم الصغير المجاور كرسيا صغيرا واطئا وزجاجة بيرة. كانت هناك أربع أطباق، واحد فوقه لحم محمر والآخر معجنات من نوع الرافيولي الإيطالية والتي تسمى هناDim Sum و تُتناول بكثرة سواء في المطاعم أو على مصطبات الأكل الشعبية الصغيرة في الشوارع. كان هناك أيضا طبق لحم آخر في مرق شبيه بالحساء وإناء مليئ بالفول المدمّس. ناولني جاري الذي دعاني إلى الجلوس إلى جانبه العودين وبدأ يفسر لي كيف ألتقط حبات الفول وأتناولها وعندما قلت له إن لدينا في بلدي مثل هذه الأكلة تعجب وراح يترجم كلامي للآخرين الذين كانوا ينظرون إلي بدهشة وأنا ألتقط الحبات وأرمي بالقشرة كما يفعلون هم أيضا، كما لو أنني في ذهنهم كائن قادم من القمر لم ير فولا في حياته البتة. الشاب الذي أجلسني إلى جانبه هو الوحيد الذي يتكلم قليلا من الأنكليزية من بين المجموعة كلها. كان هناك أيضا واحد بهيئة صعلوك حقيقي، حليق الرأس بوجه نحيل وعظمي ووجنتين بارزتين وعينين صغيرتين تشعان خبثا واستعلاء، وكان عاري النصف الفوقي فيبدو بهيئة شيطان من شياطين الظهيرة. وخلافا لبقية الجماعة الذين أبدوا كثيرا من الود والترحاب بجلوسي معهم وهم يتابعون باهتمام وبشيء من الفضول المرِح طريقتي المتعثرة في التقاط الطعام من الأطباق بالعودين ويسكبون لي البيرة في كأسي بالتناوب، فإن صاحب الرأس الشيطانية كان يقذفني بنظرات لا تخلو من شيء من الاستعلاء خاصة بعد أن رفضت أن أتناول من زجاجة شراب الرزّ، أو “الويسكي الصيني” كما يقول هو، والذي كان يشربه بكثير من التبجح ملوحا بحركات من يده تنم عن الاستخفاف بالبيرة التي لا تساوي شيئا في نظره بالنسبة لرجل معتد برجولته مثله. عندما لاحظت الجماعة إعجابي بقطع الـ”ديم سوم” المحشوة باللحم والأخرى المحشوة بالسبانخ طلبوا طبقا ثانيا وهم يستحثون النادلة مشيرين إليّ بما معناه أنني أحببت هذه الأكلة، وذلك ما فهمته من ابتسامة الاعتزاز التي كانت تنطق بها عيناها وهي تقدم لي الطبق الإضافي. صاحبي الأقرع سيظل مصرا على رفع زجاجة نبيذ الرز في وجهي ملوحا بها في هيئة التحدي أو المفاخرة، وأنا أمعن في رفض عرضه مكتفيا بالبيرة في هذه الظهيرة الساخنة نسبيا. بقية المجموعة ما فتئوا يتناوبون على ملء كأسي وفي كل مرة يكون عليّ أن أضرب كأسي بكأس الذي سكب لي المشروب أولا ثم ببقية الكؤوس من بعده. يبدو أن هذه الطريقة من آداب الشراب لدى الشاربين الصينيين، كما سيتأكد لي مرة أخرى في القطار أثناء سفري من شانغهاي إلى فوجو.

لن أكون صادقا إذا ما ادعيت أنني لم أكن أشعر بشيء من التردد في البداية وأنا أنظر إلى قطع اللحم الصغيرة الداكنة والصلصة ذات الهيئة الكاراميليّة (السكّريّة). سألت جاري أي نوع من اللحم هذا الذي في الطبق أمامي، فأجابني الأقرع وهو يحكم يديه في هيئة قرنين على رأسه الشيطانية: نيو رو! … نيوووو رو! وضعت يدي على رأسي كما كان يفعل ورددت معه: نيو رو! مو! مو! –ياس، يس! مو مو رو! أجابني مقهقها. فهمتُ: نيو تعني البقر، و رو تعني اللحم. وهذا الطبق الثاني؟ -جيو رو! جيو جيو! ظل الأقرع يردد وهو يحرك رأسه المطأطئ قليلا يكاد يلحس المائدة في هيأة خنزير يخور ويحرث بخطمه الأرض. أوكي؟ أوكي؟ – أو، يس أوكي، جيو رو!… لكن: نُو هبْ هبْ رو؟ هب هب، كنت أردد محاولا تقليد صوت الكلب.

تحولت العملية الآن إلى شيء شبيه بمسرحية، والجماعة يقهقهون منشرحين ومندهشين شيئا ما لهذا الغريب المهرّج الذي يجلس الآن بينهم.

–No, no dog! قال جاري اللطيف، ثم أضاف موضحا: Dog is very expensive!
بعدها أوضح لي بأنه لا داعي من التخوّف من أن يُدسّ لي في مكان ما لحم كلاب عوضا عن البقر أو الخروف، “بل أن الصيني إذا ما خطر له أن يغشك فسيناولك لحم خروف عوضا عن لحم كلاب”، لأن هذا الأخير باهظ الثمن، ويعدّ من الطيّبات-delicatesse.

أهل بيجينغ على العموم لطيفون ومرحون ويميلون كثيرا إلى المزاح والفكاهة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق