رحلة إلى البلاد القصوى (4): شنغهاي… رأس التنين، سدوم الشرق

نانجينغ الصاخبة المزدحمة الغائمة لم تكن المدينة التي يمكن أن يطيب لي فيها المقام. نوع من خيبة الأمل بعد بهجة بيجينغ. قلت لأتجهْ إذن مباشرة إلى رأس التنين: شانغهاي التي غدت محط الأنظار مجددا في السنوات الأخيرة، كما كانت في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

أنحرف إذ عن طريق الأميرال جنغ خه بعد أن يئست من إمكانية السفر بالباخرة انطلاقا من نانجينغ باتجاه الجنوب كي أتبع طريقه البحرية لـ”أسطول الكنز” الشهير الذي جئت أريد السير على خطاه. ولئن لم تمنحني هذه المدينة ما أكنت أنتظره من البهجة فقد عثرت بعد جهود مضنية على أية حال على قبر جنغ خه في ضاحية تبعد 30 كلمترا، كان الوصول إليها مسلسلا في حد ذاته. كما وجدت حديقة جنغ خه وسط مدينة نانجينغ حيث كان منزل إقامته سابقا. بعد جهود ومحاولات يئست من العثور على أثر ما لميناء ننجينغ القديم وموقع صناعة السفن الذي أمر ببنائه الإمبراطور جودي من سلالة المينغ وأشرف فيه الخصي الشهير الأميرال جنع خه على صناعة أكبر أسطول في العالم آنذاك. وربما ما أرهقني أكثر إلى جانب مشاكل اللغة وجهل الناس هنا بكل ما له صلة بجنغ خه وأسطول الكنز هو أنني أجد نفسي لأول مرة في رحلة مقيدة ببرنامج بعينه وبمدة محددة من الزمن. لم تكن لي تلك الفسحة التي أمنحها لنفسي عادة عند زيارة أي بلد كي أجلس وأتسكع دون هدف وأترك الكثير من الاكتشافات للصدف وتلقائية اللقاءات. فأنا في الحقيقة جوّال متسكع ولست بحاثة، وذلك هو ما يجعل الأسفار أمرا محببا لديّ.

كان لديّ إذن طمع ما في أن أعثر على شيء من آثار “أسطول الكنز” في مدينة شانغهاي. بما أن نانجينغ لم تعد ميناء ولم تعد لها من علاقة بالبحر، فقد بقي لي أمل ما في أن أجد متحفا بحريا في شانغهاي التي غدت من أكبر المرافئ التجارية الصينية.

محطة شنغهاي: أجواء الشرق تنهال على المسافر دفعة واحدة.لغط وهرج وتلك الحركية التي توحي بأن الناس في فرار جماعي لا أدري إلى أين. لكن يبدو أن سوّاق التاكسي يعرفون إلى أين. ينقضّون عليّ في هجوم جماعي: تاكسي! تكسي! بينغوان! هوتيل! إنها اللحظات الأكثر إزعاجا في كل السفرات. أمرّ مجرجرا حقائبي لا أحفل لا بالنداءات ولا بالأيدي التي تجذبني من ذراعي. على المرء أن يتظاهر بالبله التام أو الحمق المطلق كي يفلت من هذا النهش الذي لا يرحم. أن تسير وكأنك لا تسمع ولا ترى مثيرا بذلك مزيدا من انفعال متناهشيك كي تنتهي بإثارة سخطهم جميعا عندما تتجه رأسا إلى سيارة تاكسي صاحبها يجلس هادئا وراء مقوده، ثم تفتح الباب وتصعد أمام أنظار كل أولئك الذين ظلوا يلاحقونك ويعرضون عليك خدماتهم! على الضحية أن تلعب من حين لآخر دور المتشفي من الذئاب التي تريد أن تكون جميعها ذئبها المفترس…

كانت لي في الحقيقة غاية أخرى في زيارة شانغهاي، غير “أسطول الكنز” والطريق البحرية. أريد أن أرى هذه المدينة الصينية ذات السمعة الأسطورية والتي كانت منذ القدم تسمى برأس التنين. – هذه الرأس التي عادت إليها الحياة في السنوات الأخيرة على نحو مذهل. وكانت لدي نزوة أخرى أيضا؛ أن أنزل بفندق ِAstor House الشهير، وهو أقدم الفنادق الفاخرة بالمدينة من أواخر القرن التاسع عشر وكان يسمى في ما مضى بRichard’s Hotel. وهو إضافة إلى ذلك أول بيت دخلته لمبة كهربائية في شانغهاي وفي الصين عامة، وهنا نزل العديد من مشاهير الرجال من بينهم شارلي شابلن والفيلسوف البريطاني برترند راسل والعالم الألماني أينشتاين الذي تلقى هنا خبر حصوله على جائزة نوبل. بيت ذو مجد عريق لم يعد يحتفظ منه سوى بمهابة الطراز المعماري البريطاني (الفيكتوري) بجدرانه السميكة العالية وباحته الواسعة والقباب والأعمدة والغرف الفسيحة بأفاريزها وأرضيتها المكسوة بالخشب. وفي ما عد ذلك بعض صور تذكارية لمشاهير النزلاء وصور أخرى لمدينة شانغهاي في بدايات القرن القرن العشرين. صور تحاول أن تذكّر بمجد قديم، لكنه مجد مستسلم لشيء من الإهمال وقلة العناية. وليس بالعسير على المرء أن يلاحظ ذلك الإهمال في الطريقة البائسة التي تلفق بها الصورة الظاهرية المغالطة التي تحاول الإيهام بأن الجدران مكسوة بالخشب البني العتيق، لكنك تمعن النظر في الزوايا فتلاحظ أن ذلك مجرد قشرة من مادة الـPVC الاصطناعية الملصقة على الجدران. وبالتالي فإن هذا الفندق، وبالرغم من سمعته التي مازالت تجلب إليه عددا لا بأس به من السياح والمسافرين الأجانب، قد غدا يعد من فنادق الدرجة الثانية، بل الثالثة – وإلا لما أمكن لمسافر متواضع الإمكانيات مثلي أن ينزل به.

وفي الحقيقة أنا لست من المولعين بالأصنام والأوثان، ولست بالتالي هنا سعيا وراء طقس صنميّ. بل يعجبني كثيرا أن أعبر على خطى العابرين. أن ألمس آثار الغياب، أكثر مما أبحث عن آثار للحضور. وبما أن الفندق عامة مكان العبور بامتياز بالرغم من تنكره في هيأة مكان للإقامة، فإن فندق أستور هاوس سيكون المعلّم الأكثر صدقا بالنسبة لي من أبراج البودونغ الحديثة. ألج بناية الفندق العتيقة الشامخة بمهابة الحجر الصلب وأعبر البهو الفسيح وأمر من الأروقة والممرات ذات الجدران العالية والقباب الرشيقة، ثم أصعد السلم الخشبي العتيق الذي لحسته مئات آلاف الأقدام ولم تفلح الترميمات في محو آثار مرورها فوقه، وفي رأسي لا تطن سوى فكرة العبور ومطلق العبور. كما لو أنني عوضا عن أن أقول: هنا جلسوا، من هنا مروا. لا أستطيع سوى أن أفكر: من هنا عبروا ولا أحد ترك أثرا. هنا مملكة الغياب، ولا حضور-سوى للغياب.

شاهد على العبور والفناء هو أستور هاوس إذن. وحتى تلك الترميمات ورتوشات التجديد الملفّقة ليست سوى محاولات عديمة الجدوى لمقاومة العمل المدمر العنيد للزمن. أستور هاوس؛ لحظة وعي الفناء.

باريس الشرق، سدوم الشرق، هكذا كنت تسمى شانغهاي منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى فجر الثورة الشيوعية. شانغهاي ذات طابع أوروبي أكثر من بيجينغ ونانجينغ. وهي بالرغم من الإهمال الذي أصابها كما أصاب بقية مدن البلاد منذ الخمسينات من القرن المنصرم ومن التلفيق السريع والارتجال والفوضى التي يتم بها التجديد العمراني في الصين حاليا، ما تزال محافظة على الكثير من أبهة مجدها القديم وبخاصة في حي الـBUND المقابل لنهر الهوانغ بو حيث تصطف أكبر المؤسسات المصرفية الصينية والفنادق الكبرى في استعراض فاخر على الضفة المقابلة لأبراج البودونغ الشهيرة، حيث المراكز التجارية الباذخة وحيث تتجمع داخل حفل معربد من الأضواء ولمعان الزجاج والمعدن الصقيل أشهر محلات الماركات العالمية للموضة والعطورات والحلي جنب إلى جنب مع عدد من محلات الماكدونلدز والـKFC وSTARBUCCS وDONUTS؛ أي في كلمة واحدة كل “خطايا” العالم الرأسمالي.

واضح أن الصينيين، وككل شعوب الدنيا على ما يبدو لي، لا ينفرون من مراودة تلك الخطايا. وخلافا للخطايا التقليدية التي عادة ما يحرص المرء على اقترافها طي الكتمان، فإن الخطيئة الإستهلاكية لا تريد أن تمارس إلا علنا وبكثير من التبجح والمفاخرة. لأنها هنا عنوان نجاح وارتقاء اجتماعي، وانخراط في طقوس الحفل الشبقي العالمي المحلوم. يعجبني كثيرا أن أظل لساعات أتابع حركات الناس في مثل هذه الأماكن وأمعن النظر في تحركاتهم والهيآت المفتعلة التي يتخذونها، الملامح المقفلة على ضرب من الجدية المصطنعة، تلك التي تنطق بها كل الملامح والمشية والنظرات وانتصاب الرأس بطريقة توحي بأن العالم بكليته لا يساوي عشر فلس بالنسبة لها. إنها العلامة المميزة لفئة مستجدي الثراء. هنا في شانغهاي وأقل بقليل في الشوارع التجارية العصرية بكل من بيجينغ ونانجينغ، كما في عواصم العالم الثالث عامة، يعجبني أن أتابع مثل هذه الحركات وأحاول استقراء ما تحاول ان تنطق به من مفاخرة ومباهاة واحتفاء بالذات لا يتحقق إلا عبر ملصق الموضة ويافطة الماركة العالمية؛ أي في ذلك النوع من الاستهلاك الذي يحول الأشياء إلى واجهة للشخصية، وعناصر متممة لكينونة الكائن. بل لعلها العناصر المكونة الوحيدة لتلك الكينونة التي لا تستطيع أن تكون إلا من خلال الأشياء- شيء شبيه بالمفارقة أن لا تتحدد الكينونة بعناصرها الداخلية بل بأكسسوارات ومكملات خارجي.

ثراء واضح بطريقة استعراضية متبرجة في هذه الأحياء العصرية، خاصة في جادّة نانجينغ (Nanjing Lu) الشارع التجاري الجديد وااـ New world Centerالمركز الحيّ للمدينة إلى جانبالبوند والبودونغ ذات المجد الذي يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، أو فترة الهيمنة البريطانية والفرنسية وازدهار الأعمال التجارية بعد حرب الأفيون.

كنت أعرف من خلال المعلومات التي استقيتها من الإنترنت أن فندق أستور هاوس يوجد في مكان غير بعيد من حي البودونغ العصري حيث الأبراج العالية. لكنني فوجئت مع ذلك عندما خرجت من الفندق واجتزت الشارع الفاصل بين البناية والجسر الحديدي الكبير لأرى أنني أقف مباشرة أمام تلك الأبراج التي رأيت صورتها العديد من المرات على شاشة التلفزيون، لا يفصلني عنها غير النهر. شعور غريب أن يجد المرء نفسه في مكان ظل ملتصقا في الذهن بما يشبه صور الخرافات والأساطير. المكان الأسطوري موجود فعلا –وأمام عينيك مباشرة. التلفزيون لا يكذب! على طول الضفة اليمنى لنهر هوانغ بو هناك رصيف عريض شبيه بالكورنيش وعدد لا يحصى من السياح الصينيين والأجانب الذين يتمشون أو يقفون هناك لمراقبة الأبراج المقابلة. شيء شبيه بطقس وثنيّ يومي. الجميع يشهرون آلات التصوير، البعض يأخذون صورا للأبراج ولبعضهم البعض. أناس كثيرون يجدون أنفسهم مثلي يضعون أقدامهم على عتبة المدينة الأسطورية. عدد كبير من المصورين المحترفين يعرضون خدماتهم على الزوار عارضين بعض نماذج من لقطات قد أخذوها في ما مضى لزوار آخرين. أكشاك تجارية كثيرة تعرض بطاقات بريدية، قطعا تذكارية تجسد حي البيدونغ وبصفة خاصة برج التلفزيون الشبيه بإبرة ضخمة تثقب ضباب السماء، تي شورت، حرير، أشياء مصنوعة من اليشب واليشب المزيّف، بطاريات، أفلام، بطاقات تلفون إلكترونية. وأكثر من عدد الأكشاك هو عدد الباعة المتجوّلين الذين يحملون بضاعتهم في أيديهم أو يضعونها مباشرة على الرصيف ولا يكفون عن تناهش المارة. هناك أيضا عدد غير قليل من المتسولين، ويجلسون عادة على الأرض لكن في هيأة تختلف عن جلسة المتسولين في نانجينغ وأحيانا في مثل تلك الهيأة نفسها؛ أي أن يظل الواحد جالسا على الأرض مطأطئا رأسه ولا يكف عن القيام بحركات عجيبة بكتفيه وصدره؛ يهوي برأسه التي تصعد وتنزل في حركة سريعة شبيهة بحركات رأس المنجذب في حفل صوفي، يكاد أنفه يلامس التراب، بل يكاد ينبطح بصدره على الأرض كلما هوى بها بتلك الحركة العنيفة إلى حد ما. حركة عجيبة لا أدري ماهو كنهها الحقيقي: هل أن المتسول يحط من نفسه فلا يكتفي بالجلوس والتمرغ على الأرض، بل يظل كما لو أنه يخبط برأسه على الأرض خبطا جنونيا؟ ترى هل هو ضرب من الاتضاع وتمريغ الأنف في التراب سحقا للنفس أمام الآخرين؟ أم أن المتسول يخفي وجهه عن الأنظار خجلا من منزلته تلك؟ لا ننس أن إحدى أهم المبادئ السلوكية، أو الفلسفة السلوكية لدى الصينيين تقتضي بأن يظل المرء حريصا دوما على عدم فقد ماء الوجه، أو على حفظ ماء الوجه؛ هل تلك إذن طريقة لحفظ ماء الوجه بإخفائه عن الأنظار؟ أم ترى المتسول قد اقتنع بأنه فقد ماء الوجه نهائيا حتى أصبح لا يسعه إلا أن يخفيه عن الأنظار وأن يفضل تمريغه في التراب؟

سألاحظ بسرعة أن عدد المتسولين في مدينة شانغهاي أكثر بكثير مما رأيت في بيجينغ ونانجينغ.

هي ذي شانعهاي إذن المدينة التي يتجاور فيها الثراء الأقصى مع الفقر الأكثر حدة كما كانت قبل ما يزيد عن قرن من الزمن.

في الطابق السفلي من فندق أستور هاوس يوجد مقهى بدا لي لطيفا ويذكرني ببعض مقاهي باريس القديمة أو ببعض بارات برلين التقليدية مع لمسات قريبة من ديكور وهيأة ما يسمى بالـ’Alternativ Style’، لكن مع فارق أن الطاولات والكراسي هي في الحقيقة أشبه بمقاعد الحدائق العمومية من كراسي وطاولات المقاهي. هناك أيضا موسيقى جاز تنبعث من مصدحين مثبتين إلى السقف لكن بصوت مرتفع يغدو مزعجا إلى حد كبير في الصباح خاصة وأنت تتناول قهوتك وتتعثر في خطواتك الأولى إلى اليقظة.

يومان كانا كافيين لإرضاء نزوتي. لم يعد فندق أستور هاوس يوحي لي بذلك الانطباع الأول المثير إلى حد ما. غدا في عيني فندقا يحاول أن يكون فاخرا ومتبجحا شيئا ما. لكن تبجحه أصبح يبدو لي مفتعلا بعد أن بدأت أتثبت في بعض الجزئيات والتلفيقات غير الموفقة في أحيان عديدة. فالفندق الشهير قد تحول في فترة الثورة الثقافية إلى بيت يأوي المناضلين الشيوعيين القادمين من المدن الداخلية والأرياف. نزل للعمال والفلاحين، وقد شُذّب طابعه الأرستقراطي البريطاني، بل دمّر بما لم يعد يسمح له بأن يستعيد مهابته القديمة إلا في هيأة ظل أو طيف. قلت لنفسي: إنها بداية الفتور، فلأرتحل إذن!

أنتقل إلى فندق آخر بشارع “خنان لو” غير بعيد من نانجينغ لو (أو نانجينغ راود). أجرة الغرفة هنا تعادل نصف ما كنت أدفعه في فندق أستور هاوس. هذا الحي (الذي لا يبعد كثيرا عن البوند الفاخر العريق) شعبي تجاري مليء حركة وهرجا، ونزلاء الفندق كلهم من الصينيين من الفئات المتوسطة. أشعر بارتياح أكثر لهذا الفندق المتواضع والفتاة اللطيفة التي سأجلس إليها مساء في الطابق الخامس أعلمها بعض كلمات باللغة الأنكليزية وتعلمني بدورها كلمات من اللغة الصينية وتنصحني بالابتعاد عن نساء نانجينغ لو لأنه لا غاية لهنّ سوى ابتزاز الأموال من الغرباء حسب تعبيرها.

لا متحف بحريا هنا ولا هم يحزنون. بالمناسبة، المتاحف في الصين ليست بالكثرة التي يتوقعها المرء في بلاد ذات تاريخ طويل وحافل بالأحداث العظيمة. المتحف الوطني بنانجينغ مثلا يكاد يتلخص في معرض لبعض منتوجات الصناعات التقليدية القديمة (يشب،خزف، حرير) وفنون النقش والرسم. سأستسلم لمتعة التسكع دون هدف تقريبا في شوارع شانغهاي وأزقة أحيائها العتيقة خاصة وسأبحث هما يمكن أن يكون قد تبقى من شانغهاي التي كانت لها سمعة “مدينة الخطايا” أو “سدوم الشرق” في بدايات القرن العشرين.

في أواخر العشية، أحب كثيرا الوقوف في زاوية تقاطع شارع خنان لو وزقاق هونغ كونغ المزدحم بباعة الرصيف ومحلات الأكلات الشعبية السريعة. أتناول كويرتين من الـ”ديم سوم” (عجين محشو باللحم أو بالسبانخ) من نفس المحل الذي أصبحت تعرفني بائعته حتى أنها لم تعد تنتظر طلبي ولا أن تلبي الواقفين قبلي لتناولني كويرتيّ المحببتين وهي تبتسم مغتبطة لوفائي أو لإعجابي ببضاعتها. كويرات الديم سوم يتم إعدادها بالبخار داخل اسطوانات من خشب القصب شبيهة بالغرابيل. أما تلك الأصغر حجما والتي تشبه الرافيولي الإيطالية فغالبا ما تسلق في الماء أو تطهى داخل مرق الحساء الخفيف. ألتهم الكويرتين وافقا أمام الدكان مباشرة وأنا أرقب تدفق الدراجات من أمامي بأعداد غفيرة.

لا أدري لماذا غدت تسحرني الدراجات بهذا الشكل هنا! لعلها كانت تمنحني نوعا من الاستعراض لشتى الوجوه والأجساد التي تندفع في حركة لا تعرف التوقف إلا للحظات معدودة عند تغير الإشارات الضوئية لحركة المرور. عند التوقف في موقع التقاطع، ثم في لحظة الانطلاق يمنحك الحشد الهائل من الدراجات منظر مظاهرة كبيرة: تدفقا بشريا في مشهد سنمائي من تلك المشاهد التي لا يجيدها غير أيزنشتاين: شبان، فتيات شيوخ، كهول، عمال، موظفون، تجار جوالون يجرون وراءهم عربات صغيرة مشدودة إلى الدراجات وغالبا ما تكون محملة بشتى البضائع من الخضار إلى الكراتين الفارغة فأعمدة معدنية وأواني متنوعة وخشب ونباتات وزهور وخردوات. كل شيء ينقل فوق تلك العربات الصغيرة المجرورة بالدراجات، أو فوق الدراجات مباشرة وبكميات هائلة لا أدري كيف ينجحون في ترصيفها فوقها، بينما الأقدام تتحرك بعسر وهي تضغط على الدواسات. وجوه محتقنة، وجوه منقبضة، وجوه مصممة، شفاه متوترة، عيون زائغة أحيانا لفرط ما يجهد الجسم نفسه لدفع الدراجة بحملها الثقيل. وجوه صارمة، وجوه فتيات بعضها مقفل على ضرب من الإصرار أو التصميم، وأخرى مبتهجة كما لو أنها في نزهة ممتعة. الدراجات متلاصقة تقريبا، لكنهم جميعهم سواقون بارعون ينزلقون الواحد لصق الآخر تخالهم سيصطدمون ببعضهم، ستتشابك دواليب دراجاتهم وتحصل الكارثة، لكن لا شيء من ذلك يحصل، و تظل الحركة متواصلة في سيلان مكتظ مزدحم، لكن كل واحد يستطيع أن يستغل الحيز الضيق الممنوح له بدقة عجيبة.

هناك أحيانا أعوان مرور لا أظن أنهم من رجال أو نساء الشرطة، بسيطو الهيأة لكنهم صارمون جدا في ترتيب حركة السير ويتحكمون في نسق تدفقه وتوقفه بسلطة لا تعرف التردد. من حين لآخر يخطر لواحد أو واحدة، أو اثنان، أن يتجاهل الإيماءات التي تشير بالتوقف مثلا، لكن ذلك العون، وغالبا ما تكون امرأة سرعان ما تنطلق باتجاهه ملوحة في وجه المعني بعصا الترتيب مطلقة سلسلة حادة من التصفير. ليس نادرا أن رأيت واحدة منهن تصرخ محتجة مؤدية بيديها حركات تنم عن الغضب والاستياء والتذكير بهيبة النظام. لكنني لم أكن أستطيع للأسف أن أفهم محتوى ما كانت تتلفظ به السيدة في حالة غضبها تلك: هل كانت تشتم، أم تتوعد، أم تلوم، أم تتلو بعض جمل من الكتاب الأحمر للرئيس ماو- “ضد الليبراليّة” مثلا، أو “دع مئة زهرة تتفتح”-؟ كان بودي لوأنني أفهم ما كانت تقول لأنني كنت أقف معجبا بتلك الصرامة التي كانت تبدو لي مع ذلك مختلفة عن الصرامة الشديدة والقهرية لأعوان الشرطة العاديين. هناك شيء من اللين الإنساني يتراءى لي مداخلا للحركات الصارمة التي كانت تندى عنهم، أو عنهن في مثل تلك الأوضاع. وبالمناسبة من بين الأشياء التي ما زلت أشعر بشيء من الحسرة عليها هو أنني لم أتعلم ولو شتيمتين أو ثلاث باللغة الصينية؛ لأنه مهم جدا أن يعرف الواحد بعض شتائم الشعوب التي يسعى إلى فهم شيء من ثقافتها وسلوكاتها، علاوة على ما يمكن أن تنطوي عليه المسألة من فوائد عملية في بعض الأحيان.

المطر يكاد لا ينقطع في شانغهاي منذ يومين. والحذاء الذي اشتريته في نانجينغ من دكان بدا لي عصريا وأنيقا إلى حد ما، لا يمكن أن نقول أنه يمكن أن يكون موضوع إشهار جيّد للصناعة الصينية. الأيام الأخيرة ابتداء من وصولي إلى نانجينغ كانت في أغلبها ممطرة والجو يغشاه على الدوام الضباب. وفي المجمل لم أتمتع بمنظر سماء صافية إلا لمدة خمسة أيام في بيجينغ. الطقس الغائم على الدوام عنصر إضافي راح ينفرني من هذه المدن الصينية الشبيهة بغيلان عمرانية. و إلى حد الآن لم أشعر لحظة واحدة بتلك السعادة العارمة التي تغمرني بها المدن العتيقة عادة في كل سفراتي. لا شيء من مهابة إسطنبول ولا شيء من السحر العميق لفاس وتلك الرهبة الغامضة التي تلبست بي منذ ولوجي مدينتها العتيقة. لا شيء من مرح مراكش وخفتها والانطباعات الدسمة التي تتخلل كياني بين أزقتها وداخل هرجها الموغل في القدم. لا شيء من لحظات الغيبوبة الرقيقة في شوارع لشبونة… صحيح أن لحظات جولاتي داخل أحياء الخوتونغ ببيجينغ كانت لذيذة وكذلك تسكعاتي الطويلة في شوارع نانجينغ القديمة وحتى جولاتي الطويلة جدا في الأحياء القديمة المتداعية هنا في شانغهاي. تلك الأحياء الشعبية المكتظة الضاجة المتداعية والقذرة في أغلب الأحيان، كانت بمثابة السلوان بالنسبة لي داخل رتابة وسطحية الشوارع العصرية.

الأحياء العتيقة لها بهجتها الخاصة التي تنبض بها تلقائية البساطة. لها نكهة الحياة. ثم هناك منظر الجدران القديمة والبيوت نصف المتداعية والغسيل الكثير الذي يتدلى على النوافذ وفوق البلكونات وأحيانا فوق رؤوس المارة في الشارع. لكن يظل ينقصني شيء لا أستطيع تحديد هويته بالضبط في هذه المدن؛ مجرد شعور بنقص ما. ذلك الأمر الغامض الذي يسكر الروح ويداعب أوتارا خفية في النفس، يرطّب المشاعر ويجعلني أشعر أنني أتنفس من هواء مفعم ببهارات معتقة داخل روح المدينة.

أكاد أقول أنني لم ألمس روحا نابضة لهذه المدن إلى حد الآن. حتى داخل المعابد الكثيرة التي زرتها، لم أشعر بالرهبة التي تتخللني داخل الجوامع أو الكنائس العتيقة وبالأخص كاتدرائيات العصر الوسيط البسيطة والمتقشفة بحجرها السميك وأروقتها المعتمة قليلا. هناك كثير من التزويق والبهرج داخل المعابد البوذية والكونفثيوسية التي زرتها إلى حد الآن؛ البهرج وذلك الطلاء الذهبيّ الملتمع في كل مكان يطغى بهرجه الصاخب على الفضاء ويحول دون بلوغ حالة الخشوع والرهبة. تماثيل كثيرة وصور محلاة بالألوان الذهبية، كثيرة اللمعان والبريق والثراء كيما تستطيع أن تتضوع بعبق القداسة. هذه المعابد تبدو لي في ازدحام بهرجها وإيغالها في الافتتان بالزينة مستلبة في تلك الأشياء الخارجية الملتصقة بجدرانها وسقوفها وأروقتها. كثيرا ما تذكرت الكنيسة الملفّقة داخل جامع قرطبة والتي جعلتني أشعر بالضيق كما لو كانت تجثم بثقل على صدري بمنحوتاتها وأعمدتها وتصاويرها وذهبها الكثير؛ أي في كلمة واحدة بتبجحها وطابعها الاستعراضي المفاخر العدواني والمفتعل.

قبل أسبوع تقريبا وأنا ألج معبد كونفثيوس الكبير في نانجينغ وأرى ما تعج به كل أروقته من محلات ومصطبات بيع المواد التذكارية مما له علاقة بكونفثيوس ومما لا علاقة له به شعرت بشيء من الضيق ورحت أتساءل: ألم يسمع هؤلاء بيسوع المسيح وفورة الغضب التي تلبست به وهو يرى تجار اليهود يحوّلون معبد القدس إلى سوق؟ ثم تذكرت أن الكونفثيوسية هي أيضا كثيرا ما كانت تدعو إلى التبتل، بل كانت تناصب التجار العداء وتعتبرهم طبقة فاسدة، الأمر الذي بلغ بهم حد منع التجارة الخارجية والنهي عنها واعتبارها مُفسدة لقيم الشعب الصيني. هاهو كونفثيوس مهزوم من قبل التجار في عقر داره إذن!

لم يكن الأمر ليختلف عن ذلك في “معبد اليشب” بشنغهاي (نسبة للتمثالين الكبيرين لبوذا المصنوعين من اليشب الخالص: بوذا الجالس وبوذا المستلقي في حالة النيرفانا) وهو في الأصل دير قديم للرهبان البوذيين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق