رحلة إلى البلاد القصوى (5): شنغهاي، تجارة وصخب طفولي

لأمة الصينية معروفة منذ القدم بأنها أمة تجارة. لكنني لم أكن لأتصور الأمر إلى هذا الحد. لعل مرد هذا الهوس بالتجارة والكسب هو الانفتاح الحديث على العالم وعلى نظام اقتصاد السوق بعد سنوات طويلة من الانغلاق والتبتل الشيوعي؟

بدأت فعلا أسأم من هذا النهش الذي أجد نفسي كأجنبي معرضا له طوال الوقت من قبل شتى أنواع الباعة وأشباه الباعة. وبدأت أتوتر للنداءات المتواصلة دون انقطاع:

Hello! You want a watch? Where are you going? Hello! massagi? Postcard? Silk? Hello! Where are you from? You want a lady? Hello; we are student, we want to speak English with you…………

لعبة الطالبات هذه، انطلت عليّ في المرة الأولى، ومرة ثانية: طالبتان لذيذتان ترغبان في التحادث مع أجنبي طمعا في تحسين لغتهما الأنكليزية. ما العيب في ذلك؟ لكن بعد لحظات قليلة ستدعوك الفتاتان إلى زيارة ورشة أستاذهما غير بعيد من هناك، لأنهما طالبتان في معهد الفنون، وأستاذهما رسام لامع سيكون سعيدا باستقبال زائر أجنبي في ورشته…. وستكتشف بسرعة أن الأستاذ الجليل سيكون أكثر سعادة إذا ما اقتنعت واشتريت بعضا من رسومه المزعومة، وهو سيكون طبعا لذيذا ووديا معك وسيخط لك بعجلة وبيد بارعة بعض الأحرف الصينية على ورق رديء ويناولك إياه هدية خاصة من عنده، ولن ينسى طبعا أن يضع ختمه فوقها كي لا تعتقد أو لا يعتقد من سيراها من بعد أنها ليست نسخة أصلية وذات قيمة، قبل أن يسلم أمرك من جديد إلى طالبتيه المزعومتين اللتين سترهقان نفسيهما من أجل إقناعك بضرورة شراء بعض اللوحات.
لم تعد تنطلي عليّ اللعبة إذن، و سأجد بعدها متعة متشفية عندما أفتعل الإنصات إليهن وهن يقدمن أنفسهن لي كمولعات باللغة الأنكليزية، ومباشرة أتم لهن بقية النص الذي صرت أحفظه عن ظهر قلب مثلهن….”آ، طبعا سنتحدث معا باللغة الأنكليزية، لِم لا؟ ثم ستأخذاني إلى ورشة أستاذكما لأرى معرض صوره غير بعيد من هنا، أليس كذلك؟” عند هذا الحد ينتهي اللقاء اللطيف وتعود طالباتي اللذيذات أدراجهن مكسوفات الخاطر، وأمضي في طريقي لا ظافرا ولا منكسفا.

غدا المشي مقرفا تحت المطر التي لا تتوقف منذ صباح هذا اليوم. الساعة الواحدة ظهرا وتناول غداء ساخن لن يكون بالتأكيد أمرا فائضا عن اللزوم. ألج مطعما مغوليا من تلك المطاعم الإسلامية حيث يمكن للمرء أن يتناول لحم خروف. المطعم من النوع المتوسط لا هو بالشعبي البائس ولا هو بالفاخر وكثير البهرج. الزبائن كلهم بملامح وسطآسيوية. الموسيقى أيضا ليست صينية. لوحات كبيرة على الجدران تجسد مشاهد من حياة سكان المناطق الغربية للصين. مشاهد فروسية بخيول راكضة وفرسان يشهرون البنادق. لوحات تجسد حفلات شعبية ورقص. النادلون لهم ملامح قريبة من ملامح الأتراك (من شعب الويغور بالتأكيد) لكنهم نحيفون وبشوارب غير كثة مثلما يرى المرء في بلاد الأناضول. وجوههم محايدة وليس فيها شيء من ابتسام وحبور الصينيين. “شوربة شانغهاي” قد خيبت توقعاتي. بعدها وجبة لحم الخروف بالبصل؛ كارثة حقيقية. اللحم مجرد أسلاك دقيقة لا أدري بأية آلة قطعوه بتلك الطريقة التي جعلته شبيها ببكرة من الخيوط الدقيقة لا طعم لها ولا نكهة علاوة على هيأتها الغريبة تلك ووجود كمية من الألياف التي تستعصي على المضغ… أخرج من هناك ولدي شعور كما لو أن قدما قد دفعتني من الخلف. يا له من جفاف!

لم أر صورا لماو تسي تونغ في الشوارع والمحلات لا في بيجينغ ولا في نانجينغ. لكن هنا في شانغهاي يبدأ ظهور صور الزعيم بصفة أقل كثافة بكثير مما يرى المرء من صور أتاتورك في تركيا أو صور رؤساء الدول في البلدان العربية. صور شوان لاي غالبا ما تظهر إلى جانبها أيضا. هناك أيضا محلات كثيرة للمواد التذكارية أو لبيع المواد القديمة تعلق على واجهاتها وأمام أبوابها صور الرئيس والوزير الأول وقبعات بنجمة حمراء ونسخا من الكتاب الأحمر الشهير. لا ننسى أن شانغهاي هي العاصمة الأديولوجية ومركز الأحداث الجسام: تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، مؤتمرات الحزب الهامة، الثورة الثقافية، وموطئ قدم “عصابة الأربعة” الشهيرة.

سأستغل فرصة وجودي في شانغاهاي لأزور البيت القديم لشوان لاي الذي يوجد في حي يبدو واضحا أنه كان في ما مضى من الأحياء الثرية الفاخرة. حي شبيه بالدائرة السادسة عشر لمدينة باريس، أو دائرة داهلم-غرونافالد ببرلين. لكن يبدو أن يد العناية لم تمسسه هو أيضا منذ عشرات السنين، وهو، وإن لم يكن على حالة من التداعي مثل ما عليه حال المدينة العتيقة وأحيائها الشعبية المندسة وراء البنايات الجديدة الفاخرة -هنا كما في بيجينغ ونانجينغ- ، فإنه لا يكاد يوحي سوى ببقايا عز قديم. البيت نفسه الذي انعقد داخله المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني في بداية العشرينات من القرن الماضي.

البيت كبير نسبيا ويتكوّن من طابقين، لكن التصوير ممنوع داخله. هناك أيضا حديقة بها تمثال لشوان لاي وهناك مرآب داخله سيارة بويك سوداء فاخرة. وفي ما عدا ذلك بعض أغراض شخصية وغرفة بها مكتب الرفيق شو وأخرى فيها سرير وطاولة يُزعم أنها غرفة نومه، وبعض غرف أخرى للاجتماعات أو لإيواء الرفاق الوافدين على المدينة من مقاطعات الأقاليم.

في الحي نفسه يوجد أيضا البيت القديم للدكتور صان يت صن قبل أن يحوّل مقر إقامته الرسمية إلى نانجينغ.

—–

جامع شنغهاي

أمنية واحدة لديّ وقد بدأ السأم يداخلني من التمشي تحت المطر؛ أن أجد مقهى أتناول فيه قهوة إكسبريسو أو كابوتشينو وأجلس نصف ساعة أو أكثر أتفرج على العالم أو أخط بعض الأشياء في كنشي. لكن العثور على مقهى من ذلك النوع الذي نعرفه في العالم الغربي (وأقصد بالغرب هنا كل ما يقع وراء الهند أو إيران) أمر صعب جدا في المدن الصينية. هناك بطبيعة الحال بعض محلات الـSTARBUCCS التي لا أحبها ولا أشعر داخلها بحميمية المقاهي بمعناها المألوف لدي. الصينيون مولعون جدا بمثل هذه المقاهي وبمحلات الماكدونالدز المنتشرة انتشارا مذهلا داخل المدن، في الأحياء الحديثة بصفة خاصة. هناك أيضا بعض مقاهي من الطراز الغربي وقد أصبحت أميزها بعبارة Coffee House التي تشير إليها. وهي وإن كانت تختلف قليلا عن المقهى الذي نعرفه في البلاد الأوروبية أو حتى في البلاد العربية تظل على أية حال أقرب إلى أجوائها ولها شيء من حميميتها، و يمكن للمرء أن يتناول هنا قهوة حقيقية حتى وإن كانت دون المتوسط في نوعيتها، كما يمكن تناول وجبات غير صينية، أو ما يسمونه هنا بالأطعمة الغربية وتقدم فيها الشوكة والملعقة والسكين التي أصبحتُ أفرح لرؤيتها مثل شيء عزيز أجده مجددا بعد أن ضاع مني لمدة من الزمن. وعلاوة على ذلك لاحظت أن الصينيين يمسكون عن البصاق في مثل هذه المحلات. عثرت على واحد من هذه المقاهي في شارع نانجينغ لو. كان هناك بعض سياح أجانب والكثير من الصينيين من الذين يحبون هم أيضا جلسات المقاهي حول فنجان من القهوة أو الشاي أو العصير. هنا يمكن للمرء أن يمكث، لأن المحلات الصينية ليست أماكن للجلوس والمكوث، بل لها غاية وظيفية؛ المرء يتناول أكله فيها ويمضي. أما قاعات الشاي الكثيرة وذات الديكور التقليدي، الجميل في أغلب الأحيان، والموائد والمقاعد المصنوعة من جذوع الأشجار الكبيرة فتبدو لي أماكن لالتقاء المجموعات وليست المكان المناسب لواحد يجلس لوحده أو يريد أن يختلي بنفسه. هل ظاهرة حب الجلوس في المقاهي ظاهرة غربية؟
رأيت الصينيين يحبذون الجلوس في الشوارع، وفي الحدائق أو في المعابد أكثر مما يجلسون في المقاهي وقاعات الشاي.

في المقهى الغربي بجادة نانجينغ-لو لم تكن هناك كابوتشينو اليوم. أمر غريب! بالأمس كانت هناك كابوتشينو؛ ترى ما الذي ينقصهم اليوم كي لا توجد كابوتشينو. ذلك ما لم أستطع أن أفهمه. سأكتفي إذًا بقهوة سوداء من نوع النسكافه وقطعة من العجين الورقي المصنوع بكمية كبيرة من الزبدة ذات الرائحة التي بدأت تميل إلى العطونة.

إلى المائدة التي على شمالي، يجلس ستة رجال وامرأة. يتكلمون معا وفي نفس الوقت تقريبا وبأصوات عالية وخاصة واحد من بينهم برأس كبيرة شبه مربّعة ونظارتيْ بيروقراطي أصيل. هذا الأخير مندفع ومتحمس جدا كما لو كان يخاصم، وكان هو الذي يحتكر الكلام ولا يسكت لثانية أو ثانيتين إلا عندما تقاطعه السيّدة التي كانت تجلس إلى جانبه. لكن كان هناك واحد ظل صامتا طوال الوقت وساكنا في مكانه مثل تمثال وسط تلك المجموعة التي تخوض نقاشا حماسيا صاخبا.

للمرة الثانية يقدم لي نادل هذا المقهى فاتورة الحساب مع المشروب ويظل واقفا ينتظر أن أدفع الحساب. أدفع مسبقا إذن!

في الزاوية اليمنى، هناك رجل يجلس لوحده، يقرأ صحيفته ولا يتوقف عن التدخين. غير بعيد منه يجلس واحد آخر بشعر طويل نسبيا مخطه الشيب، يجعله شبيها إلى حد بعيد بالكاتب الياباني كونزابورو أوي؛ ذلك الرجل كان يجلس في وضع الشارد بعيدا بأفكاره أو الغارق في التأمل. رجل ثان ينضم إليه بعد حوالي ربع ساعة من وصولي إلى المكان. يتحادثان الآن بصوت خفيض، بينما صاحبنا الأول ما يزال محتفظا بهيأة المتفكر بيده التي يحكمها على خده وسيجارته التي لا تفارق أصابعه.

رجل آخر يجلس قبالتي تقريبا كان يضرب على المائدة بشيء من العصبية ونفاذ الصبر. الجرسون يقدم له قهوة ولا يحاسبه مسبقا. شاب أوروبي يدخل المقهى ويجلس غير بعيد مني، يقدم له الجرسون لائحة المشرويات. أظل منتبها وأنا أنتظر أن يقدم له الجرسون مشروبه. يضع الجرسون وصل الحساب على الطاولة أمامه ويظل ينتظر. هذا أيضا يدفع مسبقا. المسألة بدأت تشغلني وتثير فضولي الآن. بعد حوالي خمس دقائق تجلس سيدة صينية ورائي تقريبا. أظل منتبها هذه المرة أيضا. أغيّر قليلا من وضع جلستي لأتابع خلسة ما الذي سيحدث معها. تطلب شيئا. أنتظر. يقدم لها الجرسون مشروبها ولا يطالبها بالدفع مسبقا!

لا أفهم شيئا، ولا أريد أن أفهم. يكفي الآن، قلت لنفسي ونهضت لأبدأ يومي الجديد.

—–
شانغهاي مجنونة باندفاعتها الاقتصادية الجديدة. صينيون يعدّون بالملايين يقبلون من شتى أصقاع البلاد للعمل هنا. وتماما مثل ما كان عليه الأمر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فإن شنغهاي الثرية غدت تستقطب الملايين من القادمين عليها طمعا في حصة ولو ضئيلة من الكعكة الشهية. لكن المدينة لا تتسع للجميع، المعيشة هنا باهظة التكاليف والمضاربات العقارية جعلت الإيجارت مرتفعه ارتفاعا مشطا، علاوة على الضيق والازدحام.

هؤلاء الوافدون يستقرون في أحياء قصديرية على أطراف المدينة، بيوتها ملفّقة من الصفيح والخشب وشتى النفايات. أغلبهم يعملون في حضائر البناء ويقطنون ليلا داخل تلك الأكواخ، أحيانا ستة أو ثمانية أشخاص في غرفة ضيّقة واحدة. البيت ليس مسكنا هنا، بل مكان للنوم فقط بين يوم عمل ويوم عمل قادم. أجرة عامل البناء تتراوح بين 1500 يوان (150 يورو) و4000 يوان. العمال الوافدون يتقاضون أجرا أدنى بكثير مما يكسب أصيل مدينة شانغهاي، ورئيس الورشة هو الذي يحدد الأجرة حسب تقديراته الخاصة وأحيانا بحسب المزاج. ليست هناك قوانين مضبوطة ولا تعاقدات ولا نقابات. ثلث الأجرة الشهرية يُدفع للعامل في آخر الشهر والبقية يحتفظ بها صاحب العمل حتى آخر السنة أو حتى موعد انتهاء الأشغال أو عندما يفصل العامل أو يطلب هو نفسه المغادرة.

أغلب الوافدين يأتون دون عائلاتهم، لكن هناك من يستجلب عائلته إذا ما كان حريصا على أن يدخل أطفاله مدرسة تقدم تعليما جيدا نسبيا. المدارس الحكومية لا تستقبل أبناء الوافدين لأنهم قانونيا في وضع إقامة غير شرعية هناك. لذلك تضطر العائلات إلى إرسال أطفالها إلى مدارس خصوصية مقابل معلوم يعادل 400 يورو لكل طفل سنويا. تعليم الأبناء هوس كل الصينيين حاليا، والجميع يحلمون بأن يدخل أبناؤهم وبناتهم إحدى الجامعات. والجميع يؤكدون أن الطريقة الوحيدة التي ستضمن لأبنائهم مستقبلا مضمونا هو التكوين الدراسي الجيد. لذلك يفعل الجميع ما بوسعهم كي يمكنوا أطفالهم من هذه الفرصة.

في المدينة عدد هائل من مجمّعي الخردوات والفضلات المتنوعة التي يبيعونها لمخازن كبيرة ومصانع. هؤلاء المجمعين يراهم المرء في كل مكان متنقلين على الدوام بدراجاتهم التي تجر عربات صغيرة وراءها محملة بشتى أنواع الصفيح وقطع الحديد والثلاجات القديمة وأجهزة راديو وتلفاز وأخشاب وكراتين. أغلبهم من الذين عملوا لمدة طويلة في ورشات البناء ثم تخلوا عنها بسبب الأجور الزهيدة. مجمّع الخردوات والأشياء القديمة قد يبلغ محصوله المالي 400 يورو في الشهر عوضا عن 150 في البناء.

شانغهاي العتيقة
يوم أحد. الجو غائم لكن المطر قد انقطع بعد أن اشتريت لي بالأمس جاكيتة واقية من المطر أصبحت تزعجني اليوم أكثر مما تعود عليّ بالفائدة. أتوغل بعيدا في شارع خنان لو باتجاه أحياء شانغهاي العتيقة حيث يوجد غير بعيد من هناك الجامع الإسلامي الأكبر للمدينة كما يظهر على الرسم البياني. مباشرة بعد تجاوز الجسر الإسمنتي الشبيه بطريق سيّارة تمر فوق الشارع عبر حي البوند، ذي الطراز الأوروبي أجدني أتوغل داخل حي شعبي وبنايات قديمة بطابق واحد أو طابقين. أشعر بشيء من الارتياح. ها أنا قد ابتعدت عن شارع نانجينغ لو ومحلاته التجارية الفاخرة وهيأته المتكلفة لأجد نفسي ألج حيا شعبيا مضطربا بحركة أخرى. في مثل هذه الأحياء ليست هناك بنايات عالية وواجهات براقة تبتلع أو تغطي على وجود البشر.

ولئن كان الحضور البشري كبيرا جدا في الشوارع العصرية الفسيحة فإن بهرج البنايات والواجهات يجعل الكائنات البشرية تبهت وتتقزم لتغدو شبيهة بحشد من الدمى المتحركة. أما هنا فالوجوه البشرية هي التي تؤثث المشهد، بل هي العنصر الأكثر حضورا والأكثر بروزا. لا أدري لماذا تبدو لي الحركة البشرية في مثل هذه الأحياء وكأنها هي التي تتصدر مقدمة المشهد، والوجوه تبدو أكثر قربا. العنصر البشري لا يبدو هنا مثل دمى متحركة داخل نسق محدد من خارجها، بل هو الذي يحرك المشهد وهو دينامو حيويته.

الساعة العاشرة صباحا والناس يتناولون فطورهم متحلقين مجموعات تجلس على تلك المقاعد الصغيرة الواطئة حول موائد واطئة هي أيضا يلتهمون شوربة العجين منحنين على الصحاف تكاد تخالهم راكعين. غسيل كثير معلق على النوافذ والكثير منه يتأرجح فوق رؤوس المارة على حبال مشدودة إلى نوافذ البيوت الواقعة على جانبي الشارع أو الزقاق. نساء يغسلن أواني الطبخ في أحواض الغسيل التي توجد خارج البيوت كما هو الحال في كل الأحياء الشعبية بالمدن الصينية. دكاكين خضار تعرض أغلب بضاعتها على الرصيف، مطاعم صغيرة متلاصقة يقف طباخوها وطباخاتها مباشرة إلى الباب وهم يعالجون مقلاياتهم ويحركون طناجرهم الضخمة، يدلكون ويلوون حبال عجينهم الطويلة، يلوحون بها في الفضاء، يمططونها مثل حبال من البلاستيك لتتحول بعد عمليات الدلك واللي والتمطيط المتكررة إلى مكرونة طازجة ستجد طريقها مباشرة بعدها إلى الطناجر الكبيرة ومنها إلى صحاف الزبائن. بالمناسبة، تناولت من هذا النوع من المكرونة العديد من المرات ووجدتها لذيذة وطازجة وعلى غاية من النعومة الحريرية كما لم أتناول البتة في أفضل المحلات الإيطالية المعروفة بإتقان هذه الصناعة. وقد بدا لي الصينيون بارعون براعة فائقة في هذه الصناعة، وهم مبتدعوها الأصليون في الحقيقة وقد نقلها عنهم ماركو بولو إلى إيطاليا فغدت المكرونة في ذهن الجميع اختصاصا إيطاليا كذبا وتزويرا، وتم التعتيم على أصلها الصيني الحقيقي. لكن أكثر الصينيين براعة في صنعها هم المسلمون المنحدرون من المناطق الغربية. وفي كل المدن الصينية التي زرتها رأيت أن مطاعمهم هي التي تبدو مختصة أكثر من غيرها في إعداد هذا الصنف من الطعام، ولطالما توقفت لدقائق عديدة متفرجا معجبا بالبراعة النادرة التي لدى هؤلاء في صنع المعجنات عامة وعجين المكرونة خاصة، وكانوا في أغلب الأحيان ينظرون بزهو إلى وقفتي المندهشة ويبتسمون ارتياحا لإعجابي. وليس نادرا ما سلمني أحدهم شيئا من قطع تلك المعجنات الصغيرة هدية، خاصة عندما أقبل عليهم محييا بعبارة “السلام عليكم” التي يعرفها ويرددها كل المسلمين هناك كما في شتى أصقاع الدنيا. كل شيء يتم القيام به أمامك وعلى الرصيف، من تنظيف وتقشير وتقطيع الخضار واللحوم وإعداد السمك إلى غسل الصحون والطناجر.

شيء شبيه بعرس كبير أو حفل يومي مفتوح للجميع. أتنفس ملء الرئتين من هذا الحفل التلقائي المرح، أتمشى مندهشا مأخوذا منجذبا كما لو كنت أتمشى في الحلم داخل مدينة تبدو لي غريبة وأليفة في الآن نفسه. جميل أن تتمشى في الحلم داخل مدينة الأحياء وتتنفس من هواء الحياة الطازج الطري! بعينيّ المفتوحتين بنهم على خيرات الدنيا ألتهم الأشياء دائخا بألوانها وأصنافها المتعددة. ثمار الموز والمانغا والأناناس وثمار أخرى غريبة لم أرها في حياتي البتة، أعشاب متنوعة، عروق الزنجبيل والجنسنغ وأخرى لا أستطيع تحديد هويتها: بنيّة، سوداء، بيضاء. أسأل عن أسمائها وينطق لي الباعة بأسماء باللغة الصينية لا أفقهها. أجرّب بعض الثمار الغريبة مترددا قليلا في البداية….

النفايات… بضائع تُنقل

أعثر على الجامع الإسلامي الأكبر بشانغهاي (Xiao Tao Yuan) بعد جولة طويلة متعرجة داخل الأسواق والأحياء الشعبية الصاخبة والمرحة لشانغهاي العتيقة. بناية بيضاء مندسة بين البنايات العالية الرمادية. من بعيد، لا يلمح القادم باتجاهها سوى قبتين خضراوين صغيرتين. البناية من طراز معماري جميل وغريب في الوقت نفسه، طراز غربي يجعلها أشبه بكاتدرائية. على باب الجامع، يافطة مكتوب عليها بالخط العربي :”إن الدين عند الله الإسلام” وفوقها جملة بالأحرف الصينية قد تكون ترجمة لتلك الكلمات العربية.مساعد الإمام يؤكد لي أنه أكبر وأهم المساجد السبعة الموجودة بشانغهاي وأن عدد المسلمين في المدينة يناهز الخمسين ألفا من بينهم أيضا عرب (مصريون ولبنانيون و يمنيون) من المقيمين الدائمين بالمدينة. في الجامع لا توجد مصطبات لبيع المواد التذكارية والتحف أو أي شيء من هذا القبيل، لكن هناك مطعم صغير ومحل لبيع المشروبات مخطوط على بللور واجهته عبارة “حلال” باللغة العربية. وفي ركن قريب من باب قاعة الصلاة هناك صندوق مكتوب عليه: “صدقات”. لم يفت مساعد الإمام الذي رافقني في جولتي داخل الجامع أن يشير إلى المطعم الذي كان خاليا من الزبائن منوها لي بجودة أطعمته، ومؤكدا لي بأنها نقيّة وحلال. فكّرت: الصينيون، مسلمون أو بوذيون، لا بد لهم دوما من طريقة ما لجعل كل مكان ذي مردود ماليّ.

الغائب الكبير في هذه المدينة المولعة بعرض مفاتنها الجديدة وأبراجها ومحلاتها التجارية الفاخرة التي تضم العديد من الماركات الأوروبية الفاخرة من ملابس وعطور ومجوهرات وشتى أنواع الآلات الألكترونية، الغائب الكبيرهو الكتاب. شانغهاي مثل بيجينغ ونانجينغ أيضا لا تتميز شوارعها بذلك الحضور المكثف للمكتبات الذي نعرفه في المدن الأوربية مثلا، ولا حتى بذلك الحضور الأقل كثافة في شوارع المدن العربية الكبرى. هناك مكتبتان كبيرتان نسبيا في شارع Wang Fu Jing التجاري ببيجينغ، أو ما يمكن أن يُطلق عليه “داونتاون” بيجينغ، ولم أر في نانجينغ سوى مكتبة واحدة في شارع Hangzhou Lu. وفي شانغهاي رأيت مكتبة متواضعة جدا في إحدى زوايا نانجينغ روود، الشارع الذي يعد القلب النابض للمدينة الحديثة غير بعيد من البوند والبودونغ، ثم مكتبة أخرى أكبر وأثرى في شارع Central Huaihai Lu التجاري. ثم على المرء ان يسير مسافة كلمترين تقريبا مبتعدا عن المركز الحديث للمدينة حتى يبلغ شارع فوجو لو حيث تتجمع المكتبات ومحلات الكمبيوتر ولوازم الرسم. ومع ذلك فإن مرتادي المكتبات غير قليلين وكثيرا ما يرى المرء قراء يجلسون على الأرض غارقين في القراءة. لكنني لم ألاحظ وجود أناس يقرأون لا في المقاهي ولا في الحدائق أو الحافلات والقطارات.

أشعر أنني بدأت أدخل رويدا رويدا إلى أعماق الصين، حتى اللغة التي لا أفهمها قد غدت أليفة لأذني شيئا ما، الموسيقى، الأصوات، وحتى تلك النغمة الكريهة التي يحدثها البصاق والتنخّم الدائمين في كل مكان. استعدت قدراتي على المجادلة والممازحة بشتات ملفق من اللغات، ومن دون لغة في أغلب الأحيان. أصبحت أعرف التعبير عن الأرقام والأعداد بحركات الأصابع وقبضة اليد كما يفعل الصينيون. لكنني لم أستطع بعد أن أفهم آليات العمليات الحسابية التي يقوم بها الكثيرون على تلك العلبة الخشبية العجيبة التي كانت الآلة الحاسبة الصينية منذ آلاف السنين وما زالت لم تفقد وظيفتها إلى الآن بالرغم من وجود الآلة الحاسبة الألكترونية التي غالبا ما يستعملها التجار للتفاهم حول الأسعار مع الأجنبي. يرقن التاجر السعر الذي يطلبه ويقدم لك الآلة الحاسبة، وإن كنت من محبي المجادلة فعليك أن تمحو ذلك العدد وترسم العدد المناسب للسعر الذي تقترحه أنت، وتتواصل العملية هكذا إلى أن تتوصلا إلى اتفاق.

والصيني على أية حال لا يضجر من تلك العملية مهما طالت، بل غالبا ما ألاحظ أنهم يجدون في ذلك متعة أيضا، وأحيانا يتجمع حولنا إثنان أو ثلاثة آخرون عندما تبدو المجادلة مثيرة إلى حد ما. وبعد أن نتفق على السعر نكون قد تمازحنا بما فيه الكفاية كي يربت البائع أو البائعة على كتفك ويشير بإبهامه إلى أنكما قضيتما لحظات ممتعة معا، وأن عملية البيع والشراء قد تمت على نحو شيّق ولطيف ولا يخلو أحيانا من المشاكسة وبعض المشاحنات الخفيفة التي يبدو أن الصينيين لا يكرهونها البتة وخاصة النساء. وبما أن المجادلة حول الأسعار مسألة متداولة جدا هنا فإن الصينيين يجادلون في أسعار كل شيء تقريبا، ويعجبهم أيضا أن يدخل الأجنبي معهم في تلك اللعبة التي هي مزيج بين المعاملات التجارية والتواصل الإنساني.

وذات مرة خطر لي أن أمازح بوّاب المراحيض العمومية الذي كان يريد يوان واحدا كتعريفة للدخول وهو يشير إلى التعريفة المكتوبة على الباب فتظاهرت بأنني أريد المجادلة في السعر مشيرا له بيدي أنني أريد أن أدفع 2 يوان فنظر إلي باستغراب وهو يشير إلى اللافتة من جديد، وتظاهرت بالإصرار على دفع 2 يوان، ثم1 يوان ونصف وهو يتعجب ويشير إلى اللافتة مجددا، وعندما قلت له مفتعلا شيئا من الامتعاض: أوكي 1 يوان! أوكي، عندها فهم مغزى اللعبة وراح يقهقه وهو يضرب على كتفي بشدة كما يفعل الفلاحون عندنا. وعندما خرجت من التواليت جذبني من كمّي وهو يرى أن بيدي غليونا، ثم فتح كيسا مليئا تبغا صينيا وقدمه لي وهو يشير إلى غليوني ملحا عليّ بأن أجربه، ثم توادعنا بمصافحات حارة وهو لا ينقطع عن الابتسام وعلى الضرب على كتفي منشرحا أكثر لإبدائي الإعجاب بتبغه الصيني الذي كان في الحقيقة أشبه بالتبن. وبالمناسبة كان الغليون في أحيان عديدة وسيلة للتواصل وكثيرا ما عُرض عليّ التبغ الصيني للتجربة وعرضت بدوري على مضيّفي تبغي الأوروبي. وأكثر من مرة جلست إلى أحدهم ودخنّا غليونينا معا بتبغيْنا المتبادَلين ونحن نتبادل الإعجاب كل بتبغ الآخر وبغليونه، وأكثر من مرة يطلب مني سائق تاكسي أن أولع غليوني داخل السيارة ويظل يبتسم معجبا برائحة التبغ المعطّر.

هكذا هم الصينيون غالبا ما يبدون فضولا شبيها إلى حد بعيد بفضول الأطفال، يندهشون لكل شيء تقريبا ويسرّون بسرعة لأبسط الأشياء التي تبدو لهم غريبة نوعا ما في مظهرك أو سلوكك، بما في ذلك شعري الأجعد والطويل نسبيا. ويمكنني القول بأن المرء، وبعد أن يفلح في تحييد العقبات الأولى للغرابة، وتشذيب شراسة الباعة والمتاجرين من كل نوع وصنف، يشعر بالارتياح بسرعة إلى هذا النمط الحياتي الذي مازال يحمل الكثير من طابع المعاملات الإنسانية التي لم تجففها بعد حركية التطور الاقتصادي الجنونية والسعي المحموم إلى الكسب بكل الوسائل. هناك شيء من روح الشرق القديمة مايزال يقظا في هذه البلاد جنبا إلى جنب مع البراغماتية والإجرائية الآسيوية المتحفزة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق