رحلة إلى الهند: بلاد الميثولوجيا الحية وحضارة الضيق

عيش الهندوس ضيق كحذاء الصينيات.. ثقافة الهنادكة ثقافة سيزيفية طوعية.. الضيق مذموم إلا في أمر واحد يعرفه أولياء النفزاوي ومحبو الروض العاطر.. تبدي العاملات في مؤسسات الدولة أو الشركات الخاصة جهداً ومشقةً في الإمساك بطرف الساري المتدلي بيد، والكنس باليد الثانية و”الأخيرة”، والمكانس الهندية بسيطة ومصنوعة من مواد نيئة مثل الساري الخالي من خيوط الحائك، وهو زي نسائي يكشف عن الخصر، وترتديه المتزوجات والأيامى، أما الشابات فيرتدين السلوار المؤلف من سروال و(تايور). الساري قطعة قماش تتجاوز الأمتار الستة تلفها المرأة حولها لفاً، كما يفعل المعتمرون والحجاج المسلمون إلاّ أنه يختلف عن لباس الاحرام في أن به أثراً من الخياط في منطقة الخصر أولاً وأنّه ملون ثانياً. المكنسة مؤلفة من بضع نباتات شوكية طويلة مضمومة إلى بعضها برباط من القنب…

العاملات وكثير من أرباب العمل يفضلون السير حفاةً في مكاتبهم ومحلاتهم للتواصل الدائم مع أمهم الأرض بأخماص أقدامهم.. الحنفيات الهندية مدفونة في جدران الحياض قصيرة العنق كإحليل الطفل، لا تسمح سوى بأطراف الأصابع لتلقّي المياه وتجميعها على راحة اليد، فهي ليست مثل الحنفيات الأوربية والأباريق العربية جيداء “بعيدة مهوى القرط” يمكن غسل شعر الرأس تحتها. الحنفيات العمومية لا تبذل مياهها إلا بالدوس المستمر والقاسي عليها بأحد الأصابع، وهذا يعني أن الحنفيات تجبر كل يد على الاستقلال بغسل نفسها (فيدرالياً)، وربما هو مذهب هندي متشدد لحفظ المياه وإقلال الهدر. وبالدوس الظالم بالإصبع تقذف الحنفية المياه المحتقنة قذفاً، فتبلل المستقي المجفول. أما الحنفيّات في دول العالم الأول وأغنياء العالم الثالث فهي تعمل بالحاسة السادسة، يضع المستقي يده تحت ماسورة الحنفية، فتضحك مقهقهةً بمادة الحياة.

الهندي يختار أماكن سيزيفية رهيبة وخطرة للنوم، وقد رأيت هندياً نائماً على حافة سياج جسر إسمنتي عال مستغرقاً في النوم، كأنه خشبة مسندة أو عصف مأكول.. أيّ نأمة قد تودي به إلى السقوط في النهر! يتجلى “تضييق الموسع” في معظم الزينة الشخصية النسائية: خزائم في خنابات الأنوف، خواتم في أصابع القدم، بقع ملونة في منتصف الجبين تظهر للغريب، وكأنها مرهم أو دواء لمعالجة حبة جلدية! الهنود طراً يضعون سواراً قنبياً ملوناً في معاصمهم، وهو يشبه “الخلعة” التي درج عليها بعض الشباب السوريين مؤخراً كعلامة على هوية سرية حفاظاً على (الوحدة الوطنية) التي يتغنى بها الإعلام!

أهم تضييقات الهندي على نفسه تتجلى في معبودته البقرة التي تتجول بحرية في الشوارع سالبةً حرية حركته. الحكومة الهندية أصدرت رجاءً لمواطنيها في أواخر عام 2005 لإجلاء البقر إلى الريف مقابل ألف روبية مكافأةً للبقرة الواحدة. في دلهي ( دهلي عند جدنا ابن بطوطة ) خمسة وثلاثون ألف بقرة تعطل حركة المرور في الشوارع الضيقة والمحتشدة بكثافة سكانية هائلة. استطاعت الحكومة ترحيل بضعة آلاف من الأبقار المقدسات الحلابة إلى الريف، لكنّ البقرة البيضاء (الطوطم)، بقرة الإله رام ومرضعته تحظى بقدسية خاصة تجعلها محظوظةً بالتبختر في العاصمة، وهي تجرّ أذيال.. الخيبة.

صديقي التايلندي “بوتا” البوذي كان يضحك ساخراً كلما رأى بقرةً، ويقول مقهقهاً: بقر سعيد. والحق أن البقر في الهند من أتعس المخلوقات قاطبةً، فالبقر المقيم في المدن لا يرى خضرة العشب الطري، ولا يشرب من الينابيع، ولا يعاشر سوى الآلات، ولا يأكل سوى مخلفات محلات بيع الخضرة. بعض الهندوس يتبرعون للأبقار بأرغفة خبز صغيرة تسمى بالجاباتي. الأبقار تعرف مكرميها وطاعميها، وتقصد حوانيتهم وبيوتهم، فينحنون على حوافرها تعظيماً وإجلالاً، وهم يفعلون ذلك في الشوارع إذا ما صادفوها. بعد أن تأكل يعمد الهندي إلى ذيلها، ويلويه كما يفعل السائق مع بدال السرعة، فتغادر البقرة النبيهة. وقد رأيت بقرةً بيضاء مصابةً ببثور غريبة تشبه البراغي، وأخرى محصورةً بين نهري السيارات في الشارع وثالثةً تنوء تحت ثقل بطنها المنتفخة بسبب هرمها ومرضها ورابعةً حشرت بين أربع سيارات مدة خمس ساعات، هي مدة ذهابي إلى السوق وعودتي إلى فندق (شنشل) الضيق. إحدى البقرات جاءها الأجل فقضت نحبها، فسدّ الهنود الطريق إكراماً لروحها الواسعة مثل شفرة الحصادة الزراعية، والتي تحتاج شارعاً كاملا لعبورها منه إلى جوار مملكة الآلهة المزدحمة بسكانها، وهو ما زاد في ازدحام المرور وتضييق شرايينه.

{{قطع للتعريف بصديقي بوتا:}}

بوتا الذي كان يحسد البقر على سعادته، شاب تايلندي يدرس في الهند. أول ما بلغ المعهد العلمي عرف زملاءه بنفسه ومهنته وراتبه الذي يبلغ ثلاثين دولارا، فقال له أحد اليمنيين ساخراً: هل هذا أجرك في الساعة أم في اليوم، يا سيد بوتا؟، فقال: بل اجري في الشهر. فغرق الطلاب العرب في الضحك. لكنّ الغريب أن بوتا كان الطالب الوحيد الحزين الذي يمتلك حاسوباً محمولاً وكاميرا رقمية بين الطلاب المتفاخرين الساخرين.

الهندي الخمسيني كان يلهث، ويتفصد عرقاً، وهو يقلني مع بوتا في دراجته الثلاثية العجلات في شوارع دلهي مقابل ثلاثين روبية لا غير. أشفقت عليه، وكدت اقترح عليه أن أقود الدراجة عنه. توقفت دراجته قليلا بسبب جثة البقرة ذات الروح العريضة، ثم اخترقت الشارع مارةً جانب الجثة التي كان الذباب قد حوّلها إلى وليمة. لم نكن نعلم كم من الوقت ستسد الشارع بموتها وريحها، حتّى تنقل إلى أفران الكهرباء للحرق.

التضييق الهندي يتجلى في كثير من الأمور: إهدار البقر كثروة حيوانية من لحم وجلد وعظام، إهدار خشب الأشجار لحرق جثث الهندوس الموتى، تلويث الأنهار بالجثث البشرية.. الهدر يظهر على الهندي النحيل المقرفص جانب بضاعته مضموماً على بعضه مثل أكورديون بلا موسيقى، غير طقطقة عظامه وزقزقة بطنه الجائعة.. أحد هؤلاء الأكورديونيين سقط علي من السماء، فأوقعني.. رمى الهندي بنفسه من الباص المختنق بسردينه البشري الحي. حافلات النقل الداخلي في الهند بلا أبواب. الأبواب ستحرم ركاباً من التعلق بالحافلة بأيديهم، أو الحظوة بموطئ قدم! سقط الهندي، وصدم برأسه عجلة روكشا واقفة، فراح يتلمس ركبته بدلاً من تلمس رأسه المدمى. توقعت أن يكون قد لفظ روحه، فتطلعت حولي، فلم يأبه به أحد. اقتربت منه، فعرفت أنه مخمور، حملته باحثاً عن مكان آمن من الزحام، كي يكمل معزوفة الخمر في رأسه، لكنّ الرصيف كان مشغولاً بالعربات وبرك البول.. قدرت وزنه بأربعين كلغ. غادرته نائماً مطوياً كالجنين يتلمس أحلاماً شعثاء في كيموس سكرته.

{{خلاصة قابلة للنظر والمراجعة:}}

الهدر العربي سياسي طارئ (أو هذا ما آمله رغم طول مدته مثل قوانين الطوارئ المؤبدة) أما الهدر الهندي فأساسي ومثيولوجي راسخ.

توقفت حافلة النقل الداخلي مرةً دونما سبب تطوعاً، وبعد دقائق عرفت أن سبب التوقف هو جباية أثمان الرحلة من الركاب المحشورين كعيدان السباكيتي. الجابي هو الذي أوعز للسائق بالتوقف مصفراً بصفارة كرة قدم، حتى يقطف الأجرة من مرتكبي (فاولات)عدم الدفع. فالركاب قد يصلون إلى المرمى، ويسجلون الأهداف. اشتجر صاحب الصفارة مع راكب أبرز له بطاقة طالب مع أن الفارق بين بطاقة الاشتراك النقلية وبطاقة الطالب كبير في الشكل. منطق هندي نراه كثيراً في الأفلام الاستعراضية. صادر الجابي البطاقة إلا أنه عطف على المحتال، وردها إليه تحت رجاء الطالب وضراعته…الهنود قوم متسامحون.

تبدو زحمة دمشق بالمقارنة مع زحمة المدن الهندية نزهة، خاصة في دلهي القديمة التي لو أخرجت منها إصبعك من الروكشا لالتهمتها أنياب الزحام. وقد كررت في أحد شوارع حي “بحر غانج” المزدحم، حي الفنادق القديمة، مشهد شارلي شابلن في فلم “أضواء المدينة”. حوصرت، فاضطررت إلى عبور الشارع عبر السيارات، أفتح الباب الأيمن، وأخرج من الباب الأيسر، وأقفز فوق الكلاب، وأمر تحت البقر دون أن تكون بانتظاري حسناء عمياء.

{{الجني عفاشة}}

لمعظم الآلهة الهندية عشرات الأيدي. لم يفسر لي الهنود الشباب سبب كثرة أيدي آلهتهم الأخطبوطية… تحاول الراقصات الهنديات تكثير أيديهن من اثنتين إلى عشرة في رقصاتهن البارعة. لعل كثرة الأيدي تمثيل لقدرة الآلهة وقوتها، لكنها جمالياً منفرة. أعجبت صبياً بكرامات وخوارق عفاشة بن عيروض في سيرة فارس اليمن سيف بن ذي يزن، ولد ابن عيروض صهر سيف بن ذي يزن (زوج أخته الجنية عاقصة) بيد ثالثة، يقسم عليها، فتنجز معجزات مثل معجزات الانقلابات العربية المعاصرة.. عفاشة من أغنى شخصيات السيرة بالخوارق والمعجزات، شخصيته تفوق على برنوخ الساحر وأخميم الطالب والحكيمة عاقة والحكيم الهدهاد.. ومع تغلب عفاشة على جيوش الكفر وعبدة النيران والأبقار لم أستطع هضم فكرة أن تكون له يد ثالثة في صدره، فالزيادة مثل النقصان في هيئة الإنسان و.. الجان.

{{ضيق..ضيق}}

كثرة العطل الوطنية تضييق من نوع أخر، ثمة من يصف الزمن الهندي الرسمي المنتج بأنه أيام عطل، تتخللها أيام عمل، وأما أزمنة الشركات الخاصة فمختلفة.

التضييق والتعويق والتعطيل والتعضيل يظهر كلّه في ميادين الحياة كلها. في الأسواق تظهر من خلال المساومات الماراتونية المملة على البضائع والأمتعة، المساومات على الأسعار أطول من مباريات الكريكيت، ويمكن أن ادلل على ملاحم المساومة والبيع من خلال هذا المثال:

مررت من أمام احد محلات بيع سجاجيد الزينة، فناداني البائع:

–سيد.. تعال واشتر .

قلت: ليست بغيتي .

–لماذا أنت هكذا.. تعال وعاين.. المعاينة “فري”.. بلا كلفة.

–قلت لك: إنها ليست بغيتي.

–سيد، لن يجبرك أحد.. كن لطيفاً، وتملّ هذه اللوحات الفاخرة.

جرني من يدي قائلاً: هذه ثمنها عشرة آلاف روبية كم تدفع فيها؟

وضعت ثلثي المرجلة نصب عيني، وقلت له: أدفع فيها مئة روبية.

صافحني، وقال: مبروك؟ هات المبلغ.

ربما بالغت قليلاً في المثال السابق، أو اختصرت السيرة، لكنّ ثمّة حالات مساومة أثقل تحدث كما هي الحال في هذه الصفقة: أطرح ثمني على البائع منقوصاً إلى عشر الثمن المعروض، فيغضب البائع، ويعود إلى كرسيه: تعال، وخذ روحي أيضاً، أنت لست شارياً، أنت غاز. لكنه يكرّر علي عروضه، لعلّه يهزمني في مساومة جديدة.

مثال ثالث: بائع الحقائب أصر على بيعي حقيبة، فصرخت في وجهه:

–لا أريد.. أنا مفلس.. نو مونيييييي.

وكلما خطوت هارباً لحقني وامسكني، وأنقص من السعر خمسين روبية، وفي أخر السوق اعتقدت أني تخلصت منه،
فوجدته خلفي: ستمائة روبية أخر سعر، ومع أنّ سعر الحقيبة الأول كان ألفاً وثلاثمئة روبية..

–أرجوك اشترها، لم استفتح اليوم.

قلت في نفسي: أمري لله، ستمئة روبية. لا تنس. ستمئة. سنكتب وثيقة بذلك
.
دفعت له الثمن، فقال: أرجوك ادفع لي خمسين روبية أخرى.. استفتاحية.

{{كرامة هندية}}

صديقي الزامبي دانيال الذي كنت أناديه “مستر زامبيا”، فيضحك متفكهاً مستطرفاً اللقب، انتبه بعد أيام إلى أن اللقب قد يكون لمزاً وغمزاً عنصرياً، فأقنعته بأن يناديني “مستر سيريا”، فتعادلنا، لكنه طلب لاحقاً مني أن أناديه باسمه لا باسم بلده. علق مستر زامبيا في مشادة كادت أن تتحول إلى عراك بسبب روبية واحدة. حاول المساومة على سعر القميص، فرفض البائع مؤكداً أن السعر ثابت ثباتاً مطلقاً مثل ولاء الجماهير العربية لحكامها.. الأسعار الثابتة معلنة بشاخصات على أمتعة معينة مطلوبة تعرض في السوق بهذه الطريقة: السعر 99 روبية، أو999 روبية. دفع مستر زامبيا مئة روبية، فلم يعد له البائع (الغلاقة) كما يعبر الحلبيون عن “الفكة” المصرية و”الجنج” أو “الرست” الإنكليزية و”الفراطة” الدمشقية و”الخردة” الكردية.. وعندما طالب بها قال البائع: هذه تعويض ردّ السلام ، فصرخ مستر زامبيا قائلاً: في زامبيا ردّ السلام مجاني، والسعر ثابت مطلقاً كما قلت.

تطورت الملاسنة إلى “مكابشة” بسبب المساس بالكرامة الوطنية.. الهندي قال: الهند أجدع من زامبيا الامر الذي أهان دانيال الذي يؤمن بالعكس.

اجتمع هنود شباب من الباعة المجاورين متضامنين مع زميلهم، وهم يصيحون: الهند أحسن من أوطانكم، فآثرنا السلامة، “ثلثي المرجلة”، أي الهرب. المرجلة الكاملة بذخ لا يجوز لغريب.

{{مع رئيس الهند}}

الرئيس الهندي المسلم ا.ب.ج. عبد الكلام سيوزع جوائز على مخترعين في حفل في أحد القصور الحكومية. دبرت بطاقةً، أو بالأحرى سقطت بطاقة دعوة في حجري من إحدى الصدف التي نرى أمثالها في الأفلام الهندية. الحرس الجمهوري كله من الطوال العماليق، لمحتهم خلسةً وراء الكواليس يتهيؤون لاستقبال الرئيس وحمايته. الهنود ينهشون الجمال الأوروبي النسائي بعيونهم المفترسة والجائعة، خاصة عندما يلمحون حسناء يفصح الجينز الضيق ببيانه عن بلاغة قبابها واستدارة كواكبها (الضيق محمود هنا).. حتى حرس الشرف الرئاسي تجاوزوا آداب المراسم، وانصرفوا إلى تملي الجميلات الأوربيات المدعوات إلى حفل التكريم بصفة صحافة أو ضيوف شرف. الجميلات الهنديات نادرات. يروى عن الشاعر بندر عبد الحميد، طيب الله ذكره، عن المخرج الهندي ميرنال سين أنه قال: تنجب شبه القارة الهندية سبعين جميلة كل سنة، تلتهمهن بوليوود التهاماً في معدتها الجائعة للحسان. التفتُ (والكلام لبندر عبد الحميد ) إلى السكرتيرة السمراء المليحة، وقال بلا لؤم ولا خبث: وهذه التي تعمل عندك؟ فرد عليه المخرج العالمي: إنها تعمل في السينما أيضاً.. بعد الدوام.

أما إيشوريا راي ذات العيون الخضراء ملكة جمال الهند لعام 1993 وبقية نجمات السينما مثل “فيجنتي مالا” و”سيرابانو” و”ممتاز” و”زينات أمان”، فهنّ الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.

مررت من بوابة فحص السلامة التي تصفّر خوفاً من المعادن إلى القصر، فقادونا إلى قاعة لم يجر تحضير الاستقبال فيها جيداً. تابع المشرفون تحضير أنوار القاعة، وحضر وزير لا يتجاوز طوله 140 ستنيمتراً، وقصد المنصة، فضاع خلفها. أوعز لهم أن يحضروا له معتبةً خشبيةً، فاعتلاها، وظهر رأسه، فأحس بالرضى. تأخر الرئيس نصف ساعة عن الموعد المضروب، ولمّا حضر قدم له مدير التشريفات بكلمة، وروى طرفةً، أخرج لها الرئيس لسانه، فالهنود عندما يمزحون يدلعون ألسنتهم. انتقل عبد الكلام إلى المنصة، وتكلم بلغة إنكليزية، لغرابة لهجتها لم افهمها. تخللت الكلمة روحه المرحة ودعاباته التي سرّت الحاضرين، ثم بدأ توزيع الجوائز على المبدعين، فطال عليّ سالف الأمد. المبدعون الهنود كانوا من مختلف الطوائف والملل (الأزياء تفضح أو تفصح عن الهويات الطائفية بلا وجل).. بعضهم صافح الرئيس على الطريقة الأوروبية، وبعضهم انحنى على قدم الرئيس على الطريقة الهندية إجلالاً وتعظيماً.. أنعستني كثرة المبدعين، وجوعتني، لكنها لم تثر حسدي بسبب الجوع والنعاس وقلة النخوة والغيرة..

الرئيس الهندي من الأقلية المسلمة، وهو عالم فيزيائي ومطوّر أنظمة صواريخ، فلا داع للحسد.. فبحمد الله كثير من رؤساء العرب من الأقليات، ليس أوّلهم ولا آخرهم جلال الطالباني.. لكن على حد علمي المحدود ليس هناك رئيس عالم في البلاد العربية إلا إذا اعتبرنا (الكتاب الأخضر) ملحقاً للنظرية النسبية..

انتهى توزيع الجوائز الماراثوني، وغادر الرئيس وسط التصفيق، فهدونا إلى حديقة القصر الضيقة حيث مدّت موائد الطعام والفواكه والمرطبات، وجهزت التنانير للخبز الحار الطازج. الموائد كانت للقصعات لا للجلوس؟ اختار الضيوف والمبدعون والوزراء أطعمتهم، وراحوا يأكلون واقفين، يمسكون الصحفات بيد، ويأكلون باليد الأخرى. معظم الهنود يأكلون باليد، فمن الصعب لسيزيف هندي أن يأكل بالشوكة والسكين، وهو يدحرج صخرة الأشغال الشاقة المؤبدة باليد الأخرى؟ في القصر الرئاسي أدركت سبب كثرة أيدي الآلهة الهندية العنكبوتية: إن لم تنفع في غسل الأيدي تحت الحنفيات الهندية، فستفيد في أكل الطعام وقوفاً أو الإمساك بالساري والاستناد إلى حافات الجسور نوما..

انهمك الهنود في الطعام على طريقة عنترة بن شداد في الكرّ والنزال.. عانيت صعوبةً في الأكل بسبب مزاحمة الآكلين وكثرة (حوادث المرور)، أرفع يدي إلى فمي، فتدخل اللقمة إلى أنفي بحادث مروري. بحثت عن ركن أنجو فيه بوجبتي، كما تفعل القطط مع فرائسها، فوجدت نفسي في مواجهة وزير حظي بزنزانة (فراغية) أكبر، كدت أقترح عليه أن يطعمني بيده، وأطعمه بيدي، لولا أنني كنت سأتجاوز “الآداب السلطانية”. فلو تبادلنا الإطعام والإلقام لكان أسهل علينا نحن الاثنين، فالحركة من صحفتي إلى فمه بيدي أقصر قوساً وأشبع ضرساً، والعكس صحيح. وحتى إذا كان القوس الذي تصنعه اليد صعوداً وهبوطاً من الفم إلى الصحفة متساوية في المسافة فإن اليد الطاعمة الأخرى لا تصنع بكوعها زاويةً حادةً كالتي يصنعها كوع المرء عندما يطعم فم صاحبه، وهي زاوية يمكن أن تتسبب بحادث..أليم.

{{الهريسة الهندية}}

المبدعون الريفيون وأهاليهم جلسوا على الأرض، كما يفعل معظم الهنود. الهنود جميعهم- ولا سيّما المتسولون المدقعون – يأكلون في ساعة محددة، هي الواحدة ظهرا،ً مثلهم مثل الصائمين في ساعة الإفطار الرمضانية المحددة في بلاد المسلمين، ولعلها عادة مكتسبة من الاحتلال البريطاني (المجيد).

شبعت في القصر الرئاسي للمرة الأولى في رحلتي في الهند. النظافة مضمونة، والغذاء منوّع، يناسب مختلف الأذواق.. تلذذت بـ (هريسة) هندية (معذبة) في السكر المذاب المصهور. الهريسة الهندية كرات من السميد مقلية بالزيت ومصلية بالطيب في حجم النهد المكعوب.. انتهينا، فشكرنا لله نعمه، وخرجنا من القصر الرئاسيّ، لنجد بقرة بيضاء باركة أمام بابه في الحديقة المقابلة، تغمر بنظراتها الناعسة الضيوف. ماذا لو قررت البقرة تشريف القصر الرئاسي بحضورها؟ تذكرت بقرة غابريل غارسيا ماركيز الكولومبية التي ظهرت في السدة الرئاسية في خريف البطريرك..

سحرتنا تلك البقرة، وخلبت ألباب القراء والروائيين العرب، ودفعتهم إلى الهجرة بسردهم إلى ريف الخيال، يصنعون أجنحة للأبقار والحمير، لكنها من أسف كانت تفشل في الطيران. قبلاً كانت السجادات تطير في قصص ألف ليلة وليلة، وكان البشر يمسخون أبقاراً وعجولاً وحميراً ورعايا، لكن ذلك المسخ كان ضمن سياق عجائبي حكائي رتيب، كما يستنتج الباحث سعيد الغانمي. بقرة ماركيز صعدت إلى السدة الرئاسية بلا تمهيد سردي، وكان الاختلاف في إيقاع السياق وطفراته.

صديقنا الفراتي الشاعر صاحب الديوان اليتيم وعدة روايات ثكالى غير مطبوعة استصغر دهشتنا من واقعية ماركيز السحرية، وأشاد بالأدب العربي وقصص ألف ليلة وليلة التي تربى ماركيز في ظلالها، وتقلب في مراعيها. واستشهد بقصص أستاذنا الراحل الدكتور عبد السلام العجيلي، ولا سيّما مجموعته (بنت الساحرة) الساحرة حقاً والرائدة، وعطف على قصص زكريا تامر بسرودها المشظاة، فلم نقتنع: ليس في سردهم ورواياتهم وقصصهم بقرة في السدة الرئاسية؟

استشاط صديقنا غضباً: أنا لا أفهم سبب دهشتكم من صعود بقرة إلى سدة الرئاسة؟ وأشار إلى التلفزيون قائلاً: انظروا إلى هذا الثور في السدة الرئاسية ، فرأينا ثوراً يدخن سيكاراً كوبياً، ويرتدي قبعة كاوبوي، ويتكتف نجوماً جنراليةً، ويطلق النار على أشباح في الهواء، فتسقط مجندلةً على الأرض بدمائها، فتصفق الجماهير المحتشدة، وتفديه بالروح والدم!

ويحكم، أليست واقعية سحرية عربية لا يخالطها خالط.

وقال هامساً: لا أب لكم، هل أقلب القناة، لأريكم ثوراً أخر في سدة رئاسية أخرى؟ فزاغت الإبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وقنعنا بمثاله الأول، وقلنا له ما قاله كسرى العرب، ومحوّل الجمهورية الراشدية إلى ملك عضوض ضروس وراثي، لم يعرفه العرب الأُنُف الذين لا يدينون لسلطان في جاهليتهم وإسلامهم، في هداهم وضلالهم، في احتلالهم واستقلالهم.. قلنا ما قاله معاوية للأحنف بن قيس في الخبر الشهير: نعفيك، يا أبا بحر.

{{شالوم شاي}}

هو تايلندي كريم وغريب تعرفته في فندق شنشل الضيق الذي زاده ضيقاً تخلعات معدة أحد نزلاء الطبقة العليا ومحاولاته الفشلة في التقيؤ طوال الليل، فزلزل بها أعماقنا دون أن ينجح. لم أجد أكرم من السيد شالوم شاي الذي دعاني إلى زيارة بلده للتمتع بالمساجات التايلندية الشهيرة والوثيرة! كان شالوم شاي قد زار عدداً من الدول العربية، ومنها: السعودية ومصر، وكان شاهداً على مقتل رئيس مصر السابق أنور السادات وحاضراً في العرض بصفة مترجم لصالح بلاده.. شاي يناصر القضايا العربية، ويعادي السياسة الأميركية، له ولد وحيد، حالفه الحظ أن يكون من الستة المقربين المحيطين بالملك ، من (البودي غارد) الملكيّ، وذلك بعد اختبارات كثيفة عقلية وجسدية. شالوم شاي يحب ملكه كثيراً، يقول: إن التايلنديين جميعاً مستعدون للموت في سبيله لطيبته وتواضعه وعفته.. ويقول: هو اله! استغفر الله العظيم. نحن لا نؤله زعماءنا الا تورية.

{{الإله الوسيم شيفا}}

علوم الأديان تقول: إن شيفا أقدم إله. شيفا تعني بالسنسكريتية الواحد الميمون السعيد، وهو يحمل صفات متناقضة، فهو المدمر والمنشئ ورمز الشهوة. يرسم الهنود شيفا بعينه الشاقولية الثالثة في منتصف الجبين التي إذا أغمضها سيدمر العالم. كان وسيماً جدّاً، وكنت في البداية أظنه امرأةً، لكني عرفت لاحقاً أنه ذكر، ذكر بهيئة أنثى. كل المخنثين في الهند يفضلون الظهور بمظهر الأنثى زياً وتجملاً.

الشباب في الهند أوسم من الشابات، والمسلمون أحسن هيئةً من الهندوس بحكم الاختلاط مع الغزاة (الفاتحين)، والزي الإسلامي هوية في الهند يحرص عليها المسلم، وكأنها ركن من أركان الدين.

وقد تساءلت طويلاً عن جمال (يوسف) عليه السلام الذي من أجله “قطعن أيديهن” بلا ألم، محاولاً تخيله، حتّى صادفت هندياً مهجناً في مطار بومباي. كان وسيماً حقاً، ولكنّه لا يعمل في بوليوود، فبوليود صناعة واحتكارات وصراعات يحرص أبطالها على توريث البطولة لأبنائهم… وقتها استطعت تخيل جمال يوسف الصديق، وذلك على الرغم من أنني شاهدت مسابقات جمال للرجال، ونجوم فيديو كليب من مطربات لبنان. وسيم آخر وجدته في مطار دبي، اجتمع حوله عرب يطلبون أخذ صورة معه، كان واحداً من نجوم (سوبر ستار) الخائبين، لكنه كان يشق طريقه بوسامته، وكان مدعواً لحفلة في دبي. لم ابذل جهدا في حفظ اسمه، ربما لغيرتي أو حسدي منه.

كنت قد مللت من زحام الهند، وحننت إلى الأطعمة السورية والماء البلدي وجمال النساء البلديات بعد أن ارتفعت نسبة الملح في دمي والتي لا تخفضها الا انثى.. الأحداث كانت تتوالى في سوريا ولبنان، والأقنية الهندية تعرض أخباراً خاطفةً، مثل انتحار غازي كنعان، فقررت العودة، وكأني سأدرس سبب انتحاره (وفاته، استشهاده، اغتياله..).

وجدت إيميلاً في “بريدي الإلكترونيّ” من صبية تعرفتها في مطار دمشق كانت في طريقها إلى مكة المكرمة، لا تقل جمالاً عن زينات أمان، فازددت شوقاً إلى الديار و(الأطلال). كنت أقنعتها بنفسي بعد أن قطفت لها تفاحةً من شجرة صبار، وجعلت لها الدود يسابق الغزال، وأوعزت لأسراب الحمام، فعملت لها تعظيم سلام، وتعاهدنا بعد عودتها إلى الوطن المعطاء على أن أعلمها لغة النمل التي أقنعتها أني أجيدها، وتعلمني مقابل ذلك الإنكليزية باللهجة اللبنانية عند العودة. عدنا، ولم تفِ بوعدها عندما عادت معتمرةً من الديار المكرمة، وعرفت أنني محتال، لأنّ لغة النمل التي ادعيت معرفتها لم تكن سوى لغة حصان.. تنقضه أجنحة!

{{دبي}}

إذا قلت للهندي: أنا عربي، فذلك يستدرج إلى ذهنه الإمارات و(لؤلؤتها) دبي. وعامة الهنود ينظرون إلى دبي كما لو أنها حلم، والحقيقة أن الدهشة التي تخلقها دبي الأنيقة مناقضة تماماً للدهشة التي يحدثها الشارع الهندي.. تبدو دبي كمدينة سينمائية لتصوير الأفلام وتصوير بطاقات الهدايا والأعراس لا مدينة للعيش، الشوارع النظيفة العريضة المنارة ليلاً، المتاجر الأنيقة، التنوع الكبير في البشر في اللون والعقيدة.. دبي جنة، لكنها ليست للفقراء.

صديقي بشار دخوج الذي أخذني جولةً في سيارته في أبو ظبي قال ساخراً: إن الفقير يستطيع أن يعيش من القمامة عيشةً فاخرةً. المارة قليلون، معظمهم ركاب، والأبنية تنمو بيسر، وكأنها نباتات مسمدة، سألته: هل بُناتها من عفاريت النبي سليمان؟
فقال لي: إنهم مردة فعلاً.

–وهذه الخضرة في هذه الصحراء؟
–زرعها عفاريت من البشر.

في أبو ظبي وجدت درهمين على الأرض، وهو ما يستحيل في الهند. لا يمكن للهندي أن يفرط في روبية واحدة. قال لي السائق الباكستاني متذمراً: هنا لا تستطيع أن تستمتع برمضان، يا “صديق”.. في رمضان يذهب “صديق” إلى بلاده، ليتمتع برمضان، والمساجد في الإمارات بديعة في تنوع هندستها التي تجمع بين الحداثة في الشكل الخارجي والشرقي في الشكل الداخلي.. أما معظم الندل في المطاعم والفنادق فهن حوريات من صفوة العرق الأصفر..

اقترب مني الشرطي في المطار طالباً بلطف كبير الابتعاد عن النافذة، كنت قد اقتربت منها طلباً للدفء، ثم اعتذر مرةً ثانيةً، وشرح لي سبب طلبه: أحد الهنود دخل خطأ في “الخرطوم”، فضاعت عليه رحلته، وحبست شهراً بسببه.

–حبست بسببه!

–نعم .. بسببه. وتلك من الأعاجيب في البلاد العربية!…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق