رحلة في “تدمر” الذاكرة:

بين البكاء والضحك المهرّب بين ثنايا الكلمات، تعيش ساعات وأنت تقرأ عذابات الشاعر فرج بيرقدار وأحلامه، وهو يسرد بعض الجنون الذي عاشه خلال فترات سجنه الموزّعة على عمر من الخيبات والسجون والزنازين المبعثرة في أرجاء بلاد، أحبّها فأضاعت عمره، بحثا عن حرية لم يندم يوما لأنه اقترن بها في زواج لا تنفصم عراه.

أجزاء من سيرة لم تُحكَ كاملة بعد، تنوس بين حدّي الشعر والسجن، تبدأ بالدموع وتنتهي بها داخل حمّى من الضيق الذي يعتريك وأنت تقرأ بشغف، وكلّما أوغلت تزداد عذاباتك ونوسان روحك، دون أن يوقفها شيء سوى دمعة تنحدر على خدّيك لتخفّف الاحتقان الذي زرعته الكلمات في داخلك، تليها ضحكة ينتزعها الشاعر والسجين من بين قلقك ليحملك نحو عوالم لم يغب عنها الأمل رغم قسوة الظروف التي كانت تحكمها.

(في زمن ما
كان يحدث هذا الحيف الذي تخونني اللغة فيه.
أمّا الصمت..
فربّما كان ولا يزال.. أكثر حيفاً وخيانة).

بهذا المقطع الذي تشي كلماته بدلالته الواضحة، يبدأ الشاعر فرج بيرقدار اعترافاته ” خيانات اللغة والصمت”، ومن البداية ندرك دلالات العنوان الموضوع، فالصمت عمّا جرى “هناك” جريمة، ومن جهة أخرى الكلام موجعٌ والبوحُ صعبٌ على شاعر سجين يريد نسيان ذلك الجحيم الذي خرج منه لبدء حياة ممتلئة بالحبّ والشعر، حياة بكامل شبقها وتفتّحها تناديه وتغويه، ولكنّ عذاباته، المتجذّرة أمامه والموشومة على تلافيف روحه وجدرانها، لا تني تنبض وتلوّث ذلك الحلم، فيكون الخوض في عذاب الكتابة مرّة أخرى وسيلة لتحقيق هدفين اثنين: أوّلهما راحة الروح التي تحقّقها الكتابة كوسيلة للشفاء ممّا يؤرقها، أي تكون الكتابة علاجا روحيا ما.

وثانيهما : الواجب المترتّب عليه بسرد تلك الحكايات للأجيال القادمة لتدرك أنّ الحرية طريق معبّدة بالآلام والسجن، وأنّ تاريخنا ليس خاليا ممّن نذروا أروحهم لفكرة الحرّية، ونأمل أن تؤدّي تلك التراكمات إلى انبثاق نورها في هذا الشرق المكبّل بقيود لا تعدّ ولا تحصى.

يبدأ الكتاب/ السيرة بمقاطع متقطّعة كفلاشات كاميرا تنبض وسط الظلام، مقطع من مرحلة قبل السجن يليه مقطع داخل السجن، ساردا لحظة دخوله الفرع، ذلك العالم الآخر الذي طالما سمع عنه، خائفا وشجاعا في آن، خائفا من حصولهم على ورقة مخبّأة في سرواله إن رأوها أو فكّوا شفرتها “فاٌقرأ على قيادة الحزب السلام”، وشجاعا لأنّ اللحظة لحظة امتحان قد تطول طويلا..

ولكنّ أشدّ اللحظات فجيعة في الكتاب هي لحظة الخروج من الفرع دون أن يعرف السجناء إلى أين؟ وكلّ الخوف أن تكون الرحلة إلى تدمر ذلك السجن الصحراويّ الرهيب الذي يخشاه الجميع لكثرة ما سمعوا عن عذاباته التي أصبحت مضرب المثل في الخوف والرعب والفجيعة، السجن الذي ينطبق عليه المثل الشهير ” الداخل مفقود والخارج مولود”..

ما إن تغادر الحافلة الفرع الدمشقي، حتى يترقّب السجناء مسير رحلتهم وهم مغمضو الأعين، مستدلين بالجهات والحاسّة السادسة، على الطريق الذي تسلكه الحافلة، وكلّما قطعت الحافلة مفرقا يخيب أملهم، يأملون أن تعكس الحافلة مسيرها في المفرق الذي يليه، وقلوبهم بين أقدامهم، إلى أن يأتي المفرق الأخير، فتعيش القلوب لحظة تشهد لحظة البرزخ بين الحياة والموت، لحظة ما قبلها ليس ما بعدها، لحظة ما قبل تدمر وما بعدها، وما إن تجتاز الحافلة المفرق الأخير حتى ينفصل البرزخ، وتجحظ العيون وترتخي القلوب، وتدخل الأرواح زمن الموت التدمريّ الذي سيمتدّ أربعة عشر عاما مثقلة بالجنون والرعب والهلاك، وهنا يشبّه الشاعر تلك اللحظة قائلا: (فجأة انعطف الميكرو بحدَّة إلى اليمين مصوّباً جهة الشرق. اللعنة.. هي تدمر إذن!! لقد احترق الحبل الأخير من مظلَّة الوهم.. كلّ شيء يحترق ويحترق ويحترق..إنه السقوط الحرّ. أمال الرفيق الذي بجانبي ساقه حتى لامسني، وراح يضغط، كما لو أنه يريد أن ينعجن بي. تا د مو راااااااا …هكذا صرخ صديق لي، قبل حوالي عشرين عاماً، وهو يلقي إحدى قصائده عن تدمر زنوبيا. بدأ الطريق يتلوَّى، لا لشيء سوى ليطول.
حقاً إنّ اقتحام الخطر، أقلّ وطأة من ترقّبه، وتدمر لا تريد أن تصل. آ ا ا ا ا ا ا خ.. صرخة نهائيَّة فاجعة ممتدَّة على طول هاوية سحيقة.إخرس ولك شرموط.. شو في عندك؟).

هنا ينتهي زمن ويبدأ آخر، يبدأ زمن لا علاقة له بتقاليد البشر، زمن حيوانيّ بامتياز يخضع الأرواح لمزاج سجانيه المسجونين في نهاية الأمر، ولكنّ الروح الصلدة المدرّبة على الأمل تعرف كيف تناور وتبقى على قيد الأمل من خلال القصيدة التي ترتقي بشروط عاملها الدنيويّ القذر محوّلة القيد – ولو مجازا- إلى حمامة مشرعة على عوالم لا نهائية الحبّ.

الشعر لا يخون صاحبه:

لم يكن الشاعر فرج بيرقدار ليحتمل جنون السجن لولا تمسّكه بالشعر، إذ كان يلوذ به بعيدا عن أباطرة الصمت وسادة الظلام، كان الشعر ملاذه الروحيّ، وسفيره إلى العالم الخارجي، فالذات الشاعرة لا تعرف ذاتها إلا بالشعر، به تتوحد وبها يسمو الشعر ويتخلّق ويبدع، بها تعرف الذات ذاتها والروح مستقرّها، فيغدو الشعر وسيلة دفاع واحتجاج وإثبات وجود، لذا نرى الشاعر يفعل المستحيل لإنقاذ تراثه الشعريّ من السجن، بداية بحفظ القصائد، ولكنها عندما تكثر يستعين بأصدقائه فارضا عليهم أن يحفظ كلٌّ منهم قصيدة كواجب وطنيّ مقدّس!

كم جميل أن يصبح الشعر واجبا وطنيا وإنسانيا بدل تلك الشعارات التي وشمت أرواحنا وخرّبت جماليات مطلقنا، ليصبح الشعر طريق حرية وجمال وتعبّد، ويقول الشاعر: “في البداية كان لا بدّ من الشعر كي أعرف نفسي، وأحميها، وأوازنها فوق صراطها الممتدّ ما بين اللعنة والقداسة.. ولكن شيئاً فشيئاً بدأت أدرك أنّ الشعر بالنسبة إلي، هو طائر الحرية الأجمل.. هو التمرين الأقصى على الحرية، وبصيغة أخرى هو ما ليس قابلاً للأسر”.

وكما أخلص فرج للشعر سيخلص له الشعر لأنه كائن لا يعرف الخيانة حيث سيكون هذا الشعر وسيلة للدفاع عنه خارجا ولنشر قضيته تمهيدا لخروجه، رغم تأخر هذا الخروج أربعة عشر عاما فيقول:

فيما بعد لعب نشر مجموعتي الشعرية “حمامة مطلقة الجناحين” 1997 وترجمتها إلى الفرنسية، وحصولها على جائزة “هلمان/ هامت” 1998 وجائزة الفرع الأمريكي لنادي القلم العالمي 1999، دوراً إضافياً في تصعيد الحملة الدولية وصولاً إلى الإفراج عني”.

ولكن رغم الشعر والمقاومة الصلدة هناك لحظات لم تكن تحتملها الروح، لحظات خارجة من رحم جهنميّ بامتياز، لحظات لا شكّ لو كان على هذه الأرض إلاهٌ عاقلا لما سمح بحدوثها، كمحاولة السجان إطعام أحد السجناء فأرا ميتا انتقاما من إضراب عن الطعام نفّذه السجناء، “أدخل الشرطي فأره في فم السجين، وأمره أن يبتلعه ابتلاعاً بدون أي مضغ. حاول السجين في البداية قليلاً قليلاً.. ولكن في منتصف الطريق، بدأت عضلات وجهه، تتقبَّض وترتجف… يا منيوك لا تحرِّك فكيك.. قلت لك زلطاً… نهض السجين. دار دورتين في المكان، وهو يدقُّ صدره بقبضتيه، ثم ما لبث أن بدأ ينتفض ويترنَّح، إلى أن بلغ أقصاه، .. كان الجزء الأخير من ذيل الفأر، لا يزال متدلياً عند زاوية الفم. آخ يا تدمر آخ..”

الابنة والتفكير بالمقلوب:

كانت للشاعر ابنة عمرها ثلاث سنوات حين اعتقل، كان تفكيره الدائم بها يقلقه ويخربش طمأنينة روحه التي حاول أن يعلمها التأقلم مع كلّ حالات السجن. ولكنّها الابنة؟ الجزء الآخر من الروح.. ماذا يفعل؟ هذا القلق والتفكير الدائم جعل الشاعر يفكر بحلول لا تخطر على بال، إلى درجة نتساءل معها هل يمكن لرجل عاقل أن يفكّر بما فكّر به شاعرنا!! ولكنه السجن وجنونه الذي يخضع الجميع لشروطه فيصبح التفكير مفجعا وسورياليا، “هذه الصغيرة توشك أن تفضحني…
فجأة.. لمعت في ذهني الفكرة…فكَّرتُ أن أرفع نداء إلى أعلى مسؤول في السلطة، أحمِّله فيه مسؤولية عدم اعتقال ابنتي. لا يمكن له، مهما كان عديم الرحمة، أن يتبرَّأ من هذه المشكلة “الإنسانية”، وبالتالي يجب أن يوعز إلى أجهزته بضرورة حلّها”.

لا نعرف هنا إن كان علينا أن نبكي أم نضحك، هل نضحك على تفكير الشاعر، أم نبكي على زمن السجن الذي يجعل الإنسان يفكّر بالمقلوب، ولكنّه في النهاية السجن الذي يعصف ببنيان الأشياء ويحوّل المعقول لا معقولا والمستحيل ممكنا، والمطلق يغدو في أدنى درجات البلاهة والنسبية، حيث لا قوانين سوى قانون السجن القادم من شرائع موغلة في الظلام، مشبعة بروائح الدم والأفيون والعطن.

والمشكلة أنّ تأثيرات السجن لا تشم أرواح الموجودين فيه فقط، بل تمتدّ إلى أرواح البشر المقيمين في خارجه، حيث تتعلّم طفلة الشاعر قوانين السجن وتحفظها، وتعرف ما هو المتاح وما هو الممنوع أثناء الزيارة، بل نراها تعلّم والدها نفسه الذي نسي زمنه أثناء زيارة ابنته، حين يطلب منها أن تقول له القصيدة التي هرّبها لها المرة الماضية( شهقت وهي تمسح الغرفة بنظرة متوجّسة، ثم عادت ترمقني بعينين، تطفحان عتاباً وتأنيباً على كشف سرّ القصيدة المهرَّبة واستهتاري الأمني إلى هذه الدرجة!
يا سبحان الطغيان.. حتى هذه الطفلة!)

رغم كلّ العذاب والعطن، كان الشاعر يعرف كيف يخترع أمله ويقاوم زمنه الصعب، تارة بالشعر، وتارة بتاء التأنيث المقدّسة التي لم تكن تشمل السجناء برحمتها في ذلك السجن المشبع بروائح الرجال والذكورية بأقسى أشكالها.

هنا في هذا الزمن الذكوريّ تصبح الأنثى عزاء ووسيلة مقاومة بانتظار الخروج إليها( وما من قداسةٍ جعلتني أحتمل الأسر أكثر من اثنتين: أمّي وابنتي. واحدة في آخر الغروب والثانية في أوّل الشروق، وأنا بينهما طائر اليأس والأمل).

تشكّل مذكرات “خيانات اللغة والصمت” إضافة جديدة إلى كتابات سابقة عن السجن، هذا السجن الذي نظنّ كلّما قرأنا كتابا عنه أنّنا عرفنا كلّ شيء، فنكتشف عند كلّ كتابة جديدة عنه أننا لم نعرف شيئا بعد، وأنّ المسكوت عنه والغير معروف مازال قاسيا ومرعبا ومجنونا.

متى ننتهي من هذا الجنون؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This