رحيل عبد العزيز الدوري شيخ المؤرخين العرب وعلَم المدرسة العراقية مسعود ضاهر

في 19 تشرين الثاني 2010 توفي المؤرخ العربي الكبير الدكتور عبد العزيز الدوري عن عمر ناهز 91 عاماً، تاركاً بصمات واضحة على كتابة التاريخ العربي بأسلوب علمي متميز تربت عليه أجيال متعاقبة من ابرز المؤرخين العرب.

عندما بدأ عبد العزيز الدوري مسيرته الثقافية في دراسة التاريخ العربي على طريق تكوينه الثقافي كمؤرخ متميز، كان البحث التاريخي في أيامه منصباً على التاريخ السياسي. لكن الدوري اتجه نحو جوانب أخرى لم تكن كثيرة التداول. وقد وصف مرحلة الدراسة في جامعات الغرب بقوله: «رغم الاهتمام الكبير بالتاريخ آنذاك، كان التاريخ السياسي هو الأصل. وكنت أميل إلى الاقتصاد، فكتبت رسالتي في التاريخ الاقتصادي». بعد حصوله على الدكتوراه عاد إلى العراق فشغل منصب عميد كلية الآداب، وتولى رئاسة جامعة بغداد، ثم رئاسة المجلس الأعلى للجامعات في العراق. وعمل أستاذاً زائراً في كثير من الجامعات العربية والعالمية، وكان عضواً فاعلاً في مؤسسات ثقافية عربية ودولية. ولديه مساهمات علمية كثيرة ومشاركة واسعة في الندوات العربية والعالمية التي تم تنظيمها لمناقشة قضايا التاريخ العربي، ونال عدداً وافراً من الجوائز والأوسمة التقديرية. من مؤلفاته: العصر العباسي الأول، ودراسات في العصور العباسية المتأخرة، وموجز تاريخ الحضارة العربية، وتاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، والنظم الإسلامية، ومقدمة في تاريخ صدر الإسلام، وبحث في نشأة علم التاريخ عند العرب، ومقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، والتكوين التاريخي للأمة العربية، والجذور التاريخية للقومية العربية. حقق بعض المخطوطات والكتب التاريخية القديمة، ونشر الكثير من المقالات التاريخية والقومية باللغتين العربية والإنكليزية. وقد أعاد مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت نشر أعماله شبه الكاملة في مجلدات عدة صدرت تباعاً في السنوات الخمس الماضية.

الموسوعي

كان مؤرخاً موسوعياً، وكانت له إسهامات فاعلة في كتابة التاريخ العربي وفق منهجية علمية خاصة به، ومساهمات كثيرة في موسوعات عربية وعالمية. وقد أوكلت إليه المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة «الأليكسو»مهمة الإشراف على تحرير «تاريخ الأمة العربية» في عدة مجلدات. وبعد معاناة طويلة مع الإدارة والمؤرخين تخلى عن المهمة بعد أن سار بالمشروع خطوات واسعة على طريق الإنجاز. عرفته لسنوات طويلة واستفدت كثيراً من علمه الغزير، وتواضعه الجم، ومنهجه النقدي المتميز في كتابة التاريخ العربي والإسلامي. وشاركت في مناسبات أعدت خصيصاً لتكريمه، كما أجريت معه مقابلة مطولة صدرت على ثلاث حلقات في صحيفة «السفير» اللبنانية.

انصرف الدوري، منذ وقت مبكر، إلى دراسة عدد من القضايا الشمولية في التاريخ العربي. فركز على الجوانب السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وأولى اهتماماً خاصاً بنشوء وتطور فكرة القومية العربية منذ بداياتها الأولى حتى الآن. أثار كتابه: «الجذور التاريخية للقومية العربية « سجالاً فكرياً حاداً عند صدوره عن دار العلم للملايين في بيروت عام 1960. فقد اعتبره بعض النقاد تفسيراً قومياً متحيزاً للتاريخ العربي، بطريقة جديدة، لا بل مغايرة لما كان سائداً من الأدبيات القومية العربية. وثم طور مقولاته النظرية حول فكرة العروبة والوعي القومي العربي في أكثر من كتاب ودراسة. وتضمن كتابه: «التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي»، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1984 عن مركز دراسات الوحدة العربية وترجم إلى أكثر من لغة أوروبية، تكثيفاً شمولياً لأبرز مقولاته العلمية حول البداوة، والتراث العربي، والعروبة، والإسلام، والقومية العربية، وغيرها.

اعتبر الدوري أن الإسلام كان دعوة شاملة، وحركة كبرى، ورسالة إنسانية. «نزل القرآن بلسان عربي مبين، وحمل العرب ابتداءً راية الإسلام، واقترنت أمجاده الأولى بهم، ووضعت أصول شريعته وثقافتهم بلغتهم، وكان جل علمائه ومفكريه في فترة التكوين منهم. كل هذا أعطى العرب دوراً مركزياً في مسيرة الإسلام عبر العصور. بالإسلام توحد العرب في التاريخ، وبه كونوا أول دولة تضمهم جميعاً، هي دولة الخلافة وهي الدولة الوحيدة التي تمثلت فيها وحدة الإسلام سياسياً لفترة تتجاوز القرنين. ثم ضعفت خاصة إثر تحكم عناصر غير عربية، تركية وفارسية، لتبقى الخلافة رمزاً لهذه الوحدة رغم الانقسامات السياسية. أدخل الإسلام فكرة الأمة، تربطها العقيدة، والأمة تضم شعوباً وقبائل. ولكن وحدة الأمة الإسلامية سياسياً لم تتحقق إلا في فترة قوة العرب».

العروبة

تبنى الدوري دعوة جريئة عن «العروبة الحضارية أو العروبة الثقافية». فاستنبط مقولات مهمة جداً حول مفهوم العروبة الثقافية ودورها في جمع العرب على أسس توحيدية يلعب فيها الدين، والثقافة، والتراث، كعناصر توحيد لا تفرقة. وقد وصف مفهوم العروبة الجامعة الحضارية بقوله: «لم تكن فترة صدر الإسلام فترة بداوة، بل كانت فترة استقرار وتطور حضري وتكوين ثقافي، وضعت أثناءها أصول الدراسات العربية والإسلامية، ورسخت قاعدة التعريب الإداري والثقافي. وجاءت الفترة العباسية لتستقر فيها أصول الثقافة العربية الإسلامية، وقد شارك في تكوينها العرب والمستعربون. فهي ثقافة عربية اللغة وهي تراث العربية. لقد احتوى الإسلام الشعوب والقبائل بفكرة الأمة تربطها العقيدة، وبدأ التعريب مقترناً بانتشار الإسلام جل هذه الفترة. ظل الإسلام والعروبة متلازمين بالنسبة للعرب، وبقيا أساس الهوية العربية. وكان ذلك إثر تطور حضاري شامل، وإثر صراع بين المبادئ الإسلامية وبين المفاهيم القبلية مما أدى إلى تجاوز مفاهيم النسب والأصل وإلى ان تتخذ العروبة مفهوماً يستند إلى اللغة والثقافة. وكان من نتائج التطور الفكري والحضري المتشابك العناصر أن برزت فكرة الأمة العربية وتأكدت اللغة العربية رابطة أساسية للعرب». فإذا كانت العروبة قاعدة للانتماء فإن الثقافة العربية الإسلامية لدى الدوري تمثل محتوى هذا الانتماء. وهذا يعني أن تكوين الأمة اعتمد، وبدرجة كبيرة، على التعريب. فالعروبة هوية ثقافية وليست هوية عنصرية. وقد تعززت هذه الهوية عبر التراث العربي والوعي العربي حتى العصر الحديث. يلاحظ في هذا المجال أن فكرة الأمة العربية في التاريخ الحديث والمعاصر لم يرافقها تأكيد على قيام الدولة الواحدة التي تضم جميع البلاد العربية. بل اقتصرت على الدعوة إلى وحدة البلاد العربية التابعة للسلطنة العثمانية في آسيا وهي بلاد كانت آنئذ في إطار سياسي واحد. كما يلاحظ أنه لم يكن هناك ترابط في التراث بين الأمة العربية الواحدة والدولة الواحدة طوال تلك الفترة. وكان للشام دور فعال في الحركة العربية وفي الاتجاه القومي العربي. وكانت الدعوة القومية في المشرق العربي تتصل أساساً بضرورة حماية التراث العربي من التحدي الطوراني الذي شكل عاملاً مهماً في إثارة الاتجاه القومي العربي. أما في مصر والسودان ودول المغرب العربي، حيث الحماية البريطانية والفرنسية، فقد اتخذ الوعي القومي العربي وجهة وطنية تعدو إلى بناء دولة وطنية مستقلة وقوية. وانتهت الحرب العالمية الثانية بوجود مفاهيم متنوعة ومتناقضة داخل الاتجاه القومي العربي من دون أن تكون هناك نظرية علمية دقيقة وشاملة حول القومية العربية، في مشرق العرب ومغربهم.

عايش الدوري مرحلة تطور العمل القومي العربي، وانتشار الدعوة للحفاظ على الحريات الأساسية، وتبني القوميين العرب لمقولات الأنظمة الديموقراطية عن طريق الانتخابات الحرة وغيرها. وانتقد الدعوات القومية التي بقيت غائمة في كثير من جوانبها، ولم تول مسألة التعددية والاختلافات الطائفية والمذهبية والنزاعات القبلية، العناية التي تستحق كمعوقات بارزة على طريق إقامة الوحدة القومية على أرض صلبة. وقد حلل، ببراعة قل نظيرها، مسألة الدعوة إلى النهوض العربي وإيجاد كيان سياسي يوحد العرب في مختلف أقطارهم. وقدم مقولات علمية جادة حول كيفية قيام وحدة عربية شاملة، على أن تكون لها ركائز اقتصادية واجتماعية واضحة. فالهدف العملي المباشر للحركة القومية العربية هو جمع كلمة العرب، وتوحيدهم، واستقلال البلاد العربية في المشرق والمغرب. وأبرز الاتجاهات الثقافية التي شددت على مهاجمة الاستبداد، والتأكيد على مقولة الحاكم العادل، والدعوة إلى تبني النظم البرلمانية الحديثة. ورأى أن الدراسة التاريخية يجب أن تنظر بعيون الحاضر إلى تاريخ الأمة العربية، وذلك بهدف التعرف إلى مكوناتها الأساسية، وإدراك اتجاهاتها وتطوراتها، «فكتابة التاريخ العربي لا يمكن أن تكون خارج تيارات العصر وهمومه. فالتاريخ إبن بيئته في الأساس، ينطلق إلى الماضي من الحاضر، ويختار موضوعاته، ويفسر مشاكله بمفاهيم عصره».

الفكر القومي

انتقد الدوري بعض المؤرخين الذين توهموا أن دراسة الأسر الحاكمة أو التركيز على الأفراد البارزين فيها يشكل بديلاً لدراسة الأمة العربية. فنبه، في أكثر من دراسة، إلى خطورة التركيز على الأفراد البارزين بمعزل عن شعوبهم لأن ذلك النوع من الكتابة يشكل انحرافاً عن الكتابة العلمية لمسيرة الأمة. فالأمة العربية ذات تاريخ موغل في القدم، ولا يمكن أن يختصر تاريخها بحقبات الأفذاذ من قادتها. «وإذا كانت القومية العربية بمفهومها الحالي حديثة، فإن الوعي العربي الذي يعبر عن شعور الأمة بذاتها ويدفعها إلى تحقيق آمالها وأمانيها قديم عند العرب، ولعلهم في مصاف أعرق الشعوب في تكوينه. والقومية العربية هي الوعي العربي بمظهره الأخير، وهي لم تكن صدى لحركات قومية أخرى بل إنها تعبير عن تنبه ذاتي، وتجديد لهذا الوعي في طريق التحرر والحياة الكريمة».

نبه الدوري إلى ان وعي العرب بتاريخهم القومي بدأ عبر أفكار ومقولات رومانسية طوال عصر النهضة واستمرت تؤثر في الساحة الثقافية العربية لعقود عدة. «وبعد أن اجتازت القومية العربية مرحلتها الرومانتيكية التي اتصفت بها قبل الحرب العالمية الثانية، بدأت تدرك، بعد تجاربها الثورية منذ منتصف القرن العشرين، أن البناء لا يكون من فوق بل من القاعدة، وأن مثل هذه التجربة تتطلب إعادة نظر جذرية في التفكير والتخطيط».

بعد الحرب العالمية الثانية برز اتجاه اشتراكي في الفكر القومي العربي. فأدخل القوميون العرب من دعاة هذا الاتجاه مقولات جديدة تدعو إلى نقد المقولات السائدة، وفتح حوار علمي هادئ بين الاتجاهات القومية المتنافرة لدرجة التناحر. وتميزت المرحلة الجديدة برسوخ الوعي القومي العربي بين النخب الثقافية عبر مفكرين قوميين تركوا مقولات نظرية كان لها دور فاعل على المستويين النظري والعملي. وأكد مراراً على أن العرب «حققوا بالإسلام معنى لوعيهم: أمة واحدة، ولغة واحدة، ورسالة تاريخية، ووجهة واحدة». مع ذلك، فالقومية العربية عنده ثقافية أو حضارية، وليس في ذلك أي تناقض على الإطلاق. فالعروبة هوية ثقافية حضارية لا تستند إلى نقاء العنصر، أو عراقة النسب. كما أن مفهوم الأمة العربية قد «تكون حول اللغة والتعريب والتراث الثقافي والدور التاريخي للعرب». وليست الفكرة القومية طارئة أو مقتبسة، بل إنها نتيجة تطور الوعي العربي الذي تفجر قبل حوالى أربعة عشر قرناً، ثم اتضح بالتدريج وتحدد خلال مسيرة العرب في التاريخ ليظهر وعي ذاتي يتمثل في حيوية جديدة تريد بعث الحياة في الأمة العربية، وتريد كياناً خاصاً لها، وهذا هو الوعي القومي الحديث.

ليس من شك في أن مفهوم الوعي القومي العربي عند الدوري هو مفهوم إنساني لأن الإسلام حمل رسالة دينية وحضارية إلى العالم. وبالاستناد إلى وعي العرب العلمي الدقيق بتاريخهم القومي المتميز عن تاريخ الأمم والشعوب الأخرى، وقف العرب في وجه أنظمة الاستبداد الداخلي والسيطرة الخارجية. وقدموا تضحيات كبيرة من أجل تحرير بلادهم من المحتل الأجنبي، والعمل على بناء مجتمع عربي ديموقراطي عصري وموحد. فالوعي القومي العربي الذي ينشده الدوري، هو الوعي الذي يؤكد على مشاركة التراث الفكري العربي في التراث الإنساني. وهو ليس مجرد تراث ماضوي عاش عصره الذهبي وانتهى، بل تراث قابل للإحياء والتطوير والتفاعل مع الثقافات والحضارات الأخرى. ويشدد الدوري على أن تمسك العرب بتراثهم الإنساني شرط أساسي لفهم مسيرة الأمة العربية عبر مختلف الحقب التاريخية. وذلك لا يتعارض ابداً مع دعوات الانفتاح على العلوم العصرية، والتكنولوجيا، ونقد الذات بصورة موضوعية، وتصويب مسار الشخصية العربية لكي تكون قادرة على مواجهة تحديات العصر. كما أن مفهوم العروبة الثقافية لدى الدوري يتضمن مقولات نضالية تهدف إلى تصليب الإرادة العربية في مكافحة الاستعمار الذي كان، بالنسبة للشعوب العربية وشعوب كثيرة في العالم، مصدر انحطاط وتخلف. وهو يرى بحق أن من شروط الإصلاح أو النهضة القابلة للحياة الاستمرار في نشر الدعوة إلى التحرر في مختلف المجالات. ونبه إلى أن المصالح والاتجاهات الإقليمية السائدة في الدول العربية، شكلت وما زالت تشكل عقبة أساسية أمام النهوض القومي العربي الذي يتطلب العمل الدؤوب لتحقيق وحدة الأمة العربية، ونشر الوعي القومي على امتداد الأراضي العربية. وقد أولى الدوري اهتماماً خاصاً بقضية فلسطين التي كانت من العوامل السياسية في تقوية الوعي القومي لدى جميع الشعوب العربية. وبعد أن فند الدعوات القطرية التي تنادي بفصل مسارات الدول العربية بعضها عن البعض الآخر، تساءل مراراً عن قابلية الحضارة العربية للتجزئة، وعن قدرة الشعوب والدول العربية على إنجاز تنمية شمولية مستدامة، وتحرير الأرض والإرادة الوطنية والقومية، وحماية الذات والتراث والمصير. وشكك بقدرة الدول على الاستمرار في عصر التكتلات الجغرافية والسياسية والاقتصادية والثقافية الكبيرة.

المشكلة

في النصف الثاني من القرن العشرين، اكتشف الدوري ورفاقه من دعاة الفكر القومي العربي العقلاني، وفي طليعتهم قسطنطين زريق، أن ما يجري على الساحة السياسية العربية أبعد ما يكون عن مقولاتهم النظرية. «تبين للحركة القومية أن المشكلة الكبرى هي الذهنية الحاكمة التي تقف في وجه كل تحرر

أو إصلاح شامل. واتضح للكيانات العربية القائمة وللمصالح المركزة أن وجهة الحركة القومية تؤدي إلى إزالتها. وأدركت أن لا سند لها إلا الغرب فراحت تتشبث بمتابعته وتحاول فرض الانحياز إليه. وتبين لهم بالتدريج أن معركة القومية العربية مع الاستعمار ومعركتها مع المصالح المحلية واحدة». هكذا اكتسب الوعي القومي وضوحاً وشمولاً جديدين. فبرز صراع قوي ما زال مستمراً بين قوى حاكمة تتمسك بالتبعية وتريد إبقاء الأوضاع العربية على ما هي عليه من فساد وتفكك، وبين حركة قومية عربية تريد التغيير الجذري وتتخذ من المقولات القومية العربية وجهة ثورية. وفي غالبية مقالاته القومية أكد الدوري على أن معركة القومية العربية هي معركة الحرية والتحرر: التحرر من الاستعمار، والتحرر من التعسف الداخلي والاستبداد، والتحرر من كل استغلال وتبعية.

 

عن جريدة السفير البيروتية 26112010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق