رحيل كاهن ما بعد الحداثة — منصور مبارك

 في العام المنصرم، وتحديداً في شهر آذار، فقد فكر ما بعد الحداثة كاهنه الأكبر الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار. ودون أدنى شك، سيفتقد العالم بأسره تعليقاته وكتاباته التي تمزج بأسلوب خلاق الجدة والطرافة. وذلك تحديداً ما أكسبه شهرة واسعة امتدت إلى كافة أنحاء الكوكب. ونحن هنا في الكويت لحقت بنا إحدى تلك التعليقات الطريفة، حينما أطلق حكماً شهيراً بأن حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت) لم تحدث أصلاً وإنما كانت محض لعبة فيديو عملاقة. في الوقت الذي اعتبر فيه حدث الحادي عشر من سبتمبر حقيقياً ويمثل تجسيداً للقوة الرمزية الفائضة.

حياة بودريار مشوقة ولا تخلو من الإثارة، تماماً ككتاباته، فقد ابتدأ بدراسة الأدب، حيث تخصص في الأدب الألماني وهو على مقاعد الدراسة في جامعة السوربون، وظل وفياً لتخصصه من خلال تدريسه اللغة الألمانية في عدد من المدارس الثانوية، وترجمته في تلك الفترة بعض مؤلفات كارل ماركس وبرتولد بريخت وآخرين، لينصرف بعدها إلى التعليم الجامعي، حينما عين محاضراً في جامعة نانتري بداية السبعينات.

وتماماً كغموض مصطلح ما بعد الحداثة والتباسه، لم يكن ممكناً التنبؤ باتجاهات بودريار واهتماماته. إذ تحول نحو الفلسفة والنظرية الاجتماعية، وقام بتأليف ما يتجاوز الخمسين كتاباً في هذين الميدانين. مع ذلك يبقى من الصعب تحديد إطار شامل لتفكير بودريار وآرائه، فقد كانا من السيولة بحيث طرأت عليهما تبدلات وتحولات مستمرة. ولكن ثمة ثوابت في ممارساته وتفكيره، من بينها حرصه الدائم على إبداء رأيه تجاه الكثير من الأحداث العالمية سواء كانت اجتماعية، أو ثقافية، أو اقتصادية. من جانب آخر تميز بودريار بكونه منافحاً حروداً عن فكرة إلغاء التمايز بين الطبقات، والأعراق، والجنسين التي تتكون منها المجتمعات الحديثة. كما أبدى اهتماماً فائقاً بدور التكنولوجيا في المجتمع، وتأثيرات الإعلام، وتقنيات السبرنطيقا التي خلقت نظاماً اجتماعياً مغايراً على المستوى النوعي.

وربما بتأثير من كتابات ماكلوهان، ذهب بودريار إلى أن الإعلام قد اجترح عصراً جديداً، اندثرت بفعله أنماط الإنتاج والاستهلاك القديمة، ليتشكل في أعقابها كونية جديدة. ذلك التخلق الجديد يعتمد – بعكس سابقه – على الاتصال، والتغذية العكسية، والتفاعل، وتتسم عملياته بالنرجسية، وبتغير مظهرها على الدوام.

ففي نظر بودريار فكرة العالم والمرآة لم تعد قائمة، إذ حلت مكانها الشاشة والشبكة، فمرحلة الإنتاج والاستهلاك قد مهدت الطريق لمرحلة جديدة قوامها الاتصال، والتغذية العكسية، ومن هنا أطلق مقولته الشهيرة بأن العالم يعيش نشوة الاتصال. ولكن بودريار يعد تلك النشوة أمراً شائناً، طالما أن الإعلانات أصبحت تطغى على كل شيء مع تلاشي الفضاء العام، الذي هو معاصر، زمنياً، لاندثار الفضاء الشخصي، بحيث أصبح الفرد غير مرئي ولم يعد الآخر سراً.

اكتسب بودريار شهرته مبكراً، وتحديداً في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، حينما أصدر – آنذاك – مؤلفات هامة مثل “ نظام الأشياء “ عام 1968 ، و“مجتمع الاستهلاك” عام 1970، و“نقد الاقتصاد السياسي للإشارة” عام 1972. جميع تلك المؤلفات كانت تلخص أزمة العصر وتحولاته، فقد حاول بودريار بطريقة خلاقة المزاوجة ما بين البحث في الحياة اليومية من جانب، ودور الإشارات والرموز في الحياة الاجتماعية من جانب آخر. وقد كان توكؤه الدؤوب على السيمياء يرجع إلى تأثره بكتابات الناقد الفرنسي رولان بارت.

مع ذلك، فإن الكتاب الأهم لبودريار كان “التبادل الرمزي والموت” عام 1976. لأنه يعد عن حق مانفستو للعالم المابعد حداثي. ففيه يشطر بودريار التاريخ إلى مرحلة المجتمعات الرمزية ما قبل الحديثة ومرحلة الرأسمالية الحديثة. في حين يمايز على مستوى النظرية الاجتماعية ما بين المجتمعات ما قبل الحديثة التي تلتئم حول فكرة التبادل الرمزي، والمجتمعات الحديثة التي تنتظم حول الإنتاج، والمجتمعات ما بعد الحداثية التي تتمحور حول الإشارات والرموز.

يقدم بودريار معماراً فكرياً وفلسفياً أخاذاً لفكرة المجتمع الما بعد حداثي. إذ يشير إلى أن المجتمع الحديث يتشكل حول عمليات إنتاج السلع واستهلاكها، في حين ينتظم المجتمع الما بعد حداثي حول مفهوم المحاكاة (النسخ)، ويقصد بالمحاكاة الأنماط الثقافية للصور التي تحاكي الحقيقة، مثلما هو الأمر في التلفاز، الحاسوب، الواقع الافتراضي. ويذهب بودريار بعيداً في القول بأنه في هكذا مجتمع تجري فبركة الهويات وفقاً للطريقة التي تنتظم فيها الصور والإشارات والرموز في مجتمع معين، كما يؤكد كذلك على أن خطورة ذلك التحول تتجلى في الكيفية التي سيدرك فيها أفراد ذلك المجتمع ذواتهم وعلاقاتهم بالآخرين.

ولم يتوقف بودريار عند حدود النظرية الاجتماعية، بل اخترق العديد من الميادين، فكان ناقداً مشاكساً، ومثيراً للجدل. وفي الحقيقة، فإن أهمية الدور الذي كان يقوم به بودريار في العالم المعاصر، كان شبيهاً بما تقوم به ذبابة سقراط التي تلسع ولا تنيم، وكذلك كان الأمر في أسلوبه الاستفزازي بالكتابة وسخريته، مما خلق له جيوشاً من الخصوم، يتوزعون على كافة التخصصات الأكاديمية، ولم يوفر بودريار أحداً في نقده، بما في ذلك أولئك العاملون في ميدان قد يبدو بعيداً عن اهتمامه، فعلى سبيل المثال، ذهب في إحدى مقالته والتي عنونها بعنوان استفزازي “مؤامرة الفن” إلى أن الفن المعاصر شاهد كبير على مؤامرة طرفاها الفنانون والمستهلكون، يسعى من خلالها هذان الطرفان إلى إقناع بعضهما البعض بأن الأعمال السطحية تحمل معنى حقيقياً.

أغلب الظن أن بودريار جعل الكثيرين يقرؤون ما بعد الحداثة على نحو أكثر وضوحاً، بعدما كانت غائمة أو مبتسرة في كتابات منظرين كثر لها. وذلك – تحديداً – كان حرياً بأن يقطع ويصرم العلاقة ما بين هذا الرهط وبودريار. إذ لم يوفر الأخير نقاشاً وسجالاً حول ذلك الأمر مع أطياف مختلفة من هؤلاء. وذينك الأمرين، هما في الجوهر، ما يجعلان غياب بودريار قاسياً وثقيلاً.

 —————————————————

نشر في جريدة أوان في 30/1/2008
 
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق