رحيل محمد السيد سعيد

عرف المجتمع العربي منذ تأسيس الدولة الوطنية غداة الاستقلال تجارب متنوعة، تجارب وحدوية في المجال السياسي باءت بالفشل الذريع، ولا غرابة في ذلك، إذ أنها تجارب مسقطة من فوق، وتجارب تنموية وصفت نفسها بأنها “اشتراكية”، وبعض التجارب الليبرالية الهشّة، وقد أجهضها العسكر.

إنّ الدارس لهذه التجارب يلمس في يسر أنّ الغائب الأكبر في تاريخها هي الحرية باعتبارها تمثّل المدخل الوحيد لبناء دولة حديثة، تقوم على مؤسسات دستورية ممثلة لإرادة الشعوب تمثيلا حقيقيا، وليس مزيفا ومزوّرا.

إنها الدولة التي حلمت بها أجيال من النخبة العربية، وحسبت أن الاستقلال سيكون اللبنة الأولى في بنائها، ولكن سرعان ما سقطت الأحلام لما تحولت دولة الاستقلال إلى دولة قامعة تسير شؤونها أجهزة المخابرات، لا المؤسسات.

أدركت النخبة المثقفة العربية بعد إمعان النظر في تجارب الماضي المتعددة أن الفريضة الغائبة هي النضال في سبيل الحريات العامة، وأدركت في الوقت ذاته أن شعوبها تدفع اليوم ثمنا باهظا نتيجة التضحية بقضية الحرية طوال عقود طويلة من الزمن، وأن الخروج من التردّي الذي بلغه الراهن العربي أصبح معقدا وصعبا نتيجة غياب الحرية.

يزعم بعض القادة العرب، ومن يدور في فلكهم من المثقفين الموالي، أن قضية الحريات العامة لا تشغل كثيرا بال المواطن العربي، فشغله الشاغل ضمان لقمة العيش، وهذا خطأ بل إنه تزييف، فقد أثبت سبر الآراء الذي أنجز في نطاق إعداد تقرير الأمم المتحدة للتنمية العربية قبل أعوام قليلة، وقد تناول موضوع “الحرية في الوطن العربي” أن تعلق المواطن العربي بالحرية لا يقل عن تعلق المواطن بها في المجتمعات المتطورة.

ولا بدّ من التلميح في هذا الصدد أنّ لنضال النخبة العربية ضدّ الاستبداد، ومن أجل تنبيت قيم الحرية والمواطنة في التربة العربية، تراثا ثريّا تمتدّ جذوره إلى القرن التاسع عشر، وقد دفع كثير من أفرادها ثمنا باهظا في سبيل ذلك، وقد ذكّر بذلك المصلح المصري المعروف مصطفى عبد الرازق في أحد نصوصه متحدّثا عن أحد روّاد الحركات الإصلاحية جمال الدين الأفغاني (1838-1897) قال: “حسب جمال الدين من عظمة ومجد أنه في تاريخ الشرق الحديث أول داع إلى الحرية، وأوّل شهيد في سبيل الحرية”.

إن الدارس لتاريخ تيارات التحديث والتقدم في الوطن العربي يلاحظ أهمية الرسالة التي أداها أصحاب الأقلام الحرة بالأمس واليوم في مقاومة النظم الاستبدادية، وفي الذود عن الحرية، ونذكر منهم في هذا الصدد ولي الدين يكن، وسليم سركيس، والأفغاني، وأديب إسحاق في القرن التاسع عشر وطه حسين، ومحمود أمين العالم، وعبد العظيم أنيس، ومحمد عودة، وكامل زهيري، وصلاح الدين حافظ في القرن العشرين.

ومن المعروف أن بعضهم اضطر إلى الهجرة لينشئ منابر إعلامية حرّة كما كان الشأن بالنسبة لسليم سركيس، والأفغاني، ولمناصره الوفيّ أديب إسحق (1856-1885) الذي أصدر في باريس عام 1879 وهو في الرابعة والعشرين من سنه جريدة “مصر القاهرة” معلنا في عددها الأول: “تطبع في باريس تحت سماء الحرية لنشر ما يعود بالنفع على البلاد العربية”.

عادت بي الذاكرة إلى رسالة الأقلام الحرة، وإسهامها في النهضة العربية الحديثة لما بلغني قبل أيام قليلة رحيل رائد بارز من روادها في المرحلة المعاصرة محمد السيد سعيد. عرفته باحثا رصينا، ومحللا دقيقا لقضايا الوطن العربي ضمن جماعة مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وقد مثّل يوما ما منارة مضيئة من منارات الفكر العربي الحر، وقد شعرت في إحدى زياراتي للمركز أنه قلق، غير راض بموقعه رغم أنه كان رجلا كتوما.

إن المؤسسات الرسمية العربية يضيق صدرها بالأصوات الحرة، فتسيطر الحيرة على أصحابها، وخاصة عندما تتدهور الأوضاع، وتغزو موجة الردّة والرداءة مجتمعاتهم، ويبلغ هامش الحرية درجة الصفر.

يبدو أنّ الراحل محمد السيد سعيد عاش هذه الحيرة فقرّر البحث عن منبر حرّ يسمح له بالدفاع عن قيم المواطنة والحرية، ومكافحة ظاهرة الفساد، واستغلال السلطة، والإثراء على حساب المصلحة الوطنية، وهكذا تحولت جريدة “البديل” بإشرافه إلى علامة رائدة في تاريخ الصحافة العربية الحرة، وجعلته مقالاته التحليلية يصنّف دون مبالغة ضمن رواد الأقلام الحرة في تاريخ الصحافة العربية منذ الصحف التي أصدرها سليم سركيس (1867-1926) في لندن وأمريكا، و”مصر القاهرة” التي أصدرها أديب إسحاق في باريس حتى “البديل” برئاسة تحرير محمد السيد سعيد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق