رداً على رد شادي العمر.. محنة الثقافة العربية بين التكفير الأصولي والتكفير (العلماني)

لا أختلف مع الأستاذ شادي العمر في الدفاع عن هاشم صالح باحثاً وكاتباً ومفكراً .. ولا حاجة (صحيحةللتأكيد أن ردي كان رداً على مقال الأستاذ صالح ولم يكن رداً على الكاتب نفسه، وهي نقطة تبدو !!) من الناحية الشكلية للأستاذ العمر ، فعنوان الرد كان “رداً على هاشم صالح (من هيغل ونابليون إلى هابرماس وبوش)، أي أنني أرفقت
عنوان المقال الذي أردّ عليه عند الكاتب، وهو الأمر الذي يعرفه الأستاذ العمر بشكل جيّد تبعاً لحسّه (النقديّ) النّامي، لكنّه لسببٍ ما قرأ نصف العنوان وأغفل نصفه الآخر!!.. خصوصاً أنّ ردّي يبدأ بمقدّمة تؤكّد أهمّية (هاشم صالح على صعيد الثقافة العربية المعاصرة، باحثاً وكاتباً ومفكراً) واعتراف صريح بريادته في الاستشراف المبكّر للخطورة التي تشكّلها الأصوليّة الإسلاميّة على مستقبل العالم العربيّ.. وقلت حرفياً إنّ أهمية صالح تتجلّى في أنّه لم يعتبر (معركته الأساسية على صعيد الفكر والفلسفة مع الأنظمة المستبدّة بمقدار ما هي معركة مع الفكر الظلاميّ والقوى الأصوليّة الآخذة بالتمدّد عبر شرايين المجتمع العربيّ ومؤسّساته، في جدلية مرعبة متناغمة مع تركيبة النظام الحاكم).
وأضفت ـ وليسمح لي العمر أن أقول هنا (أضفت بمحبّة واحترام للأستاذ صالح) دون أن يتّهمني بالسرد والعفوية الفجّة ـ (ليس سرّاً أن نقول إننا كنّا نتتبع ما يكتبه صالح لنستشرف معه أكثر، ونرى مؤشّر بوصلة المتغيرات المحلية والكونية إلى أين يتّجه.. وما زلنا) وأؤكّد هنا على (نتتبّع) وعلى (مازلنا).

أعتقد أنها مقدّمة صريحة لا يمكن من خلالها الاستنتاج أنّني أردّ على هاشم صالح ككينونة فكرية ـ فلسفية أو أنّ ردّي على مقاله يحتاج لمن ينبري للدفاع عن هاشم صالح الكاتب وليس الدفاع عن المقال.. هي على ما يبدو مماحكة لغوية أرادها الأستاذ العمر ليس إلا..

الأمر نفسه ينطبق على هاشم صالح في مقدّمة مقاله (ردّا على فخر الدين فياض) حين يبدأ باستنتاجات (حربجية) ـ أعترف أنها قد فاجأتني ـ أراد منها تفصيل ساحة معركة وضعني في موقف الذي يسعى لكي (يحظى بالرضى الشعبيّ أو الشعبويّ المنتشر حاليا من مشرق العالم العربيّ إلى مغربه: أي موقع المدافع عن العرب والإسلام والمسلمين) وأخذ لنفسه موقع المتهم بالدفاع عن (الشيطان الأكبر جورج بوش).. بعد أن ينوّه إلى (اللكمات الموجعة) التي سدّدها له الأستاذ نادر قريط، ويصل بصورة لا تليق به إلى نتيجة مفادها: أنني أطلقت عليه حكماً (بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى)..!!!

أيضاً لا أعتقد أن مقدمة ردّي توحي بنتيجة كهذه..

إذ أنّني حين أشيد بدور صالح في محاربة الأصوليّتين القومية والإسلاميّة فإنني لا أدافع عن (العرب والإسلام والمسلمين) ولا أسعى لموقف شعبويّ، العكس صحيح تماماً، وبالتالي لا يمكن أن أطلق حكماً بالإعدام على أحد روّاد العلمانية ومحاربي الفكر الظلاميّ في حياتنا.

إلا إذا كان انتقاد الأستاذ هاشم صالح بوصفه مفكراً ليبراليّاً وبما يتضمّنه فكره من موقف علمانيّ وديمقراطي أصيل يعني التطاول على (الذات الإلهية ـ الحداثوية).. وبالتالي فكلّ من ينتقده هو على الضفة الأخرى من أصحاب الوعي الشقيّ، فإمّا أن تحمل صليبك (الأصوليّ) أو تحمل صليبك (العلمانيّ) نحو قتال (الكفرة) العلمانيين أو (الكفرة) الأصوليّين .. إنها المحنة نفسها في الثقافة العربية، التكفير والتخوين، من اليسار أو من اليمين.. لا فرق!!
و(الذات الإلهية) مفهوم متجسّد في صلب هذه الثقافة.

فصالح يكفّرني بتهمة الشعبوية!!

والعمر يكفّرني بتهمة (الوعي الشقيّ) !!

وفي كلا الحالتين كفى الله المؤمنين شرّ التفكير..

أن تنتقد بروح علمانية مفكّراً علمانياً، أو أن تنتقد بروح إسلاميّة مفكّراً إسلاميّاً فهذه (بدعة) تبدو جديدة على ثقافتنا.
ولا أعتقد أنّ الفارق (المنهجي) كبير بين الأصوليّ الذي كفّر حامد أبو زيد وأعلنها حرباً على المرتدّ والمرتدّين .. وبين (العلمانيّ) الذي يكفّر الآخرين بتهمة الشعبوية أو الوعي الشقيّ ويعلنها حرباً على (المنافقين) الذين يسعون لنيل الرضى الشعبيّ أو الرسمي حسب معتقده.. وليس رأيه!!

وكما يتندر العمر (أنّ الحديث لدى الأستاذ فيّاض كان ذا شجون) .. وهو حقاً كذلك ـ بالاعتذار من العمر الحديث ذو شجون هنا أيضاً ـ فقد ذكرني ردّه وردّ الأستاذ صالح بأحد مقدّمي البرامج الحوارية في فضائية عربية منتشرة جداً، حين طلب مني المشاركة في حلقة حول الأزمة الاقتصادية العالمية مؤخراً، لكنه طلب مني (إذا أمكن) أن أتّخذ موقفاً مع الرأسمالية أو ضدّها!!!

لست مع الرأسمالية ولست ضدّها .. وانتقادي لها قد يكون من موقع ليبراليّ وليس من موقع قوميّ أو اشتراكيّ.. من المؤكّد أنّ الأستاذ العمر سيرى في هذه الملاحظة (زائدة) لا علاقة لها بما نتحدّث عنه!!

مبدئياً لا يوجد لدي الكثير كي أردّ به على الأستاذ شادي العمر، لأنّه كما بدأ بقراءة نصف العنوان، كذلك فعل مع نصّ المقالين، وما كتبه لم يتعدّ التقييم والحكم .. وكان مقاله أشبه بمرافعة قضائية للدفاع أو للنيابة العامّة ـ لا فرق.. العجيب أنّ العمر في مرافعته تلك لم يدخل إلى ضمير النص فقط ليقوّله ما يراه مناسباً، وإنما دخل إلى ضمير الكاتب وقوّله ما أراد.. والذي لم يعجبه في الردّ شطب عليه (بضربة نجلاء) تحت حجّة أن لا علاقة له بجوهر الموضوع وأنّ الكاتب أراد من طرحه العبث أو وجدها فرصة ليقول ما عنده.. والأمثلة على ذلك كثيرة إن لم يكن (دفاع) ـه عن هاشم صالح برمّته مثالاً كبيراً على ذلك..

فحين يتحدّث شادي العمر حول “الوعي الشقيّ” الذي جثم بروحه على ردّي حسب تعبيره يقول:
“أوّل ملامح هذا الوعي أنّه كان مفارقا لأيّ موقف فكريّ يتبنّى نظرة للتاريخ أو فلسفة للحضارة، على عكس مقال صالح تماما الذي أعلن صاحبه أكثر من مرّة ودون مواربة أو حاجة للتأويل، موقفه من تقدّم التاريخ وفكرة الحضارة إزاء الهمجية واللاحضارة التي تصمّ كلّ فكرة أصوليّة لا تفضي إلا إلى الإرهاب والعنف” ..

هكذا ببساطة (مدرسية) يحكم أنّني لا أمتلك (موقفاً فكرياً يتبنّى نظرة للتاريخ أو فلسفة للحضارة) وبإطلاقية ساذجة (أيّ) موقف!!.. وكأنّ الموقف من التاريخ شعار عقائديّ أو قلادة نعلّقها في رقابنا كي يراها جيداً الأستاذ العمر.. بينما ما نقوله حول تجاوز التاريخ لفلسفة الدم والقانون البربريّ وحول مخاطر المدّ الأصوليّ (شرقاً وغرباً) وحالة الصدام بين الحضارة (التنوير وما يتعلق به من فلسفات وقوى مختلفة) وبين الهمجية الأصوليّة: الإسلاميّة (ممثلة بفواحش القاعدة والنجادية وغيرها من التيارات الظلامية) والغربية أيضاً (ممثلة بفواحش إدارة بوش وغيرها في عصر توحّش رأس المال) لا تعني أننا نمتلك موقفاً فكرياً يتبنّى نظرة للتاريخ أو فلسفة للحضارة؟!!

إنها نفس المحنة التي عانينا طويلاً منها جرّاء ثقافة (القوميين) والأصوليّة الإسلاميّة على مدار أكثر من نصف قرن مضى.. محنة الشعارات واللونين الأبيض والأسود، وكذلك على رأي (المغفور له) جورج بوش: من ليس معنا فهو ضدنا.
المزعج في الأمر أنّ ردّ العمر وردّ صالح لم يناقشا القضايا الأساسية التي اعترضت عليها فيما قاله صالح، واتهم العمر المقالين اللذين كتبتهما في الردّ على صالح، بالتسلّي (بعرض الوقائع وسوق الاستشهادات، والوقوف عند المفارقات وتضخيمها، وليّ عنق الأفكار لحساب تسذيجها وتفريغها من مضمونها، لتبرّر أفكارا أخرى كانت مسبقة، فجاءت حجّة الردّ كفرصة لطرحها، فهي ليست أبدا أفكارا ولّدها المقال المردود عليه، ولا حتى نشأت عن الحوار مع صاحبه).

مع أنّ منهجية الردّ لم تتجاوز اقتباس نصّ لصالح والردّ عليه.. (قليل من النظر يوضّح هذه المنهجية) واستعرت بعض الأمثلة (الجبرتي مثلاً) كي أسوق مثالاً من الشرق، مصر نابليون ومصر محمد علي فيما بعد..

بالمقابل ناقش صالح في أكثر من نصف ردّه ما لم أقله وما لم أعترض عليه، فيبدأ بأنني أستغرب وصفه (لهيغل بالإمبراطور: إمبراطور الفكر والفلسفة) .. ويسير بنقاش الموضوع بهذه الروحية في جلّ ردّه.. في حين أنّ ما كتبته كان واضحاً.. فأنا لا أستغرب أن يرى صالح في هيغل أكثر من إمبراطور فكر وفلسفة.. لكنني أرفض أن يحمّل هيغل روحية الإمبراطور وأن يزعم أنّ هيغل ينظر إلى نابليون والتاريخ والعالم بوصفه إمبراطوراً.. وأنه ينظر بعين الفاتح إلى نابليون الفاتح.

لقد اعترضت على أنّ هيغل عندما قال هذه الكلمات (رأيت الإمبراطور، روح العالم، على حصان) كان يعرف أنّه هو أيضا (يهيمن على العالم بفلسفته، هو أيضا إمبراطور الفكر والفلسفة) حسب تعبير صالح.. لقد قلت:

(كأنّ جوهر الفكرة أنّ لدينا إمبراطورا يقدّر إمبراطورا!!

والمسألة هنا لا تحتمل تأويلات أو أيّ شطح فلسفيّ أو تدبيج لغويّ لأنها بغاية الدقة والحساسية.. الفارق واضح بين أسباب هيغل كما أوردها صالح في “شكرا لـ 11 سبتمبر!” وبينها في مقاله “من هيغل ونابليون إلى هابرماس وبوش”..
في الأولى موقف تاريخي، موقف يلتزم التاريخ وحركيته الصاعدة، في الثانية شخصنة للتاريخ نفسه وفصامية للفيلسوف في آن).

وهي الفكرة التي ابتعد صالح عن نقاشها في ردّه، بحجة أنني أستغرب وصفه لهيغل بالإمبراطور!!!

من ناحيته اعتبر العمر أنني أؤوّل كلام صالح … ليس إلا!!!

وكفى المؤمنين شرّ التفكير..

يتندّر العمر على (طرافة وغرابة) أن أقول (نابليون ليس فاتحاً على الطريقة الإسلاميّة) ولو عدنا إلى سياق هذا التوضيح كما أتى في المقال:

(نابليون ليس فاتحاً على الطريقة الإسلاميّة وليس مبشّراً بحقوق الإنسان ورياح الحرية، حتى لو فعل ذلك تاريخياً ـ وربما دون أن يدرك ذلك ـ لأنّ الفتح عن طريق غزو الأمم واستباحة حرية الشعوب ومعتقداتها وحقوقها لا يفرق كثيراً إن كان بحجة إعلاء كلمة الله أو بحجّة إعلاء ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان.. فكلاهما غزو وقتل يخفي مصالح وأهدافا تتعلق بحركية اقتصادية ـ اجتماعية صاعدة أو سائدة.. وقد يتعلق بطموحات شخصية مرتبطة بحسّ الزعامة والحكم الفرديّ، المتفرّد والأعمى)..

المقصود بالعبارة واضح ولا يحتاج إلى كثير من الشرح: الفاتح الإسلاميّ حجته معه، هناك نص يحضّه على الجهاد، وليس مهماً أن تتفق معه أو تختلف، لكنه يعتبر نفسه في مهمّة دينية مقدسة، كذلك الفتح للتبشير بحقوق الإنسان ورياح الحرية، حجة الفاتح معه (مهمّة إنسانية مقدسة) كذلك ليس مهماًّ الاتفاق أو الاختلاف معه.. وقلت إنّ كليهما غزو وقتل يخفي مصالح معينة أو يرتبط بحسّ الزعيم و أمجاده الإمبراطورية..

ولكن كيف خرج النصّ من تحت العصا التي يحملها شادي العمر؟!! … كالتالي:
(يظهر الأستاذ فياض في مقاله وكأنه يختلف تماما مع صالح حول نابليون، ولكن دون أن يكون واضحا فيما يختلف عنه حوله، فهو بعد أن ينفي أن يكون لدى هيغل أوهام في الأسباب الحقيقية لكي يغزو نابليون ألمانيا، يعود فيوضح أنّ نابليون لم يكن فاتحا على الطريقة الإسلاميّة (!!!)، وهو “توضيح” لا يخلو من طرافة وغرابة في آن، ليس فقط لأنه تحصيل حاصل، بل ولأنه أيضا يسلب نابليون أيّ سبب ليغزو ألمانيا (بضربة واحدة من الأستاذ العمر نستنتج أن القول عن نابليون أنه ليس فاتحاً إسلاميّاً يسلبه أي سبب ليغزو ألمانيا!!!!) ويتابع العمر: وذلك بعد أن يساوي الأستاذ فياض بين الفتوحات الإسلاميّة وبين الحروب التي تعلن تحرير الإنسان ونشر الحرية ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، ووجه المساواة لديه هو الغزو والقتل في كليهما، واللذان يخفيان داخلهما أهدافا اقتصادية – اجتماعية تسعى لها حركة ما إما صاعدة أو سائدة، أو يكونان متعلّقين “بطموحات شخصية مرتبطة بحسّ الزعامة والحكم الفرديّ، المتفرّد والأعمى”. إذن لماذا غزا نابليون ألمانيا؟؟ وهل هناك غزو حقيقيّ تخرج دوافعه عن كلّ الأسباب التي ذكرها الأستاذ فياض في كلمات قليلة؟ لم يبق لدينا إلا أن يكون نابليون متوهّما أنّ ألمانيا أرض فرنسية، وأنّ “فتحها” ليس غزوا إنما حرب تحرير ومعركة توحيد!!!)

لا أدري إن كان هذا التخريج عند العمر يعني النص أو الفكرة أو أنّ له أية علاقة فيما يذهب إليه سياق الجدل؟!! وهو الذي يتحدث عن (ليّ عنق الأفكار لحساب تسذيجها وتفريغها من مضمونها)!!!

في مكان آخر يتندر العمر متسائلاً عن معنى عراقيي الزرقاوي والصدر؟ ويجيب (هل هذا يعني أنّ أهل العراق ينقسمون إمّا إلى “القاعدة” ينعتون الآخرين “بالروافض”، أو حكام ملالي ينعتون الأوّلين بأنهم “نواصب”؟) ويتابع العمر قائلاً:
( ثم كيف يرى الأستاذ أنّ القضاء على ديكتاتور في العراق يبرّر له إطلاق حكم تعميم ينعت شعبا كاملا، ستّة وعشرين مليونا بالطغيان؟!!! الرسالة هنا واضحة، لا أمل ولا منفذ للحرية، وما على المثقف إلا أن يكون رسولا يبشر بالشقاء المقبل وعرّابا يبارك الخراب القادم)

وبالعودة إلى الردّ الذي يقتبس منه الأستاذ العمر انتقاداته فقد كان كالتالي:

(هل يرى صالح “سقوط” القوى العلمانية في العالم العربيّ، على الصعيدين الشعبيّ والسياسيّ.. وأننا اليوم نعيش في زمن حزب الله وحركة حماس ومحمود أحمدي نجاد؟! وقد تحوّلت العلمانية إلى (جعجعة) لا دور لها، في حين أنّ الدور الحقيقيّ هو للأصوليّات عند جميع الطوائف في عالمنا العربيّ.

هل يرى أنّ سقوط طاغية يسمّى صدام حسين قد فرّخ في العراق وحده ستّة وعشرين مليون طاغية؟!!

وأنّ الأميركيين قد حوّلوا صدام من طاغية إلى شهيد، ومن ديكتاتور قبيح إلى رمز وطنيّ وقوميّ)
لا أعتقد أن قارئاً سيفهم أنّ رقم الستة وعشرين مليوناً يفيد إحصائياً .. فائدته تتعلق بوصف الحالة العامة التي يعيشها اليوم العراق وضمن سياق واضح..

والمعنى واضح: أن هناك (صدّامية) انبعثت في الشارع العراقيّ بكل ما تعنيه من عنف ودموية ورفض لأيّ آخر، والفارق ليس كبيراً بين (الهتّافين) إن كان للقائد الرمز أو للمخلّص الديني، والنفاق نفسه في شعبة الحزب أو في المقرّ الدينيّ الذي تحول إلى مقر لتجييش الأتباع والمريدين والرجال المدافعين عن (الأرض والعرض) عرقياً ومذهبياً!!

أما أن تكون العملية السياسية الجارية في العراق اليوم هي مبعث تفاؤل تاريخيّ فهذا رأي لا أتفق معه وتحدثت فيه مطوّلاً في مقالي الردّ.

مثال آخر حول انتقادات العمر والمتعلّق بالحديث عن الجبرتي، فالمعروف أنّ الجبرتي قد تعرّض إلى النقد في موقفه إزاء الفرنسيين من المصريين ومن الفرنسيين كذلك، فقد اتّهمه المصريون بالتعاون مع الفرنسيين والولاء لهم في سياق تأريخه، كما اتهمه الفرنسيون بالتعصّب ضدّ مظاهر الحضارة الحديثة التي كانوا يدّعون تقديمها للعالم الإسلاميّ والمجتمع المصريّ.
وفي سياق الردّ كان من المهمّ التأكيد على موقف الجبرتي المعجب بدولة الحق والقانون التي حاول نابليون بناءها، أكثر من الحديث عن الجبرتي نفسه .. أما انتقاده للفرنسيين فلا يعيبه ولا ينفي موقفه المعجب ببعض مناحي الحياة الفرنسية، والنص الذي قدمه العمر للجبرتي لا يقدم جديداً، حتى وإن كانت لغة الجبرتي تنحو باتجاه بساطة المؤرخين العرب آنذاك.. وحسب الموسوعة الحرة (فقد انقسمت ملاحظات الجبرتي إلى ملاحظات سياسية تتعلق بنظام الحكم الذي اتبعه الفرنسيون وبمنشوراتهم وتقاريرهم وتحليل أقوالهم ورصد أهدافهم من الحملة ووجودهم في مصر، وإلى ملاحظات اجتماعية تحدّث الجبرتي فيها عن مشاهداته الشخصية وتجاربه العملية الحياتية، وقد تفاوتت مواقفه من الحياة الاجتماعية والثقافية للفرنسيين فأحياناً كنتَ تراه معجباً ببعض مظاهر السلوك ولا سيما ما يتعلق بالمعرفة وحب العلم وإجراء التجارب واستخدام الأجهزة والأدوات . وأحياناً كنتَ تراه ساخطاً خاصة فيما يتعلق بتصرّفات النساء منهم وخروجهنّ للعمل سافرات على غير المعهود في المجتمعات الإسلاميّة في ذلك الوقت).. والمهم هنا أنّ الجبرتي كان عضواً في الديوان الوطني الذي أنشأه الجنرال مينو.

ومع ذلك فإنّني أتفق مع العمر أنّ مثال الجبرتي كان يحتاج إلى عناية أكبر في البحث من المصادر الأمّ، إلا أنني لم أعرف كيف يمكنه الاستنتاج أنني أنافس بالجبرتي هيغل؟!! (كأنّما ينافس فيه هيغل.. وأن يعرض بضاعتنا في الجبرتي على أنها تفوق بضاعة الألمان وتبزّهم) !!!!

رغم أنني أكدت أن ّالفارق الأساسيّ يتعلّق بالحامل الاجتماعيّ بين ألمانيا (وأوروبا عموماً) أيام نابليون، وبين الحامل الاجتماعيّ العربيّ والإسلاميّ أيّام جورج بوش.

أوروبا كانت حافلة بالمتغيّرات، واحتمالات التغيير، الحراك الطبقيّ على أشدّه، صراع متبلور في جميع جوانبه، وفي حركة صعود..

في العالمين العربيّ والإسلاميّ الأمر مختلف: الصراع غير متبلور، والطبقيّ عبارة عن هلام طبقات، ولا يوجد صراع حقيقيّ بين قوى متنوّرة وقوى أصوليّة بسبب موازين القوى غير المتكافئة والأصحّ غير المتناسبة لمفهوم صراع.. فإذا كان وضع العرب والمسلمين اليوم أدنى من أوربيي هيغل حسب معيار التطور التاريخي والقابلية للتغيير، فلا أدري كيف أنني أعرض (بضاعتنا) الجبرتي أو غيره على أنها تبزّ بضاعة الألمان؟!!

لكنني كما قلت آنفاً فإنّ للأستاذ شادي العمر القدرة ليس على الدخول إلى ضمير النص فقط وإنما إلى ضمير الكاتب أيضاً!!

يقول العمر (سأسوق شاهدا واحدا فقط من كلام الأستاذ فياض، وأتمنّى على القارئ أن يعود لمقاليه فيكتشف المزيد، بل والكثير من هذا المزيد، يقول الأستاذ:

(لا أدري من أين أتى صالح بهذا اليقين أنه “لن يكفّ الغرب الأميركيّ الأوروبيّ وكذلك بقية العالم عن ملاحقتنا حتى نغيّر مفهومنا القديم والظلاميّ للدّين” ؟! الغرب اليوم وعلى رأسه أميركا، في صدد الاعتذار من الإسلام والمسلمين عمّا لحق بهم من أذى بسبب الغزو الفاحش لأفغانستان والعراق.).. انتهى.

أتساءل أيّ اعتذار هذا سيقدّمه الغرب وعلى رأسه أمريكا؟ (والكلام للعمر) أليس عن الغزو كما يقول هو نفسه، ومع أني اعتقد أن اعتذارات كهذه لن تحصل، وإذا حصلت، فبلا جدوى كمسرحيات تأتي متأخرة تشبه وضع إكليل ورد على قبر الميت. ولكن ما دخل هذا الاعتذار الذي يبشّر به الأستاذ فياض بما يقوله صالح؟ أتمنّى أنني أخطأت فهم كلام الأستاذ على أنه لا يرى أنّ مفهومنا عن الدين هو حقّا قديم وظلاميّ، ولا يرى أننا إن لم نغيره فإنّ العالم لن يبقى صامتا وقد صارت هذه الظلامية تهدّده لما غدا كل شأن خارجيّ داخليّا أيضا حسب تعبير هابرماس الذي يسوقه صالح في مقاله. ترى هل يرى الأستاذ فياض أنّ الغرب هو الذي سيعتذر عن ظلاميته في الغزو والقتل لتنتشر ظلامية القتل والإرهاب؟)
إذاً يتساءل العمر عن العلاقة بين اعتذار الغرب وبين ملاحقته لنا حتى نغير مفهومنا الظلاميّ للدين!!

وأتساءل بدوري كيف يمكن للغرب ملاحقة شعب لتغيير نظرته للدين أو للعالم أو لأية قضية أخرى، في الوقت الذي يعترف فيه هذا الغرب بأنه هدر دماء الملايين من هذا الشعب وهجّر عشرات الملايين منه.. نتيجة (أخطاء) لا علاقة لهذا الشعب بها..

ألم يكن استنفار الأميركيين للإطاحة بالجمهوريين من البيت الأبيض والكونغرس جزءًا من هذا الاعتذار، ألم يكن موقف بريجنسكي وفوكوياما وحتى هينتغتون من احتلال العراق جزءًا من هذا الاعتذار.. ألم تكن النصائح الثمينة التي قدمتها مؤسسات صناعة السياسة الأميركية لأوباما في الابتعاد عن طريقة سلفه جورج بوش في التعامل مع العرب والمسلمين وقضايا الشرق الأوسط جزءًا من هذا الاعتذار..

ومن ناحية ثانية هل ينكر الغرب اليوم أن أسامة بن لادن والطالبان كانا صناعة أميركية لمحاربة الشيوعية في وقت ما؟!!
وهل ننكر نحن أن مهمة الغرب اليوم في تغيير نظرتنا للدين أصعب مما كانت قبل عقد من الزمن كحدّ أدنى .. وأنّ (ملاحقة) الغرب لنا قد جعلت شعوبنا تتجه نحو الدين بوصفه ملاذاً وأنّ الديمقراطية كانت الخاسر الأكبر عندنا (إلا إذا كان العمر يستثني الحقبة البوشية من تاريخ الغرب)؟!!

ثم يصل العمر إلى سؤاله الذكيّ: (ترى هل يرى الأستاذ فياض أنّ الغرب هو الذي سيعتذر عن ظلاميته في الغزو والقتل لتنتشر ظلامية القتل والإرهاب؟).. بعد أن يتمنى بخفة دم ورشاقة فكرية أن يكون مخطئاً في فهم ما قلته، أي أنني أرى مفهومنا للدين ظلامي وقديم!!!!

على هذا المنوال سارت انتقادات العمر للرد في دفاعه العتيد عن الأستاذ هاشم صالح .. وبما أنه أغفل جميع النقاط الهامة في الموضوع أعود لأؤكد أنني في انتظار الوقفة الأخرى التي تحدث عنها المفكر هاشم صالح في ختام رده.. وليعذر لنا أي شطح في انتقاده، فالحوار والجدل فيما يشغلنا كأفراد ويشغل شعوبنا اليوم ونحن نرى أننا على شفا الخروج من التاريخ، هو سبيلنا الوحيد للتنوير الحقيقي والجاد، ولا أنكر أنني لا أحمل من تفاؤل الأستاذ صالح إلا القليل القليل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق