رداً على رد عبد السلام بنعبد العالي: ما أحوجنا إلى التركيب والبناء

أحيي الأخ عبد السلام بنعبد العالي على شكره لي في بداية رده على تعقيبي على مقالته “مفهومات ملعونة”، وأثمّن تقبله مواصلة “إعمال الفكر” في المسائل التي نجهد في كتابتها.

إن ما تضمنه الرد، يحمل على تأكيد الاعتقاد بأن عبد السلام يمعن في التفكير الميتافيزيقي، وما تقسيمه المفاهيم إلى “محظوظة” و”ملعونة” سوى تأكيد على ذلك. ومرادي من التواصل معه هو العمل على الخروج من نمط التفكير هذا، الذي يرجع في أساسه إلى ثنائية: الخير/الشر، التي احتلت مساحات واسعة من التفكير الإنساني، بعد أن أفضى التفكير الميتافيزيقي إلى استراتيجيات الفصل والإحالة والإرجاع، وسار في دروب البحث عن الأول والأصل والأفضل ..إلخ.

لقد بات التفكير ثنائياً في تطوره، يتوالد منه ازدواجيات أو تفيض عنه. واختلفت مكونات وحمولات كل طرف في الثنائية بتطور الفلسفات والعلوم، إذ أخذ طرفاه يتقدمان كقطبين مترافقين في العصر الحديث، أو كمفهومين يرتكزان، في سياق البحث عن أرضية للفكر، وعلى كوجيتو يحاول تحقيق اللحمة بينهما، فيما صارت الفلسفة أصيلة، أو توصم بذلك، بقدر بحثها عن تحقيق أقلمة كلّ منهما.

إن المفاهيم كليات متناثرة ومتشظية، لكن المفهوم بذاته ذاتي الإحالة، بمعنى أنه يطرح نفسه بنفسه، كما يطرح موضوعه كذلك، وتتجسد مهمة الفلسفة في بناء المفاهيم على مقام تتواضع عليه، تتراص وتنتظم، بوصفها صانعة المفاهيم، وهذا ما يعطي الفلسفة نزعة بنائية وليس تعالياً ميتافيزيقياً.

ويا أخي عبد السلام: إن الأجدى هو خلخلة كل تقابل ميتافيزيقي، والالتفات إلى التركيب والبناء المفهومي، والخروج من الأسئلة المؤرقة، حتى وإن عنى التركيب تركيباً بين الأضداد والمتناقضات، ذلك أن كل ثقافة حيّة لا بد لها من التركيب والبناء.

نحتاج إذاً، للمفاهيم، وللمقام من أجل تركيب كائناتنا المتثاقلة (ذواتنا)، ولن نجد نجاعة في المفاهيم من غير صورة معينة للفكر التي نسميها مقاماً. نحن أبناء شعوب الحضارات القديمة، نفتقر إلى صورة الفكر تلك، التي يقدمها الفكر عن نفسه، عن إقليمه وناسه، وعن توجهه داخل الإقليم، وحتى خارجه.

نفتقر ليس للمفاهيم، “المحظوظة” منها أو “الملعونة” فنحن نملك قدراً كبيراً منها، بل نفتقر لناظم المفاهيم والمشيّد لها، الحقل الذي تنمو فيه وتترعرع، تتأقلم وتنشال، تتأرضن ثم تعيد أقلمتها في تربة حوّلها التحليق المتعالي إلى مجرد أرض جرداء أو بقايا ذكرى قوم فعلوا شيئاً ما في التاريخ ثم غابوا.

هي ذي حال أقاليمنا المحددّ كل منها كأرض وبشر ووسط وبيئة وجغرافيا.. تحتاج إلى ما يعود إلى الفكر كفكر وليس كتاريخ أو قل إعادة تأريخ، وإلى صيرورة هي صيرورتنا نحن الذين نعيش على الأرض، الآن، في عصرنا الذي نعيش ويُعاش حولنا، وليس إلى صيرورة تسقط في التاريخ أو تقفز فوقه. لن تسعفنا الازدواجيات الميتافيزيقية لسلفية البعث الحضاري المزعوم

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق