ردًّا على تعقيب: هل المحظوظ من المفهومات محظوظ بالفعل؟

أولى الأخ عمر كوش ما كتبته حول”المفهومات الملعونة” عناية تستحق مني كل شكر، وتدفعني أن أواصل معه إعمال الفكر، وتحديد مفهومات، وتدقيق أفكار ما أحوجنا جميعا إلى فحصها والاهتمام بها.

يفرض علينا شكل الكتابة في معظم الأحيان مضمونها وأسلوب معالجة القضايا عن طريقها. فقد يؤدي تكثيف المعاني وتقليص فضاء الكتابة (رغم أن المجلات الالكترونية لا تبخل بالفضاء ولا تقيد الكتابة) إلى عدم الإسهاب فيما قد يستحسن شرحه وتفصيله. ولعل هذا ما حال دون اتضاح المجال الذي تحدثت عنه، ودون تحديد المرمى الذي هدفت إليه.

تحديد المجال قد يتم مباشرة، لكنه قد يتخذ طريقا غير مباشر. فأنت حين تحدد مجال كتابتك، تعيّن بالتالي المفهومات التي ستهتم بها، لكن العكس أيضا صحيح. فحينما تعين المفهومات وتتكلم عن أزواج بعينها، تحدد دونما حاجة إلى الإيضاح، المجال الذي تتحدث عنه. فان كنت على سبيل المثال ستتحدث عن أزواج مثل: الكلي/الجزئي، الصدق/الفساد، المثبت/المنفي، الحملي/الشرطي، الحصر/الإهمال…فلست في حاجة أن تنبهنا كي ندرك أنك ستطرق مسائل منطقية. وإن كنت تهتم بأزواج مثل: الخير/الشر، الاتصال/الانفصال، التناقض/الانسجام، السطح/العمق، الحقيقة/الخطأ…فلا حاجة لك أن تحدد لنا المجال الذي ستتحدث عنه. وحتى إن لم تفعل فلا يمكن أن يعتبر ذلك “هروبا” منك. فالقارئ سيدرك لا محالة أنك في ميدان الأنطولوجيا. وهذا بالضبط ما أدركه الأخ عمر حينما استدرك “أن المفاهيم التي (أ) ذكرها تعكس نمطا من التفكير الميتافيزيقي”.

هذه اللامباشرة تصدق أيضا على المرمى والهدف المتوخى من المقال. فحتى لو كان العنوان يحيل إلى ما سماه “مفهومات ملعونة”، فان بناء المقال يكشف أن المقصود بالأولى هو ما يمكن أن ننعته بالمفهومات “المحظوظة”. ذلك أن السؤال المطروح أساسا هو كيف يمكن رد الاعتبار للملعون من المفهومات؟ هل بإيجاد مكان لها إلى جنب مقابلاتها، أم أساسا بإعادة النظر في تلك المقابلات بخلخلة الثنائيات ذاتها.

فلإعادة النظر في مفهوم الظاهر كان على نيتشه، على سبيل المثال، أن يعيد النظر في الزوج سطح/عمق، ظاهر/ باطن ذاته، وأن ينحت، كما أوضح فوكو، مفهوما جديدا كل الجدة هو ما أسماه فوكو نفسه بالعمق السطحي. والأمر نفسه فيما يتعلق بالثنائي حقيقة/خطأ، وأيضا بالثنائي حقيقة/مجاز. لا يكفي، والحالة هذه أن نقول على غرار الأخ عمر: “إنه تم القبول الإيجابي لأحد طرفي كل ثنائية على حساب إلغاء الطرف الآخر”، وإنما ” تم نحت مفهوم معين عن الطرف الإيجابي”، ما دام قبول الطرف الآخر لن يتم إلا بإعادة النظر في هذا المفهوم المعين، وبالضرورة في الثنائي ذاته، أي في الطرفين كليهما: في الحقيقة وفي الخطأ، في الخير وفي الشر، في العمق وفي السطح، في الهوية وفي الاختلاف، في الاتصال وفي الانفصال….

على هذا النحو، فربما كان المستهدف في المقال المشار إليه هو أساسا هذه المفهومات “المحظوظة” بهدف إظهار أنها لا تقل لعنة عن مقابلاتها

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق