ردٌّ على مقال هاشم صالح: حين يتحول الجلاّد إلى ضحية

 

أثار فيّ
مقال السيد هاشم صالح حيرة وأسئلة وغموضا في نفس الوقت: صحيح أنّ السيّد صالح وضع إصبعه على الكثير من النقاط الحسّاسة عندنا نحن العرب اليوم، ومنها ضرورة تغيير صورة اليهوديّ في مخيّلتنا الاجتماعية حتى نستطيع فهم العالم من حولنا وحتى نتمكّن من مواكبة التحوّلات التي طرأت علينا في الحقبة الحديثة وخاصّة تجاوز المحنة الفلسطينية ومشكلة تعايش العرب مع الإسرائيليين، وهو محقّ في ذلك إلى حدّ بعيد .. فنحن في تونس مثلا كثيرا ما تقترن عندنا عبارة اليهوديّ بالرجل الحاقد، البغيض، المكروه الذي يضمر الشرّ لجميع الناس ولهذا عادة ما ننعت في حالة الغضب ودون وعي منّا شخصا له عداوة شخصية بنا بعبارة”يْهودي” التونسية(بتسكين الياء). ولعلّه من الضروريّ اليوم لمن يحلم بعالم أكثر إنسانية يقوم على احترام جميع الناس أن يسعى إلى إزالة مثل هذه العبارات من قاموس لهجاتنا وأن نبتعد قدر الإمكان عن إنتاج مثل هذه الصور المنحطّة التي تسيء إلينا وإلى قضايانا الأساسية. ولكنّ مثل هذا المجهود سيظلّ عملا مبنيّا على الطوبى والأحلام، لأسباب عديدة يمكن إجمالها في ما يلي:

أوّلا: من الصعب اليوم وفي مثل هذه الظروف أن تقوم بمثل هذا العمل الفكريّ التوعويّ في البلدان العربية حتى مع الطلبة والمثقّفين فما بالك بعامّة الناس والأسباب في رأيي واضحة وجليّة، إذ لا شكّ أنّ محرقة غزة وغيرها من الجرائم الإسرائيلية التي أبادت طلية السنوات الستّين الأخيرة العديد من العرب سوف لن تُنسى بسرعة وتغيّر صورة إسرائيل من مخيّلة عامة الشعوب العربية، بل لعلّ مجرّد التفكير في ذلك يضعنا في موقع الخونة والعملاء وهنا ينبغي علينا أن نقدّر الظرف الذي يمرّ بنا وألاّ نسعى إلى ركوب دور البطولة الوهمية أمام الآخرين.

ثانيا: هل يطلب من الضحية أن تقوم بتغيير سلوكها نحو المذنب حتى يصفح عنها؟ وتنقلب حينئذ المعادلة فيصبح البريء مجرما والمجرم ضحية وبالتالي يطلب منّا أوّلا أن نغيّر صورة اليهودي من أذهاننا قبل أن يغيّر اليهودي الإسرائيلي الصورة التي يروّجها عن العربيّ في الإعلام والسينما والتي تعكس العداء التاريخيّ للعرب والمسلمين وهو عداء نابع من عقدة التفوق لدى الإنسان الغربيّ والتي تكرسها دولة اسرائيل واللوبي اليهودي العالمي في أرض الواقع من خلال تجريم كل من يعاديها سواء كان حماسيا أو يساريا أو قوميا.

ثالثا: ليعلم السيد هاشم صالح الذي أكنّ له كلّ التقدير لعمله الجبّار الذي قام به وأسهم من خلاله في تقريب أفكار محمد أركون إلى العالم العربي، ليعلم أنّ عداء العرب لليهود لم يكن موجودا قبل سنة 1948 بل كثيرا ما سمعت من أجدادي إعجابا بطريقة عيشهم ومحافظتهم على البيئة وحسن معاشرتهم للمسلمين وكذلك لتشابه بعض التقاليد والعادات معهم، وقد سمعت هذا في المنطقة التي كنت أعيش فيها زمن الطفولة والتي توجد قريبا من مدينة تستور الأندلسية(في تونس) تلك التي كانت تعيش بها أقلّية يهودية معتبرة قدمت من الأندلس رفقة المسلمين زمن الاضطهاد المسيحي لليهود والمسلمين على حدّ السواء، وهنا أودّ أن أصحّح شيئا للسيد صالح وهو أّنه ليس للدين ولا التصوّر الدّيني مسؤولية مباشرة في تشكّل صورة اليهودي في المخيّلة الاجتماعية بل أعتقد جازما أنّ الأحداث هيّ التي شكّلت هذا المخيال حول اليهودي وقد وجد بعدها القصص الديني والتأويلات اللاحقة له والراسخة في الضمير الدّيني مجالا خصبا لتنمية هذه الصور في المخيّلة الجماعية، ومن الطبيعيّ أن تكون تلك التصوّرات سبّاقة لتغذية المخيال قبل أيّ تصوّر آخر ذي طبيعة علمية وموضوعية في مجتمعات مازالت فيها ما يسمّى بالدولة الوطنية قاصرة عن القيام بواجبها التربوي والتثقيفي التنويري لإزالة مثل هذه الأفكار والتصورات بل تتغاضى عن تضخيم بعض الفاعلين للبعد الدّينيّ للصراع وقد تكون أسباب ذلك رهانات سياسية خفية ومتنوعة لدى الهيئات الحاكمة لعبت دورا في التشجيع على إبقاء تلك التصوّرات وتثبيتها…

رابعا:يبدو أنّ السيد صالح يحكم انطلاقا من فرنسا لا إسرائيل والفرق واضح بين البلدين، بين فرنسا فولتير وموليير وفلسفة الأنوار وإسرائيل هرتزل وغولدا مائير وبيغين وشارون، بين بلد أًسّس على مفاهيم التنوير والعدل والمساواة والحريّة وبين كيان بني على أفكار عنصرية واغتصاب أرض الغير، ولو ذهب السيد صالح إلى إسرائيل بجنسية فرنسية واسم عربي وعايش الإسرائليين مدّة لوجد الصورة العنصرية التي يدعو العرب للتخلّص منها منغرسة عند الكثير من الإسرائيليين بصورة معكوسة، أي سيجد صورة للعربي قد تتجاوز صورة اليهودي الاجتماعية عندنا بشاعة في مخيّلة هؤلاء، وأكبر دليل على ما أقول هو معاناة العرب الإسرائيليين من المعاملة القاسية التي يعانونها لا من الدولة بل من عامة اليهود الإسرائيليين ولا أعتقد أن السيد صالح لم يستمع يوما واحدا لعزمي بشارة وهو يروي ذلك.

وفي خاتمة الملاحظات أرجو ألاّ تقع عند كلّ أزمة أو منعطف تاريخي تبديل الحقائق بالقوة وفق الرؤية الإسرائيلية التي تروج لها الأوساط الصهيونية في الإعلام العالمي. فالقضية الكبرى هنا ليست في أنّ العرب هم سبب المشكل بل هم ضحايا هذا المشكل، فنحن ضحية الصورة التي تقدّم عنّا في بعض أجهزة الإعلام الغربية ذات التوجه الصهيوني أو ذات التوجه العنصري، وإذا كانت صورة اليهودي عندنا تقترن دائما بدلالات سلبية ألم يكن ألأمر ذاته أيضا موجودا عند الفرنسيين أثناء الصدام مع الثوار الجزائريين، فكانت عبارة “kerbi” وتعني عربي وتنطق كذلك بشكل ساخر للدلالة على العربي المنحط والهمجي لينعت بها الجزائريون العرب وهي عبارة نابعة من الحرب النفسية المشحونة بالخلفية الاستعمارية، وتلك العبارات شكلتها الأحداث وغذّتها الثقافة المستندة أحيانا لتصوّرات “التفوّق الغربي” و”المركزية العرقية” وقد انتهى الآن رواج مثل هذه العبارات العنصرية وقلّ استعمالها تدريجيا بعد ذلك مع حلّ المشكلة الجزائرية وتغيير فرنسا لسياستها.

إنّ الأمثلة كثيرة في هذا المقام حول هذا الموضوع وهو أمر يستدعي فعلا دراسات سوسيولوجية وتاريخية متعددة الأبعاد دون أن نتورط في إسقاط عواطف البعض على حساب مثل هذه القضايا.

لعله من المهمّ جدّا الانتصار لمعاني القيم الإنسانية وخاصة المساواة بين جميع الأعراق والناس مهما كان منشؤهم وهو ما تفعله اليوم الفتوحات المعرفية الكبرى التي ينجزها الغرب بكل اقتدار ويشارك فيها اليهود بكل شجاعة ودون الارتباط بعقدة الدين أو العرق، ولكن لا ينبغي للسيد هاشم صالح أن يلقي كل اللوم على العرب أو حتى الأصوليين وجعلهم دائما على رأس لائحة المتهمين. وهذا ليس دفاعا عنهم ـ بل عليه أن يتذكّر أنّ إسرائيل لم تبادر إطلاقا ولو في يوم واحد إلى إثبات نواياها الحسنة وهي التي تمتلك رابع قوة عسكرية أمام شعب أعزل لا حول له ولا قوّة فهي تقتل وتطرد وتعتقل وتحرق وتجرّف وتلقي القنابل الفسفورية الحارقة على الأطفال والنساء ثم تتباكى بعد ذلك أمام العالم من معاداة العرب والمتطرفين للسّامية كي تكسب مزيدا من التعاطف والدعم حتى تواصل جرائم الإبادة المتواصلة في حقّ الشعب الفلسطيني.

فهل بعد كلّ ذلك تطالب عامّة الناس والمثقفين أن يغيّروا تصوّرهم عن اليهود الذين يشكلون الدولة الإسرائيلية بهوية دينية؟ إنّه لمن الغريب أن تطالبنا في هذا الظرف بالذّات أن نسعى لتغيير الصّورة الراسخة في الأذهان عن اليهود أمام مشاهد المجازر المرتكبة باسم الدّفاع عن الشعب اليهودي، ومع ذلك فإنّنا نتفهم السبب الذي يدعوك إلى ذلك وهو سبب ذاتي يعود إلى اعتقادك أنّ” المتطرفين” هم السبب في حصول ما يحصل هذه الأيام وهو موقف أيديولوجي مسبق تتبناه السياسة الإسرائيلية والمتعاطفون معها وتقودك بشكل عاطفيّ أعمى وأنت رائد العقلانيين العرب إلى مثل هذه التحاليل غير الدّقيقة والبعيدة عن الواقع الموضوعي، فليس بالضرورة أن ننظر إلى كلّ من يعادي السياسة الإسرائيلية على أنه متطرف أو قومجي وهي عبارة ما كان عليك أن تقولها وأنت تدعو إلى التخلص من الصور والعبارات التهجينية!! بل كان لا بدّ أن تُنهض همم العقلانيين لدعوة إسرائيل إلى تغيير منهجها في التعامل مع أناس يملكون الحقّ الطبيعي في أن تكون لهم على الأقل كرامة إنسانية. إنّ الجدار النفسيّ الذي تتحدّث عنه هو من خلق الجرائم الإسرائيلية وليس من خلق الأصوليين بل أكاد أجزم أنّ حماس والجهاد والقومجيين حسب عبارتك ليسوا إلاّ نتاجا طبيعيا للحاجز النفسي الذي خلقته إسرائيل نحو العرب والصورة التي تقدّمها عنهم إلى العالم. فالسياسة العنصرية نحو المواطنين العرب الإسرائيليين مازلت قائمة ولا ينكرها إلا جاحد. ثم إنّ إعجابك بالإسرائيليين الذين التقيتهم لا يغيّر من الموقف شيئا ولا أتصور العرب اليوم مازالت لهم هذه الحساسية المفرطة من كل من هو يهودي، فهم أناس لهم الحق في صداقة العرب والمسلمين وغيرهم إذا كانوا فعلا يحترمون حق الآخرين في العيش معهم وعدم تشريدهم وذبحهم مثلما يفعل جيش الدفاع الإسرائيلي هذه الأيام .

ومع ذلك ورغم تقديري الكبير للسيد هاشم صالح وريادته الفكرية في سبيل تقويض الدوغمائية الفكرية التي تشل القدرات العربية إلاّ أنّني أرجو منه ألاّ يزيف الحقائق التي لا ينكرها التاريخ أبدا فلا أعتقد أن رفض عرفات التوقيع على اتفاق كامب دايفد سببه الخوف من حماس بل كان بسبب تمسّكه بالمطالب التاريخية للشعب الفلسطيني ومنها القدس واللاّجئين وهي ليست مطالب قومجية ولا حماسية بل هي مطالب أقرتها الأمم المتحدة، ثم لا أعرف في تاريخ العقلانية عقلانيا يعظّم أشخاصا ويجعلهم نماذج كبرى ينبغي الاقتداء بها بل هذا العمل لا تقوم به إلاّ الأنساق ذات الطبيعة الدوغمائية، وهو ما قام به السيد صالح في مقاله بتعظيم السادات وبورقيبة دون أن تكون له فعلا المعطيات الموضوعية التي جعلت كلا الزعيمين يقدمان على طرح حلول بديلة مغايرة للحلول التي كانت سائدة وهذا أمر يتطلب نقاشا معمقا ليس هذا المقام مجاله. والمهم في كل هذا أرجو أن لا تتحول العقلانية إلى نوع من العصاب النفسى المرضي الذي يفزع دائما من كل عمل يكون ضروريا أو حتميّا تقوم به فئة مختلفة فكريا عنّا.

أرجو أن يأخذ السيد هاشم صالح بهذه الملاحظات البسيطة التي ليست قي مقام التحليل الفكري أو المواقف الايديولوجية.

أعتبر في الأخير السيد صالح أحد أساتذتنا الكبار في الفكر لكن ذلك لا يمنعنا من معارضته بشدة في هذا المقال البعيد عن الموضوعية التي ننشدها دوما من العقلانيين.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق