ردّ اعتبار

 
 
في 25 جويلية 1957، تم إلغاء النظام الملكي في تونس وتم إقرار النظام الجمهوري.. كان ذلك قد لاقى تأييدا شعبيا كبيرا، فالملكية في تونس لم تكن تتمتع بشعبية كبيرة، ومن حول تونس فإن عدة بلدان عربية تحولت إلى النظام الجمهوري. غير أن للمرء أن يقف عند أمرين اثنين: أولهما أن إقرار الجمهورية وإن كان تمتع بمشروعية لا شك فيها منبثقة من إرادة شعبية لا غبار عليها، فإنه كان منتقصا من ناحية الشرعية، فالأمر العلي الذي دعا لإنشاء مجلس تأسيسي لصياغة دستور للمملكة التونسية  قيد الأمر بأن المؤسسين كانوا مدعوين لإقامة نظام ملكي دستوري.
 

ومن هنا فإن المؤسسين الذين يتمتعون في  الواقع بصلاحيات سيادية فعلية  باعتبارهم منبثقين عن انتخابات  حرة مباشرة وعامة هي المصدر الفعلي للسيادة ، قد تجاوزوا ما دعوا إليه ، فأقاموا نظاما جمهوريا بدل النظام الملكي، وسيبقى أمر المشروعية والشرعية وما يتنازعهما قائما، دون أن يقلل ذلك في شيء من أن أمرا واقعا قد فرض نفسه، خصوصا أن لا أحد طالب أو يطالب بعودة النظام الملكي وهو أمر ليس مطروحا البتة.

وثانيهما يتمثل في ما نال الملك السابق «جلالة « الملك محمد الأمين باي  والعائلة المالكة من مظلمة تاريخية  تمثلت في سوء معاملة  لا متناهية وفقا لمصادر عديدة موثوقة متنوعة ومختلفة ، وهذه المعاملة السيئة ليس لها ما يبررها ، فلا الملك السابق ولا عائلته ولا آل حسين بن علي  باي كانوا يمثلون خطرا على النظام الجمهوري الوليد، كما إن الباي محمد الأمين بالذات ما كان ينبغي أن يعامل تلك المعاملة وهو الذي كان على مدى 14 سنة موضع السيادة التونسية ورمزها، وبالتالي كان يستحق بقطع النظر عن بقائه على العرش أو نزوله منه أن يتم تقديره تبعا لخطته تلك، هذا إضافة إلى أنه حاول جهده أن يكون إلى جانب الشعب في كفاحه الوطني ، وإن لم يكن دوما على نفس الموجة هو والرئيس السابق الحبيب بورقيبة، وتم الشك بشأنه أن هناك تواطؤ بينه وبين العدو اللدود للرئيس بورقيبة صالح بن يوسف الذي تم التشكيك في أنه وعد باستمرار الملكية وتحويل ولاية ا لعهد للإبن الأكبر  للملك الجالس أي الشاذلي باي ، عوض أن تكون ولاية العهد في كبير العائلة سنا كما كان الشأن منذ نشأة الأسرة الحسينية المالكة.

وسيتضح لاحقا أن الملك السابق قد أسيئت معاملته  حسب شهادات كثيرة ، فقد قضى شتاءه بجبة صيفية كان غادر بها قصر الملك ، الذي لم يكن سوى فيلا متواضعة مستعملة اليوم كمقر لبيت الحكمة.

وتعرض أبناؤه وأفراد من عائلته للسجن وسوء المعاملة، وهو على تواضعه وهدوئه ، لا بد أنه تألم كثيرا لما آل إليه حاله وحال الأسرة الحسينية التي جردت من أملاكها وتم الإستيلاء على مكاسبها العقارية والمنقولة وكذلك على مصوغها بما في ذلك عدد من الساعات ، وكانت هواية الملك السابق هي معالجة وإصلاح الساعات.

فقد نقل لإقامة جبرية في ضاحية منوبة ، ويقال اليوم إنه كان معزولا عن العالم الخارجي.

ولم يشكل محمد الأمين باي خطرا لا فعليا ولا حتى مفترضا على النظام الجمهوري ، فلقد تم إنزاله عن عرشه ، وهو بدون حول ولا قوة ، قابع في قصره إن اعتبر قصرا ، والمجلس التأسيسي يتداول حول خلعه، وقد تم توزيع الأدوار بين النواب المؤسسين فقام كل واحد بإلقاء مرافعة اتهام ضد العائلة المالكة ، وخاصة محمد الأمين باي، الذي اتهم بأنه جلس على عرش الملك المخلوع محمد المنصف باي ، الموصوف بالملك الوطني ، كما اتهم بموالاة الإستعمار الفرنسي والخضوع لإرادة المقيم العام ديهوتوكلوك ثم فوازار ، وأنه وقع على إصلاحات وهمية كانت دون مطامح الوطنيين.

غير أن ما كان تم تناسيه يومها أن محمد الأمين باي لم يكن له خيار في خلافة سلفه محمد المنصف باي المخلوع بتهمة التواطؤ مع النازيين وهي تهمة هو براء منها، كما إنه قاوم السفير المقيم العام إلى آخر لحظة رافضا التوقيع على نصوص معينة تستفيد منها فرنسا ، وحتى عندما تولى التوقيع فإن مصادر معينة تقول إن جهات في الحركة الوطنية هي التي دفعته لذلك خشية من أن يتم خلعه وتعويضه بولي العهد عزالدين باي ، الذي كان مواليا لفرنسا والذي « صفته» الحركة الوطنية لاحقا وقامت باغتياله.

إلا أن بورقيبة على كثرة خصاله وما قدمه من تضحيات لاستقلال البلاد  وبناء الدولة ، قد وضع عينه منذ وقت طويل على رئاسة الدولة ، معتبرا أنه لا يمكن أن يكون ثانيا في دولة الإستقلال، وقد عبر عن ذلك مرارا وتكرارا خاصة على لسان الهادي نويرة المقرب منه. وكما يقول المثل الفرنسي فإن من يريد قتل كلبه يتهمه بمرض الكلب.

وإذ إن كل ذلك قد دخل التاريخ، فلعل الغريب هو أن يكون الرئيس السابق بورقيبة ، الذي يحمل تقديرا واحتراما للدولة ورجالاتها  ويعتبر أنه لا يجب المساس بالدولة ورجالاتها ، لما يفرضونه من احترام واجب، من الغريب أن يكون عمد  هو وأعوانه – إلى معاملة من حمل رمزية الدولة التونسية  على مدى 14 سنة تلك المعاملة  السيئة التي تتناقض  مع ما يحمله من تقدير لمؤسسة الدولة  والقائمين عليها تبعا لما جاء على لسان فلاسفة عصور التنوير الفرنسية.

ولعله جاء الوقت لإعادة الإعتبار للملك محمد الأمين باي  ، ليس فقط بل لعائلة مالكة كاملة جلست على عرش تونس لمدة 252 سنة ، بكل فترات اللمعان المتلألئة ، وكل فترات الإنحدار والتراجع .

ليس  هناك من خطر لا فعلي ولا افتراضي في أن يعود النظام الملكي لحكم البلاد يوما ، فالتونسيون في مجموعهم جمهوريو الهوى والممارسة ، والعهد الملكي انتهى وانقضى إلى غير عودة، ولذلك فما من جرم في أن نعترف للملك السابق ولو بعد مماته بأنه كان محل مظلمة ، لا تهم خلعه عن العرش ، فذلك شأن سياسي ، ولكن في إساءة معاملته وهو في شيخوخته المتقدمة ، إلى درجة أنه لم يعمر بعد إنزاله من عرشه و إنهاء النظام الملكي سوى 3 سنوات توفي بعدها ودفن لا في تربة أجداده بل بعيدا عنها لمزيد التشفي حتى بعد الوفاة وفقا لأقوال بعضهم، وأيضا إعادة الإعتبار لأسرة حكمت بلادنا أحسنت وأساءت كما هو شأن كل عمل بشري، ولكنها مثلت رمزيا وفعليا سيادة تونس حتى في الفترات المظلمة من تاريخ البلاد.

وإذ أخذت أصوات عديدة ترتفع بطلب إلقاء الضوء عن تلك الفترة التي لم تكن مشرقة من تاريخ دولة الإستقلال ، فإن الأمر لم يعد مقبولا أن يبقى طي النسيان ، وأن البلاد كلها عليها واجب الإصداع بالحقيقة تجاه هذه المسألة التي نثيرها اليوم في  ذكرى  عيد الجمهورية الذي نحتفل به في فخر واعتزاز  ، وتعلق لا تشوبه شائبة.
 

"الصباح" التونسيّة

25 – 7 – 2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق