رد على تعقيب

عقب السيد علي بدر على مقالتي المنشورة على موقع الأوان، بعنوان “السنة والإصلاح المستحيل، قراءة في كتاب عبد الله العروي”، قائلاً: “كنت أظن أن عبد الله العروي يبالغ حين يدعي أن كثيراً من الناس لا يفهمون كتاباته، لكن يبدو أن الرجل كان صائباً، ومقال السيد الجباعي خير دليل على ذلك. يبدو أن الجباعي لم يقرأ كتاب السنة والإصلاح أو ربما اكتفى بقراءة العنوان وبعض المقاطع من الكتاب ثم صار يستنتج ويستخلص ويؤول. وهذا هو أنموذج الذهنية العربية التلفيقية البعيدة عن الروح العلمية. إني أدعوا كاتب المقال أن يتدبر ما ورد في ختام كتاب السنة والإصلاح قبل أن يتلفظ بتلك الأحكام ويضيف جزأه الثاني؛ حيث يقول العروي في الصفحة 210: “واجب علينا إنقاذ العلم والسياسة، لا من الدين، إذ المفهوم يتطلب كل مرة مزيد تدقيق، بل من التأويل الذي فرضته السنة، والسنة مؤسسة بشرية، رسمية كانت أم لا، منظمة كانت أم لا، والواجب عام ودائم إذ لانهاية للصراع. في هذه الحال لابد من سلطة محايدة، ترسم الحدود وتلزم كل طرف باحترامها، بعد أن علمتنا تجارب مرة كثيرة أن النفس لا تؤتمن. كلمة علمانية، رغم ما يلازمها منذ القرن الماضي وبكامل الأسف من إشارة قدحية، لا تعني سوى الحياد المنشود”.

فمن قبيل احترام القارئ يتوجب علي ألا أتجاهل تعقيب السيد بدر، الذي أشار من طرف خفي أنه على اطلاع كاف على فكر عبد الله العروي، ومن الذين يفهمون كتاباته، وإلا لما استفزته محاولة القراءة التي لم ينشر منها بعد سوى مقدمة أرادت أن تقول إن هذه القراءة هي بالأحرى قراءة العروي بالعروي نفسه، بقدر ما فهمت كتاباته.

أما أن “كثيراً من الناس لا يفهمون كتاباته”، أي كتابات العروي، فهذا عيب في الكتابة ذاتها، وفي الكاتب، قبل أن يكون عيباً في القارئ، من دون أن ننفي الجانب المتعلق بالقارئ وسويته الثقافية. وفي جميع الأحوال، أدعي أنني بذلت جهد القارئ المهتم، لفهم كتابات العروي، بقدر ما أتيح لي من قدرة على الفهم، قد تكون أقل من قدرة السيد بدر أو غيره أو أكثر، وهذا من طبيعة الأمور. ولكن ليس من الحصافة أن نرمي الأخر بقلة الفهم أو بعدم الفهم، ونمضي راضين عن أنفسنا ومكتفين بما لدينا.

وأما قوله أنني، على ما يبدو، لم أقرأ كتاب “السنة والإصلاح”، بل اكتفيت بقراءة العنوان وبعض المقاطع من الكتاب ثم رحت أستنتج وأستخلص وأؤول، فهذا رجم بالغيب، وقدح يتعديان حدود الحوار. على أن ما يشفع للسيد بدر حماسته للمفكر الكبير عبد الله العروي، واستهجانه أن يتناوله أحد بالنقد، وأنا من محبي العروي وممن تتلمذوا على فكره، وقد نوهت بفضله، واعترفت بمديونيتي الفكرية له مراراً، وآخرها في مقدمة كتابي “وردة في صليب الحاضر، نحو عقد اجتماعي جديد وعروبة ديمقراطية”، الذي صدر عن رابطة العقلانيين العرب، ولكنني تعلمت من جعفر الصادق قوله: “التعصب للحق رذيلة”.

وأما أن مقالتي “أنموذج للذهنية العربية التلفيقية البعيدة عن الروح العلمية”، فكنت أتمنى لو أن السيد بدر لفت نظري إلى موضع من مواضع التلفيق، أو وجه من وجوهه، وإلا سأجد نفسي مضطراً للقول: إنه يلقي الكلام على عواهنه. وعذره في ذلك، مرة أخرى، أنه كتب تعقيباً مقتضباً. وأما “الروح العلمية” التي تجلت في تعقيبه فمباركة عليه.

ومن أجل مواصلة الحوار سأنقل عن كتاب “السنة والإصلاح” الفقرة 27 كاملة لعل السيد بدر يقارنها بالجمل التي ختم بها العروي كتابه. يقول العروي:

“الرؤيا دعاء وإجابة.

من يدعو ومن يجيب؟

السيرة المعتمدة لدينا تشجع على طرح السؤال. الحق الذي يكشف عن ذاته أثناء الرؤيا، هو الداعي والمجيب، الرائي والمرئي، الحاضر، الحي، القريب، الولي، إلى آخر الأسماء. هو الحاضر من الأزل، يأمر ويجود.

الرؤيا مبادلة، محاورة، معاهدة، موالاة.

ينتفي السر إذ يحضر، مختزلاً كل ما كان وكاشفاً عما سيكون. يذوب كل فارق، تنحل كل عقدة، يتضح كل لغز. لا أحد يستطيع بعدئذ أن يقول إن الماضي بلا سبب والمستقبل بلا غاية، الفضاء خواء، واللامحسوس لا يفهم.

تحصل الرؤيا والكون نور”.

(انتهى الاقتباس من الكتاب المذكور، ص 60 – 61)

ويستأنف في الفقرة 28، فيقول:

“الكشف فعل ومفعول، والمكشوف الذي هو نتيجة لدعاء وإجابة، ينقلب ليعود هو السبب، الدافع، المحرك. يصبح المكشوف نهائياً، إذ لم يعد هناك مانع، الداعي إلى الكشف.

فتختزل حوادث الماضي في أسماء (آدم، إبليس، نوح، إدريس إلخ) كل اسم مرتبط بقصة ليست في حقيقة الأمر إلا تفصيلاً لحادث، أي لوقفة أو بدوة.

إلا أن هذه الأسماء تتوالى على نسق معروف لدينا: المادة ثم الصورة أو الطبع ثم الزمن ثم الحياة ثم القانون ثم الوجدان ثم الذاكرة. أمامنا حكايات تفصيلية داخلة ضمن حكاية شاملة، حكاية – إطار، لكل واحدة منها موضعها الخاص بها والملتصق بحادثة محددة تسمى لهذا الغرض قاطعة.

ما نقرأ وإذ نقرأ هو علة الكون. تسلسل القرآن (القول) هو تسلسل الكون، إذ الأمر أمر أي إنشاء.

تتميز الثقافة الهلستينية (هكذا) بتعدد المعلمين والشيوخ، كل واحد منهم يتحكم في مجال معين (الطبيعة، الكلمة، الناموس، الجسد ..)، كل واحد يصدع بحقيقته ويقود حزبه. وهؤلاء الشيوخ والأئمة كانوا في سجال مستمر فيما بينهم، وأثناء السجال يتأثر، رغماً عنه، الواحد بالآخر. فكانوا يتجهون، بدون وعي، نحو نقطة التقاء، تلك الوقفة التي ذكرناها أعلاه. ذلك الدعاء الذي هو في الوقت نفسه نداء وسماع. لا أحد منهم عاجز أو متردد أو رافض، إذ كلهم شاركوا، إما شكلاً وإما مضموناً، بتخيل صورة بيانية أو العثور على فكرة، في تربية القلوب وإعداد الأفئدة للسماع.

كان بعضهم يدعو إلى إماتة النفس، الاتصاف باللاشعور، مع التلويح أن هذا من قبيل الحنين إلى الممتنع. لو كان الأمر بخلاف ذلك، لو كانت الطمأنينة وقتل النفس غاية تدرك، لما ظهر قط في أي جهة من الأرض دعاء وسماع. وبما أنه سمع دعاء في بلد معين فذاك يعني أن الأرض عمها القلق والخيبة واليأس.

بعد أن تحقق الجميع أن الكثرة لا تغني، أن تعدد الأرباب والآلهة لا يضمن أمناً ولا استقراراً، وهو أمر لا يكون أبداً حسب ما تكشف عنه الرؤيا، هذا الذي لم يتحقق منذ عهود، هذا الواحد الأحد، الدائم المتعالي، من لا يشاهد إلا في آياته ولا يسمى إلا بصفات أفعاله، والذي، رغم كل هذا، هو دائماً حاضر معنا، قريب منا، حافظ لنا، معتن بنا، سميع مجيب، كريم مفضال، ها هو يجود علينا به منَّاً وإكراماً، الآن وإلى الأبد.

وفي الحين ينتفي القلق وتذهب الحيرة.

ومع القلق ينتفي الطموح. أُدركت الغاية، وُجدت الضالة وهدأت النفس. لم يعد هناك داع إلى بحث واستقصاء. كل غامض يُشرح، كل عقدة تُحل، كل لغز يفك بقصة مواتية، تساق في بابها ووقتها. وهو منهج نعرفه كلنا جيداً، إذ نلجأ إليه يومياً.

اسأل تُجَب. اطلب تفسيراً تنعم بقصة.

في هذا المنظور لا دين إلا وهو إبراهيمي المنحى. هذا ما لا نفتأ نردده.

يبقى مطروحاً على الباحثين السؤال نفسه: هذا الذي وقع يوماً في منطقتنا، فقطع الزمن قطعاً، هل حصل مثله في منطقة أخرى وفي زمن آخر، بأسماء وشخصيات أخرى؟ (انتهى الاقتباس من المصدر نفسه، ص 61 – 63)

ساترك القراءة هنا للقراء، وأخص منهم السيد علي بدر، فالفقرتان الواقعتان في سياق متصل، لغةً ومصطلحاً وصياغةً لها دلالاتها، تغنيان عن التعليق. ولكن الأسئلة تبقى قائمة: إلى أي مدى يتسق كتاب “السنة والإصلاح” مع كتابات العروي السابقة، وما موقع الرؤيا الكشفية، الإبراهيمية، في نظرية المعرفة، وما موقع تجربة إبراهيم، الذي يجمع الباحثون على أنه شخصية أسطورية، من التاريخانية، التي مبدؤها موضوعية الحدث ومسؤولية الفاعلين، ووحدة التاريخ البشري ووحدة اتجاهه، فضلاً عن كلية الإنسان وكونية العقل. الأسئلة واضحة لا تلفيق فيها ولا تلبيس.

ثم ألا يلفت النظر أن ما يقوله العروي في مسألة يقول نفيضه في موضع آخر؟ فقد قال في الفقرة المقتبسة أعلاه: “بعد أن تحقق الجميع أن الكثرة لا تغني، أن تعدد الأرباب والآلهة لا يضمن أمناً ولا استقراراً، .. إلى آخر الفقرة. ثم قال في الصفحة 94 يصف الثقافة الهلستينية، كما يسميها، بأنها “اتجهت اتجاهاً لا رجعة فيه نحو التوحيد في مجال العقيدة، التعميم والقطع في مجال الفكر، الإطلاق والاستبداد في مجال السياسية”. وقد كشف هو نفسه عن العلاقة بين التوحيد، في مجال العقيدة، وبين الاستبداد السياسي، في غير موضع، فلا ندري كيف تتسق هذه اللغة الفلسفية وتلك اللغة المشيخية.

والسؤال الذي يطرحه العروي على الباحثين هو مصادرة على المطلوب، تتجاهل أن التوحيد الإبراهيمي الذي “قطع الزمن قطعاً”، على افتراض واقعية إبراهيم، الذي موضعه العروي على تخوم الثقافة الهلستينية، “لا هو خارجها ولا هو داخلها”، ليس أول توحيد في التاريخ، فالتوحيد الموسوي، أول إحياء لدعاء إبراهيم، ليس أول توحيد في التاريخ، فقد أخذه موسى عن الديانة المصرية، في القرن الرابع عشر أو الثالث عشر قبل الميلاد، بحسب فرويد وغيره أيضاً، أي قبل الحقبة الهلينية بنحو ألف عام، ولا ندري أي زمن هو زمن إبراهيم. (راجع سيجموند فرويد في “موسى والتوحيد”). والعروي يصرح بأنه يعتمد سيرة إبراهيم، كما رواها القرآن (السيرة المعتمدة لدينا) ضارباً بالتاريخ عرض الحائط. التوحيد ابن التاريخ لا ابن الكشف والرؤيا.

وعبارة العلمانية الواردة في الخاتمة التي ذكرها السيد بدر، ليست مؤسسة في النص الذي يقول: “… وهذا النبي العربي، الذي أصبح بتوافق الأحداث، نبيي أنا، أحبُّ إلى قلبي من أولئك الغائبين جميعاً. ينيرهم كما ينيرونه، يغنيهم كما يغنونه. أتماثل معه الآن لأني أرتاح إلى كل ما اختاره لنفسه. في إطار دعاء إبراهيم، في هذه البقعة، التي يحدها السد شرقاً والمحيط غرباً، رفض النبي العربي سنة اليهود وسنة النصارى. فعل ذلك بحزم، وإن بوقار واحترام. واليوم في قرارة قلبي أرفض بالحزم نفسه ما رفض”.(المصدر نفسه ص 201). فلا أعتقد أن العلمانية تتسق مع رفض سنَّة الآخر، بهذه الصيغة القاطعة، بلا احترام ولا وقار، وبهذا التماثل المجرد من الزمان والمكان، مع أنه يقول إن القرآن والإنجيل والتوراة ثلاث نسخ لكتاب واحد، وأن موسى أول من أحيا تجربة إبراهيم، التي هي الأصل والعماد.

كما أن تمييز الدين من السنة أو الناموس أو الشريعة حيلة لم تنطل، ولا تنطلي، على التاريخ، ما دام الدين، أي دين على الإطلاق، ديناً في العالم وفي التاريخ، في اللغة وفي الثقافة وفي الحياة. السنة مؤسسة بشرية، كما وصفها العروي، أجل. ولكن أليس الدين مؤسسة بشرية، منذ كان؟ ما الحد الفارق بين السنة والدين سوى الحد الفارق بين الخاص والعام، ومعلوم أنه ليس من وجود فعلي للعام إلا في الخاص، لا وجود لـ الدين، بألـ التعريف الجنسية، إلا في سنة معينة، وإلا كيف يتحدث عن “سنة مضادة” في الإسلام نفسه؟ واللافت أن هذه السنة المضادة لم تحظ من اهتمام العروي سوى بمجرد ذكرها.

ثم أليس تعسفاً صارخاً فصل تجربة محمد المكية الأولى عن تجربته في المدينة ثم في مكة بعد فتحها؟ وكيف يستقيم أن يتبنى أحد، يريد أن يتبنى تجربة النبي ويعيد إحياءها، جزءاً من تجربة محمد (النبي والرسول) ولا يتبنى أجزاءها الأخرى؟ أليست هذه الأخيرة جزءاً أصيلاً من نبوة محمد ورسالته، أليست خطبة الوداع، مثلاً، جزءاً من سيرته وتجربته، أم أن الله تخلى عن رسوله بعد الهجرة فتلقفه التاريخ، وأن الوجدان أخلى مكانه للحدث والزمن؟ أليس موقف العروي انتقائياً، إذ ينحاز إلى إسلام مكة ضد إسلام المدينة وإسلام دمشق؟ ثم إلى أي حد يستطيع العروي، أو غيره، أن يتيقن من صحة ما لديه عن تجربة محمد المكية، وهو من يقول إن سيرة الرسول كتبت بعد مئة سنة على وفاته، ناهيك عن “تجربة إبراهيم” و”دعاء إبراهيم”، ولا يزال يستنجد بالمؤرخين والباحثين، من دون أن يبدي أي ميل إلى تعليق بعض الأحكام التي تحتاج إلى توثيق المؤرخين وإجماع الباحثين، ومن دون أن يدع مجالاً للشك الباعث على البحث والاستقصاء؟ (راجع ص 201) لا شك في أن التوحيد يقتضي أحكاماً قطعية وقاطعة، فيؤسس للاستبداد. وأول الاستبداد هو الاستبداد بالرأي واحتكار الحقيقة التي تكشف عن ذاتها، و”الحق الذي يكشف عن ذاته أثناء الرؤيا”.

وهل يقبل من مفكر، كالعروي، أن يطلق صفة “العجم” و”الأعاجم” على غير العرب، على سنة السلف الصالح، ومعروف ما هو الأعجم؟!. (راجع ص 191 وحاول أن تتحرى هذا النسق من المفاهيم التراثية التي غلبت على النص من أوله إلى آخره، والفقرات التي أثبتناها بنصها هنا غيض من فيض) وعلى هذا القياس ماذا تراه يقول عن الأمازيغ في بلده وجوارها، بعد ما قاله عن اليهود و”النصارى”، وبعد أن قرن الإسلام لا باللغة العربية فقط، بل بالعروبة أيضاً، إذ يقول:

“كان وارداً أن تضمحل اللغة العربية وتخلفها لغة أخرى. لم تندثر العربية، غير أنها انفصلت عن الخطاب اليومي. كان وارداً أن ينقرض الشعب العربي مع اختلاطه بالعجم. لم يحدث ذلك. حافظ العرب على هويتهم، غير أنهم فقدوا كل مبادرة. كان وارداً أن تذوب نخبة قريش في جموع الموالي. لم يحصل ذلك. ظلت تشكل طبقة متميزة، لكن كشاهد على الماضي.

هذه عوامل ثلاثة تحمل في آن طابع الضرورة وطابع الاتفاق، وبذلك تفسر استمرارية السنة وتعمقها المتزايد.

بما أن اللغة المعربة، لغة الخطباء والفقهاء والمتكلمين لا تتغير فمن الطبيعي أن نفهم من الألفاظ ما فهمه العرب الخلص.

بما أن العرب، وهم المخاطبون بالرسالة، لا يزالون على حالهم، فمن الطبيعي أن نأخذ تلك الحال معياراً ومرجعاً للأحكام.

بما أن أشراف مكة لا يزالون يتمتعون بالجاه والنفوذ، لا لسبب غير عراقة النسب، فمن الطبيعي أن يتشبثوا بمفهوم الإرث والتقليد.

الحدث، هو الآخر، مزيج من الضرورة والمصادفة، فمن خلال اللغة والعادة والنسب يعمل الحدث على استمرارية السنة وفي الوقت نفسه يجعلها في كل مرحلة أكثر فأكثر استيعاباً للجديد / المحدث / المنكر”. (انتهى الاقتباس من المصدر ذاته ص 191 -192)

إذاً: اللغة العربية لم تندثر، ولكنها انفصلت عن الخطاب اليومي. العرب حافظوا على هويتهم، ولكنهم فقدوا المبادرة. النخبة القرشية لم تذب، ولكنها شاهد على الماضي. فهل يعني الإصلاح إعادة الصلة بين اللغة العربية والخطاب اليومي، واستعادة العرب زمام المبادرة، وإحياء التراث والتقاليد التي لا تزال النخبة القرشية، من الأشراف والسادة، تحرسها وتحافظ عليها؟ أم ترك المسألة للمجاهدة والذوق ومحاكاة تجربة النبي، وفهم الرسالة بالرسول، في المرحلة الأقرب إلى الوجدان، واستثناء العلم والأخلاق والسياسة من الجدال؟

لا يحق لأحد أن يعترض على إيمان مؤمن أو خيارات فرد. إيمانات الأفراد واختياراتهم مشروعة كلها ومتساوية في القيمة. ليس إيمان العروي أو اختياره الفردي أو “اعترافه” مما استدعى التساؤل والنقد، بل رؤيته لما هو الإصلاح، الذي يتعين، وفق ما فهمنا، بنقد السنة، ومعارضتها بتجربة النبي المكية، في إطار نداء إبراهيم، وفصل هذه التجربة عن مجرى “الزمن” ومفاعيل “الحدث”، أي العودة إلى تجربة محمد الروحية، الوجدانية، الكشفية، قبل أن “يتورط في التاريخ”، ويجنح إلى تأسيس “أمة خاصة به، بعد أن اضطره قومه وتآمروا على قتله، و”أجهز عليه الحدث وأحاط به من كل جانب” (ص 209).

بيد أن الإصلاح الذي يقول به العروي مركب ومتعدد الوجوه، أشرنا إلى أحدها في النص المنشور على موقع الأوان، وأشرنا إلى الثاني قبل قليل، وانظر كيف يلخص العروي الوجه الثالث لرؤيته للإصلاح:

“يتنصل النصارى من ضغط الكنيسة بتولي فن الإغريق وقانون الرومان. يتحرر كبار مفكري اليهود من نير الشريعة وقيودها باصطناع العلم التجريبي والفن. يقلل البوذيون من استغراب غيرهم بالتأكيد أن ما لديهم هو فلسفة حياة وأسلوب عيش ليس إلا.

السنة تنعقد وتنحل بمغالبة العلم والفن والسياسة.

النبي الذي نتفهمه نحن، الأقرب إلينا من حبل الوريد، يقول إنه أمي وإنه على الفطرة، يعترف أنه لا يعلم متى الساعة وما الروح، يتمنى فقط أن يزاح الغطاء عنه يوماً وينعم بالرؤيا. النبي الذي نتفهمه، نبي مكة، يقول إنه ليس بمسيطر. لم يجنح إلى تأسيس أمة خاصة به إلا بعد أن اضطره قومه وتآمروا على قتله. لما أجهز عليه الحدث وأحاط به من كل جانب. عندئذ فقط قارع الحدث بالحدث، مؤكداً باستمرار أنه مذكر وأن لكل شرعة أمداً.

ثم جاء بعده خلف فهموا الكلام على هواهم، تلاعبوا بالاشتقاق وأوغلوا فيه. قالوا الشرع لا يتغير، إذ في غير المتغير يتأصل المتغير، وإلا ما بحث الفقهاء عن الأسباب والمقاصد.

استثنينا من الجدل العلم والسياسة، ماذا بقي؟ الفن.

نتوسل بالرسول لفهم الرسالة. هكذا نؤوِّل الإعجاز. تحصل المعجزة عندما تثوب الروح إلى قرارها ومأمنها. وهل يتوخى الفن، في أعلى أشكاله، سوى هذا الهدف؟

سيمة الرسول والرسالة معاً موقف متميز من الكون والإنسان، كله تجريد ونقاوة، بساطة وبراءة”. …

إذاً، الإصلاح الذي يمكن أن يصلح أحوالنا، ويصالحنا مع الآخرين من يهود ومسيحيين وبوذيين وغيرهم، ويصالحنا مع السنة أيضاً، لأنها لا تستطيع أن تنكر دعوانا، ولا أن ترفض نقدنا، الذي يقويها ويعمقها، ولأننا نقبلها كما هي، لا كما تقرر .. الإصلاح إذاً هو العودة إلى الفطرة، إلى لحظة الأمية والصفحة البيضاء، وإلى البساطة والتواضع، واتباع طريق الفن، أي الذوق والمجاهدة، فالفن قاسم مشترك بين الجميع، كما يبدو من الصياغة، التي نتحفظ على ما فيها من اختزال وابتسار، وعلى ما تقيمه من سدود.

ألا يؤدي بنا الذوق والمجاهدة إلى التسامح؟ بلى. ألا يمهد للعلمانية، بلى. ولكن كيف تنحل السنة وتنعقد، وأين يجري “الصراع”، وما موضوعه، وكيف يجري، إذا استثنينا العلم والسياسة من النقاش، وحررنا الذات، الأنا، من قيودها، خارج المجتمع، وما الرهان المعقود على العلمانية، إذا استثنينا العلم والأخلاق والسياسة، وما السبيل إلى “سلطة محايدة، ترسم الحدود، وتلزم كل طرف باحترامها، بعد أن علمتنا تجارب مرة كثيرة أن النفس لا تؤتمن”؟

ولسوف نتابع القراءة ونتابع الحوار …

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق