رد على سامي الرياحي : نحن في حيص بيص، فماذا نفعل؟

أعجبت بالمقالة التي كتبها الاستاذ سامي الرياحي في “الأوان” تحت عنوان:
حين يتحول الجلاد الى ضحية. وفيها
يردّ على مقالة كنت قد نشرتها سابقا تحت عنوان: من يتجرّأ على أن يقول الحقيقة للعرب. كنت أعرف أن مقالتي ستثير ردود فعل قوية وربما هائجة، لأني اتخذت فيها تقريبا دور محامي الشيطان، على الأقلّ ظاهريا. في الواقع إنّي كنت قد مللت نفس الخطاب الشائع منذ ستين سنة عن المسألة الفلسطينية والصراع مع الإسرائيليين واليهود عموما، وأردت تناول القضية من زاوية أخرى، وبلغة أخرى ابتغاء التجديد وعدم الإملال. لقد أردت انتهاك بعض المحرّمات في الفكر العربي، وتجاوز بعض الخطوط الحمر. وأحيانا ينبغي أن نخرج من الامتثالية الفكرية، ولا بأس بقليل من الاستفزاز لتحريك المياه الراكدة، وتحاشي الخطاب العربي العقيم المكرور، ثمّ لتناول المسألة من كافّة جوانبها إذا أمكن.
لماذا أعجبت بمقالة الأخ الرياحي؟ لأنّه لا يستخدم لغة المهاترات الغوغائية عندما يختلف معك في النقاش السياسي. ولعلّ كونه تونسيا متحضّرا أو مطّلعا على الفكر الحديث والمناهج العقلانية ليس غريبا عن ذلك. ومنذ البداية كردّ عليه سأقول له ما يلي:
يا أخي الكريم: إنّي متفق معك على معظم ما قلته، بل وكتبت مثله أو ما يشبهه مرّات عديدة، عن كارثة فلسطين التي دمّرتنا جميعا وليس فقط فلسطين. كلّ المشروع الحضاري العربي تعرقل أو توقّف بسببها. وكان ذلك أمرا طبيعيا طيلة القرن المنصرم، لأنّ جرح فلسطين كان عميقا ومفاجئا فعلا. ولكنّ دولة اليهود أصبحت أمرا واقعا في فلسطين، أو على أرضها المغتصبة تدريجيا. وحولها إجماع دولي جبّار لم يشهد له التاريخ مثيلا من قبل. وعندما يحصل إجماع بمثل هذا الحجم، حتى ولو على الباطل فانه يتحوّل إلى حقيقة موضوعية نحن مضطرّون لأخذها بعين الاعتبار. وإلا فإننا سنغامر بشعوبنا ومستقبلنا بلا أيّ نتيجة. وسوف نصبح كما قال الشاعر العربي القديم: كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل.
أنت لا تستطيع أن تحارب الإجماع الدولي كلّه بسيفك الخشبي، وإلا فإننا سندفع ثمنا باهظا، وفي طليعتنا شعب فلسطين الذي دمّر أكثر مما يجب. فرفقا به وبشعب لبنان أيضا وبقية الشعوب العربية المشرقية خصوصا. هناك انسداد تاريخي في المنطقة منذ ستين سنة بل وحتى مائة سنة ولا يمكن أن يستمرّ إلى الأبد. نحن ضيّعنا على أنفسنا فرصا كثيرة سابقة وهذا يكفي. تكفينا مزايدات وشعارات خطابية.
نحن في حيص بيص فماذا نفعل؟ كنت أتمنّى مليون مرة لو أنّ خيار الصهاينة وقع على كينيا أو الأرجنتين حيث توجد مساحات شاسعة واسعة دون سكان أو قليلة السكان. وعندئذ ما كانت دولة اليهود ستزعج أحدا أو تقتلعه من أرضه وجذوره. وما كانوا سيحاربون أحدا أو أنّ أحدا سيحاربهم على مدار مائة سنة متواصلة. وما كانوا سيجلبون عليهم غضب ثلاثمائة مليون عربي ومن ورائهم مليار مسلم. وكنا سنظل أصدقاء معهم كما ذكرت أنت في مقالتك وكما حصل عبر التاريخ عندما كانت لدينا حضارة عظيمة في بغداد العباسية أو في الأندلس الأموية الزاهرة. وقد سمعت مرّة أحد مثقفيهم العقلاء وهو روني برومان يقول: لو أننا كنا نعرف أن إقامة هذه الدولة ستكلّف كل هذه الأشلاء والضحايا والمجازر لكان من الأفضل ألا تقوم على الإطلاق. فنحن اليهود خسرنا سمعتنا في نهاية المطاف. هذا ملخص ما قاله الرجل وهو من المنصفين الذين يعترفون بالحقيقة الموضوعية ولا يكابرون كما يفعل غلاة الصهاينة. وهو الرئيس السابق لمنظمة أطباء بلا حدود وذو توجهات إنسانية. وبالتالي فنحن أجبرنا على العداء إجبارا مع اليهود. وأصلا لولا اغتصاب فلسطين لظلّ اليهود العرب عائشين معنا بين ظهرانينا في بلاد المغرب والمشرق على حدّ سواء ولما اضطروا إلى النزوح إلى الغرب أو إلى إسرائيل ذاتها. ويقدر عددهم بحوالي المليون. وكلهم أو أغلبهم غادروا بلداننا، ثلثاهم إلى إسرائيل، والثلث الآخر إلى فرنسا وبريطانيا وأميركا ودول أخرى. وهم يطالبون بتعويضات باعتبارهم من ضحايا صراع الشرق الأوسط أيضا! وبالتالي فضحايا إسرائيل عديدون وتكاليف المشروع الصهيوني باهظة، بل وأكثر من باهظة على المستوى الإنساني والتاريخي وكلّ شيء. وهذا اكبر دليل على أنه كان خاطئا من أساسه، ويحمل في طياته جرثومة أكبر تراجيديا في التاريخ المعاصر. ومعلوم أنّ إقامة اليهود العرب عندنا أصبحت حرجة جدّا بعد عام 1948. وبالتالي فإنّ لمن المؤسف جدّا أن يحصل كل هذا الشرخ بيننا وبينهم. نقول ذلك خاصّة أنّ اليهود شعب ذكيّ ومليء بالطاقات الإبداعية. وقد ساهموا في بناء الحضارة العربية ماضيا وحاضرا. يكفي أن نذكر اسم الفيلسوف العربي اليهودي موسى بن ميمون بن عبد الله القرطبي المعاصر لابن رشد. وقد ألف أشهر كتبه: دلالة الحائرين بالعربية. وقد وصل الأمر ببعض علمائنا الأجلاء إلى حدّ تصنيفه كأحد كبار فلاسفة المسلمين! ولكننا أجبرنا على الأحقاد معهم غصبا عنا كما قال الشاعر بدوي الجبل في مناسبة أخرى ضدّ الفرنسيين المستعمرين لسوريا:
ضغينة تتنزى في جوانحنا
ما كنا أغناكم عنها وأغنانا!
أي ليتكم لم تستعمروننا ولم تعتدوا علينا لكنا قد ظللنا أصدقاء ولما كان قد حصل بيننا وبينكم أي شيء. كنا بقينا إخوانا أو أولاد عم.ّ.
ولكن بعد أن وقعت المصيبة في رأسنا، وليس في رأس كينيا والأرجنتين، فماذا نفعل؟ جربنا الحروب والانتفاضات والثورات على مدار مائة سنة تقريبا، ولكننا لم ننجح في دحرهم أو إفشال مشروعهم أو منع قيام دولتهم. بل على العكس في كل مرّة كانوا يربحون مواقع جديدة وأراضي جديدة. ما العمل يا أخي؟ العرب منقسمون وكذلك الفلسطينيون. البعض يقول بوضع حدّ للصراع حتى ولو على حسابنا. وأصلا لا يمكن أن يتمّ إلا على حسابنا، ضمن الظروف الراهنة واختلال موازين القوى المحلية والدولية. والبعض الآخر يقول: لا، سنظلّ نحاربهم حتى آخر رجل وآخر قطرة دم فينا. عرب الاعتدال أو العقلانية السياسية ميالون إلى الحل الأول. وعرب الأصولية أو ما دعوته بالايديولوجيا القومجية الأصولية ميالون إلى الحل الثاني.
وأنا أقول أحيانا بيني وبين نفسي: لماذا لا نوقف المواجهة العسكرية لفترة من الزمن حتى نكون قد أعددنا للأمر عدته ونجحنا في إطلاق المشروع الحضاري العربي المتمثل بالسيطرة على العلم والفلسفة والمناهج الحديثة والتكنولوجيا. وعندئذ يمكننا أن نواجه إسرائيل بأسلحتها ذاتها. باختصار شديد: لماذا لا نجرب طريقة أخرى في إدارة الصراع غير تلك التي جربناها على مدار الستين سنة الماضية والتي وصلت إلى الجدار المسدود؟ صحيح انه كانت لها مبرراتها سابقا ولكنها الآن استنفدت معظم طاقتها على ما أعتقد. هذا اجتهاد شخصي لا أفرضه على أحد ولكني أعتقد انه وجيه إلى حدّ ما. وعلى أيّ حال فعندما تفشل منهجية ما في حلّ مشكلة معيّنة فينبغي تغييرها وتجريب منهجية أخرى. في كلّ الأحوال فإنّ المواجهة ستكون حضارية معهم في العقود المقبلة من السنين أكثر مما ستكون عسكرية. هذا أحد السيناريوهات المحتملة. إنهم يطرحون علينا تحديا حضاريا لا مثيل له. فهم دولة متقدمة ديمقراطية بالنسبة لشعبها على الأقل وفيها جامعات حديثة ومراكز بحوث علمية من أعلى طراز. كما تسمح بحرية التعبير لسكانها اليهود على الأقل. بل يقال إنّ العرب فيها، رغم التمييز الذي يتعرضون له، يتمتعون بحريات فكرية لا نتمتع نحن بها في بلداننا وفي ظلّ أنظمتنا الحالية. وعلى أيّ حال فإنّ الإسرائيليين يمارسون فيما بينهم النقاش الحرّ حول جميع الموضوعات تماما كأيّ دولة أوروبية متقدمة. وكلّ هذا ينقصنا بشكل موجع، كلّ هذا محرومة منه شعوبنا. فكيف يمكن للمتخلّف أن ينتصر على المتقدّم؟ مستحيل. لنتفرّغ إذا أوّلا لحلّ مشاكلنا الداخلية وتشكيل مشروعنا الحضاري على كافّة الأصعدة والمستويات. وعندئذ هل تعتقد أنّ إسرائيل ستستطيع مواجهة كل هذا البحر الخضم من العرب الحضاريين المتفوقين الأحرار؟ بالطبع ينبغي دعم الفلسطينيين لأخذ كل ما يمكن أخذه في الظروف الحالية ولنترك الباقي للمستقبل لأنه يلعب لصالحنا وصالح الشعب الفلسطيني على عكس ما يظن. وكما قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس مؤخّرا في قمة الكويت: لنتفق على الممكن لكيلا نختلف على المستحيل! وهي عبارة مأخوذة مباشرة تقريبا من كلام أرسطو الشهير في تحديده للعمل السياسي: السياسة هي فنّ الممكن لا المستحيل.
ولكن بعضنا يتصرّف وكأنّ السياسة هي فنّ المستحيل! وهكذا يصطدم رأسنا بالجدار ويتكسّر رأسنا لا الجدار. وهكذا نصاب بخيبات هائلة وصدمات وانتكاسات في كلّ مرّة. هناك إذن مشكلة في العقل السياسي العربي وينبغي أن نعالجها.
أخيرا اسمح لي أن أختلف معك في نقطة واحدة: وهي أنّ الصراع مع اليهود سابق على كارثة فلسطين بكثير وإن كان لم يأخذ كل أبعاده الضخمة والدموية المرعبة إلا بعدها. هل تريد دليلا على ذلك؟ اسمع تصريحات إخواننا الأصوليين من مرشد الثورة الإسلامية على خامنئي إلى سواه. قال سماحته أثناء أحداث غزة: على العرب الخونة أن يعرفوا أن مصيرهم لن يكون أفضل من مصير اليهود الذين قاتلهم النبيّ محمد.
وفي لبنان رفعت بعض التنظيمات الأصولية الهتافات والشعارات التالية: خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود.
قد تقول لي: لولا المجازر المرعبة والوحشية التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة لما حصل ذلك. وأجيبك: نعم، صحيح. ولكنّ هذا الشيء موجود في الخلفية الجماعية، في ذاكرتنا الجماعية التاريخية المقدسة ولا نستطيع إنكاره. وإذا كانوا هم يشوّهون سمعتنا في الغرب كما تقول، وبحقّ، نتيجة سيطرتهم على قطاع واسع من الإعلام الغربي والرأي العام الغربي أيضا، فإنّنا نحن نشوّه سمعتهم في كلّ أنحاء العالم العربي والإسلامي إلى درجة أن مجرّد ذكر كلمة يهودي ّعندنا وليس فقط في تونس أصبحت شتيمة وعارا ما بعده عار. وهذا يرعبهم أيضا ولكن سياسة قادتهم في إسرائيل مسؤولة عنه إلى حدّ كبير. أنا متفق معك تماما من هذه الناحية. اللغة العقلانية مستحيلة ضمن هذا الجوّ. وتغيير صورة اليهودي عندنا لا يمكن أن تحصل قبل أن يتوقف العدوان وتقوم الدولة الفلسطينية التي طال انتظارها. ليوقفوا العدوان على شعب فلسطين والاستيطان السرطاني إذن أوّلا وعندئذ يمكن أن تهدأ النفوس قليلا وتعود المياه إلى مجاريها تدريجيا. وعندئذ يمكن للمصالحة العربية اليهودية أن تصبح ممكنة.
ولكن هذا لا ينفي أن الصراع اللاهوتي موجود منذ أقدم العصور بيننا وبينهم. فهم على مدار التاريخ كانوا معتبرين أهل ذمّة يدفعون “الجزية عن يد وهم صاغرون” كما يقول القرآن. كانوا يعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية. هذه حقيقة لا نستطيع إنكارها. بالأمس القريب قتل عبد العزيز العبدي وهو طيار سابق في الجيش اليمني أحد أفراد الجالية اليهودية في اليمن: ماشا النهاري. لقد أمطره بالرصاص لأنه رفض دعوته للإسلام بعد أن هدّده قائلا: اسلم تسلم. ومعلوم انه لا تزال توجد في اليمن جالية يهودية لا يتجاوز عدد أفرادها الأربعمائة شخص. وقد أنذرهم الجاني قائلا: إما أن تخرجوا من اليمن، وإما أن تعتنقوا الإسلام وإلا فانّ مصيركم القتل. هل هذا معقول؟ هل هذا مقبول في أوائل القرن الحادي العشرين؟ هل يحقّ لنا أن نرعب أقلية صغيرة جدا لا تزال تعيش بين ظهرانينا وفي حمايتنا وكنفنا حتى الآن؟ أين هي الشهامة العربية الإسلامية؟ ثم إننا مراقبون من قبل الخارج ولم نعد نستطيع أن نفعل ما نشتهي ونريد. نحن الآن في عصر العولمة الكونية، وكلّ شيء مترابط مع بعضه البعض، وقد أصبح معروفا للقاصي والداني. والرأي العام العالمي لا يرحم. وقد أصبح حقيقة واقعة لحسن الحظ. وبالتالي فهناك مشكلة سابقة على التراجيديا الفلسطينية وينبغي أن نعترف بها. لا ينبغي أن نخلط بين الأمور باستمرار. هناك مشكلة في اللاهوت والفقه القديم. هناك مشكلة في فهم الدين ككلّ. نحن لا نزال نعيش في عقلية القرون الوسطى. ولا ينبغي أن نحتجّ بقصة فلسطين في كل مرّة من أجل تأجيل التنوير الديني إلى ما لا نهاية. لا ريب في أنّ حلّها سوف يساعدنا على ذلك كثيرا وله الأولوية. ولكن بانتظار ذلك ينبغي أن نفعل شيئا ما. هذا هو مضمون مقالتي في العمق. لقد أردت التنبيه إلى الخطورة التي تشكلها الايديولوجيا الديماغوجية القومجية الأصولية على مشروع التنوير العربي ككل. وبالتالي فينبغي على المفكرين العرب بعد أن يحصل السلام أن يفسّروا النصوص المقدسة بشكل حديث عن طريق موضعتها لأوّل مرّة ضمن سياقها التاريخيّ كما يفعل أركون وسواه من كبار العلماء. عليهم أن يقوموا بقراءة جديدة كليا للقرآن الكريم ومراجعة شاملة للفقه الإسلامي القديم ليس من اجل اليهود أو أتباع الأديان الأخرى فقط، وإنما من أجلنا نحن، من أجل سمعتنا على المستوى الدولي، من أجل مصالحة اللاهوت الإسلامي مع فلسفة التنوير والحداثة الكونية. لكنّ لذلك قصّة أخرى وحديثا يطول..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This