رسالة إلى كاتب إسرائيلي

السيد المحترم أبراهم ب. ياهوشوه(.A.B.Y)

بعد التحية

قرأت بإمعان مقالك “لماذا هذه الحرب ؟ “المنشور بالمجلة الفرنسية “Le Nouvel Observateur” “بتاريخ 08/01/2009 مترجما عن العبرية، و قد قلت انك كتبته في اليوم الأول من السنة الجديدة،وانك حرمت من الاحتفال بها لانك تضامنت مع سكان جنوب إسرائيل فاحتفلت معهم في بيوتهم، واكتفيت بمشاهدة حفل موسيقي نقلته فضائية فرنسية من دار الأبرا بباريس.

لا ادري :هل خطر ببالك مرة واحدة، وأنت تنصت في جلسة حميمية دافئة لروائع الموسيقى العالمية متسائلا:ماذا كان يفعل الجيش الإسرائيلي الفاشي على مرمى حجر من مجلسك، الم ينغص عليك صراخ الأطفال والنساء الذي اختلط مع انفجار الصواريخ والقنابل على رؤوس المدنيين في بيوتهم ،وعلى سيارات الإسعاف ،وبيوت العبادة، والمدارس ؟

لم تسأل لأنك تحاشيت أن يشوش عليك صراخ الأطفال والأمهات الاستمتاع بنغمات موسيقى الاحتفال بحلول السنة الجديدة.

لا اشك لحظة أن ضميرك قد اهتز لما شاهدت المجازر التي ارتكبتها الصهيونية العنصرية ضد الأبرياء فحرمتهم أولا من الغذاء والدواء شهورا طويلة، ثم قررت أن تنفذ مخططها في إشعال محرقة القرن الجديد.

لا أتردد لحظة واحدة في القول : انك تأثرت بمناظر المأساة، وأنت مثلي في خريف العمر، وانك تذكرت ما عاشه اليهود أيام النازية،وأنا من ادرى الناس بالمحن التي سلطت عليهم، لم اعرف ذلك من كتب التاريخ بحكم الاختصاص، بل سمعت ما رواه لي الألمان أنفسهم الذين عاشوا جنبا إلى جنب مع اليهود في المعتقلات النازية ،ومورست عليهم نفس الأساليب لأنهم كانوا معارضين للنظام الاستبدادي النازي، ولعلي من العرب الأوائل الذي زاروا معتقل “اوسشيتفز”، و”بو خنفالد” أكثر من مرة.

مقالك يدل على انك من المعتدلين ،مؤمنا بضرورة التعايش بين الفلسطينيين والاسرائيلين، ولكن لم تجرؤ على الاصداع بالحقيقة، وتعرب عن خجلك كيهودي بما اقترفه النازيون الجدد في غزة، كما فعل صديقك جان دانيال الذي نشر مقالك في مجلته.

أصابتني الدهشة لما كتبت “إذا كنا نريد الحكم على الصقور في موقفهم من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بصفة منصفة فلا مناص من النظر للمسائل في وضعها المعقد.

لابد من مؤاخذة سكان غزة على تاييدهم للعمليات الإجرامية لحماس في الوقت الذي يستحق إخوانهم في الضفة الشفقة والتعاطف نتيجة تصرف الإسرائيليين في المستوطنات ومعاملاتهم غيرا لعادلة أمام الحواجز”.

هذا المنطق يبرر سياسة النازيين لما كانوا يعاقبون في فرنسا، آو بولونيا سكان مدينة كاملة لأنهم تكتموا على مقاومين للإحتلال، وهي نفس السياسة التي اتبعها الجيش الاستعماري الفرنسي أيام ثورة الشعب الجزائري، فأنت تسوي بين الضحية و الجلاد !

تقول أن سكان الضفة يستحقون الشفقة بسبب ما يلقون من عنت و مذلة أمام الحواجز، وكأنهم في منأى عن القتل والتعذيب والاعتقال، فلا يكاد يمر يوم على مدن الضفة وقراها دون اجتياح الجيش الإسرائيلي وسقوط ضحايا، ثم ما هذا الحديث عن الشفقة والتعاطف، وكأن سكان الضفة متسولون فوق أرضهم لا حقوق لهم؟

وعندما نعود إلى مجزرة غزة نجدك تعترف بان الصواريخ التي أطلقت من غزة لم تقتل في ثلاث سنوات سوى ثلاثين إسرائيليا بينما قتل الجيش الإسرائيلي ليلة احتفالك بالسنة الجديدة أربعمائة، وارتفع هذا العدد إلى أكثر من ألف وثلاثمائة قبل إعلان الهدنة فضلا عن ألاف الجرحى، وعشرات الآلاف من المشردين، وجلهم من الأطفال والنساء والشيوخ.

هل تقبل النخبة المثقفة الاسرائيلية المجزرة التي ارتكبها الفاشيون الجدد بحجة سقوط بعض الصواريخ البدائية على المدن الأسرائيلية؟ وهل يصدقون أن السبب في ذلك خرق حماس الهدنة؟

الايعرفون أن فرض الحصار على شعب بأسره، وحرمان أطفاله ومرضاه من الغذاء والدواء هو إعلان حرب؟

لم تجن إسرائيل من وراء محرقة غزة سوى المزيد من حقد الفلسطينيين والعرب عليها، وتعميق الهوة بينها وبين الشعوب المجاورة لها، وأنت تدرك جيدا انه من المستحيل أن تعيش دولة في سلام مع أجوارها إذا تبنت سياسة الهيمنة والتوسع.

إنني اتفق معك أن التشدد والحقد والتطرف موجود في الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ولكنك وقفت عند ويل للمصلين لما سكت عن أسباب الظاهرة هنا وهناك.

انتشرت ظاهرة التطرف والحقد في صفوف الفلسطينيين نتيجة سياسة التقتيل والتعذيب والتشريد والتجويع والحصار منذ ما يزيد عن ستين سنة، وقبل هذا وذاك نتيجة احتلال الأرض، أما في صفوف الإسرائيليين فنتيجة إنشاء دولة على أسس ايديولوجية عنصرية، يؤمن أنصارها بخرافة “شعب الله المختار”وان الآخرين هم بشر من درجة ثانية، فما معنى التنظير في مطلع الألفية الثالثة لدولة تقوم على نقاوة الجنس “الدولة اليهودية”، وعلى خرافة “ارض الميعاد”!

أعترف أنك من الكتاب الإسرائيليين المعتدلين، وأنت من المؤمنين مثلي بضرورة التعايش، ولاغرو في ذلك فأنت من مواليد القدس: المدينة الرمز للتعايش بين شتى الأجناس والأديان، مؤمنا بضرورة إنشاء دولة فلسطينية،ولكنك تكتفي في خلاصة مقالك بالحديث عن المستوطنات، وإزالة الحواجز الفاصلة بين مدن الضفة، وإعطاء الأمل لسكان غزة حتى لاتقوهم حماس إلى الهاوية، وتسكت عن جوهر القضية في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وأعني احتلال الأرض وتشريد سكانها.

إن العرب من أنصار السلام مقابل الأرض، ولكن جواب إسرائيل كان منذ ما يقرب من عشرين سنة المزيد من التقتيل والقمع والاستيطان، ورفع العرب راية السلام مرة أخرى لما أعلنوا عن مبادرتهم في بيروت2002 فجاء جواب غلاة إسرائيل المزيد من الصلف والاضطهاد.

هل يستطيع الإسرائيليون بعد هذه السياسة الفاشية أن يحلموا يوما ما بالسلام؟

الحبيب الجنحاني : كاتب تونسي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق