رسالة مفتوحة إلى ميشال أنفري

[ مثّل صدور كتاب ميشال أونفري " أفول صنم: الفرية الفرويديّة" (Le crépuscule d'une idole, l'affabulation freudienne  ) صدمة فكريّة داخل أوساط الإنتلجنسيا الفرنسيّة عامّة، وبين الفرويديّين من الفلاسفة والمحلّلين النفسيّين على وجه الخصوص.  وكعادة الوسط الثقافي الفرنسيّ في مثل هذه الأحداث، فقد كانت وسائل الإعلام بمختلف أنواعها فضاء للنقاش والجدل، والسباب والحرب أيضا.

واتُّهِم  مؤلّف الكتاب الحدث  الفيلسوف الفرنسيّ "ميشال  أنفري" (Michel Onfray) من قبل خصومه بكتابة سيرة مزوّرة لأبي التحليل النفسيّ سيغموند فرويد ( 1856 – 1939 )، وبأنّه بصدد "فلسفة مشهديّة" تقوم على الاستفزاز وحبّ الظهور من خلال التشكيك في ركائز التّحليل النّفسيّ..

فيما  يلي رسالة مفتوحة إلى "أنفري" كتبها  المحلّل النفسيّ  التونسيّ الفرنسيّ "جيرار  حدّاد"، ونشرتها  جريدة ( لومند ) الفرنسيّة  بتاريخ 10 – 5 – 2010 – المترجم ]  

العزيز ميشال  أونفري

لست أدري إن كان اسمي يعني لك شيئا مّا، لأنّي  أشكّ في أنّك قرأت لي. أنا، وعلى العكس  منك، قرأت، منذ فترة، أحد كتبك بشيء من التعاطف. في ذلك الكتاب، تحدّثتَ  عن رغبة أبيك المزارع في زيارة القطب  الشماليّ. وبمحبّة البُنوّة، فقد  أوفيتَ بالنذر، حينما سمحت ظروفك  الماليّة. اسمح لي، فقد وجدتُ في هذه الذكرى رائحة فرويديّة. أعتقد  أنّه، وفي أثناء دراستك المعمّقة لآثار فرويد، قد غاب عنك أمرٌ جوهريّ،  مؤدّاه أنّ تلك الآثار الفرويديّة قد بنيتْ، برمّتها، على حبّ أوّل، حبّ الأب. أحيلك على الفصل السابع من كتابه "سيكولوجيا الجماهير".  لقد أعلن فرويد، منذ زمن بعيد، تلك الحقيقة المجرّبة. وإنّي، على كلّ حال، قد جرّبتها في حياتي: موتُ الأب هو، بلا شكّ، أعظم ألم يمكن أن يبتلى به المرء.

لقد تردّدت، كثيرا، قبل أنْ أتدخّل في هذا الكمّ الهائل من ردود الأفعال التي أثارها كتابك الأخير. ثمّ، أزمعت أمري لأنّ ذلك فوق استطاعتي، ولأنّ الأشياء المفرطة ليست، دائما، مدعاة إلى الترك والعدول. فما يزال، هناك، متّسعٌ لتناول جملة من القضايا التي أثرتَها، أكتفي منها بملاحظة واعتراض.

كنتُ قد استفدتُ من جلسات التحليل النّفسيّ لدى المحلّل الذي كان الأوّل من حيث كلْفَة الأتعابٍ في باريس، وقتها، أعني جاك لاكان. ولا سبيل إلى مقارنة المائتي فرنك ( فرنسيّ ) كلفة الحصّة في سنة 1981، بأيّ حال من الأحوال، بالأربعمائة  وخمسين أورو التي "عثرتَ" فيها على دليل إدانة لجريمة مزعومة. فمنْ له القدرة، فعلا، على دفع تكاليف علاجه بمبلغ 10.000 أورو في الشهر؟

كان على  حاسبة جيبك أن لا تقع في زلّة خطيرة  كهذه.

ثمّ، إنّك وجدتَ، أيضا، في صفحات كتابك السبعمائة دليل جدّية في العمل، غير أنّني  لن أنجرّ إلى إهانة إبستمولوجيّ  في قيمتك بالإشارة إلى بطلان حجّة تقيس الحقيقةَ بميزان الصفحات، ولأنّه،  في مواجهة تلك الصفحات السبعمائة، تنتصب، أيضا، آلاف الصفحات الجدّية  الموثّقة.

ولكنْ، دعنا من كلّ هذا لنأتيَ إلى ما أعدّه  أساسيّا، وهو ما لم ينلْ حظّه من الردود. القضيّة الأساسيّة تتمثّل في هذا  السؤال الملموس والعمليّ: هل للتّحليل النفسيّ من جدوى؟ هلْ خفّف التّحليل النفسيّ من أعْباء الناس أم لا؟

ملايين من الرجال والنساء، منذ فرويد، استفادوا من جلسات التحليل النفسيّ. وملايين  من الرجال والنساء، مثلك، درسوا بجدّية فكر فرويد. أعني، بصفة خاصّة، شهودا لا ينتمون إلى المهنة : توماس مان ،  شنيتزلر، السّمِيّيْن تسفايغ (ستيفان وأرنولد ) حتّى لا نذكر آينشتاين الذي لم يرَ في مناقشة فرويد ما يعيب. على أنّي أخصُّ بالحديث كلّ أولئك الذين خلّفوا شهادات عن الفائدة التي غنموها من التحليل النفسيّ. 

من هؤلاء  جورج باطاي. فحين طُلب منه أن يتحدّث عن موقفه من التحليل النفسيّ، يوما في برنامج إذاعيّ دُوِّن فيما بعد، وطلب منه أن يذكر ما إذا كانت ملكته الإبداعيّة ستتعرّض للتخريب لو باشر حصصا علاجيّة في التحليل النفسيّ، بمَ أجاب باطاي؟ أسوق إجابته من الذاكرة بأنّه ما كان ليكتب سطرا واحدا، لو لم يقم بتحليله النّفسيّ.

ما رأيكَ  في هذه الشهادات؟ أهي افتراءات؟  أم هي عكاكيز معلّقة في مغارة لورد؟ [ يقصد الكاتب المحجّة الكاثوليكيّة في مدينة لورد الفرنسيّة Lourdes– المترجم ]

كنتَ قد لمتَ، أخيرا،  ب. هـ. ل. [ برنار هنري ليفي (B.H.L) – المترجم ] حقّ الملام لأنّه لم يقرأ كتبك، فيما أنتما تشتركان في نشر كتبكما لدى دار النشر نفسها. قد يكون هناك كتّاب آخرون ينشرون لدى الناشر نفسه، ممّا يجعل مؤاخذتك تنطبق عليك، أيضا. أذكر، هنا، كتاب ماري كاردينال (les mots pour le dire )، وفيه تشهد الكاتبة بأنّ التحليل النفسيّ قد أنقذ حياتها. هل كان هذا، أيضا، من أثر وهمٍ محض؟

كان من الممكن أن تقرأ، لدى الناشر نفسه، لكاتب  آخر.  أستسمحك في ذكره مادام يخصّني شخصيّا. لك أن تقرأ في كتاب لي قصّتي الشخصيّة مع المعالجة النفسيّة، مع تكاليف الأتعاب المدفوعة، ومدّة الحصص، وغيرها. وأنا، اليومَ – في خريف العمر – مدين لتلك المعالجة بإلإيمان بأنّ هذه الحياة تستحقّ أنْ تُعاش.

عكّازة أخرى معلّقة في مغارة لورد؟  إلى هذا الحدّ، أسألك: من يهذي؟

عندما أصغيت  إليكم في ذلك اليوم [ بالمناسبة  ألم يعلّمك هذا النجاح الإعلاميّ  الإصغاء؟ ] تتكلّم بثقة وتبتسم بهزء ابتسامة  اليقين، فكّرتُ أنّ هيئة كتلك تعود إلى ثلاثة احتمالات: إمّا أنّها  هيئةُ باحث توصّل، بعد أشغال مضنية، إلى اكتشاف المعادلة ( الفيزيائيّة )   E = mc2. وإمّا أنّها تحيل إلى ذلك القدّيس بولس الذي اكتشف يسوع المخلّص على طريق دمشق. الاحتمال الثالث والأخير أن تكون تلك الهيئة لشخص يعاني من البرانويا، فلا يرى في ما يحيط به إلاّ معنى المؤامرة التي يكتشف هو خيوطها.

لست أدري إلى  أيّ الفئات الثلاث تنتمي أنت؟

وفي كلّ  الأحوال، ينبغي أن تعرف ماذا يعني كلامك. لقد بصقتَ في وجوه الملايين من الناس  الذين يدينون بشيء ما إلى فرويد  وإلى تلاميذه.  وهذا عملٌ لا أبرّئك منه.

صحيح، فأنتَ  تعوّدْتَ هذا الصنيع. لقد بصقتَ، منذ زمن، في وجوه الملايين من الناس  حين لم ترَ في إيمانهم باللّه إلاّ ضربا من الأفيون. لقد بصقت في وجوه الجلّة كـ"هرمان كوهين"  أو "ليبوفيتش" اللّذيْن يعتبران "كانط" إحدى العجائب التي أنتجها الذكاء البشريّ. أمّا أنت، فكانط، لديك، ليس إلاّ العقل الملهم للنازيّ إيخمان.

لنكن واضحيْن. أنا معجب بك ! لقد عثرتَ، مغتنما حالة الجهل المعمّم، على التدبير المناسب، وهو أنْ تقوّض دعائم حضارتنا. صار من اللاّزم أن تقرأ، لدى ناشرنا المشترك، كتابي عن مدمّري الثقافة الموسوم بـ (Les Biblioclastes ). فهل تكون أحدَهم؟

وفي هذه  القضيّة بالذات، ليست عوارض الحالة في شخصكم، بقدر ما هي في الحماسة التي يبديها الجمهور لكم. هذه الحماسة  وصمة عار على جبين الثقافة التي نتقاسمها.

مع خالص التقدير.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق