رسالة مفتوحة

أحبّتي الأحياء، في خِضمِّ وجودٍ أو غيابٍ قسريّ، لا مفرّ من التلبّس بالسؤالِ، ولن نقتنع في الأخير إلّا ساعة ردّ فطنٍ. يبقى أنّ الردَّ في ذاتهِ، يُضيِّعُ شاعريةَ النطقِ، يهتكُ اتّساعَ فضاءِ الإمكان؛ لهذا، أرجو منكم جميعا أن لا تَعبؤوا برسالتي هذه، فهي لا تعْدو سوى لحظةِ كبرياءٍ في وقتِ صفوٍ كاذب، أو هي ميثاقٌ أعرج بلا عهدٍ صحيح؛ أنزعُ من خلالها إلى تخريبِ ملامحِ الاستقامة.

الشعرُ يا أحبابي، ليس تكليفاً لملاك شرقيّ، ولا هو وشمٌ شعائريٌّ يعني قدراً جبريّا: هو ليس سوى لغةٍ تستبطنُ الدهشةَ لتبدعَ حافزاً نحو عيشِ زمنِ الخلق. هو نظامُ قولٍ لطيفٍ يحمل قاتلاً رهيباً يحاولُ أن يستفزَّكم من أجلِ أن تكونوا؛ وأن تكونوا، معناهُ أن تُضيِّعوا بلاهةَ الإيقاعِ الموقَّر. سأضيف: الشاعرُ لا يحتاجُ إلى نسجِ جملٍ قديمة. الشاعرُ يحتاجُ إلى جملٍ تعابثُ المعنى داخلَ فضاءِ التغيُّر؛ والمعنى المقصودُ هنا، لا يسكنُ الكلّ إلا بقدرِ ما يستوطنُ التفاصيل. نعم، هراء التفاصيلِ الطقوسيةِ التي تحتاجُ إلى ابتهاجِ الدَّنسِ ليمارسَ الإنسانُ معها مرحَ الحركة.

إنّكم تتمثّلونَ صوراً عديدةً تحتاجُ إلى تحليل، نقد، حفر، نقض، وبناء. ما نكونُه ساعةَ المكاشفةِ الشعريةِ هو رحلةُ بحثٍ واهمةً، بلا قيودِ النهجِ نحو اكتشافِ بؤَرِ التّساكنِ في تشكّلِ الصّوَر، وممارسةِ تطفّلِ تأملِها، ومعاودةِ رسمها مع فرزِ الثابتِ منها في مدىً يتحوّل، أو استبدالِ معانيها كلّياً بنحوٍ جنونيٍّ…

إذاً، لا سرَّ في استكشافِ عوالم البرابرةِ الشعريّة، فسِمتُنا الرفضُ، التمرّدُ، والانشقاق. نحنُ المقبورينَ في خنادقِ الكلماتِ، نحفرُ معانيَ هاذيةً ترجمُ الانْتظامَ العظيم. لا أعرفُ تحديداً، ما الذي يجعلُ صعلوكًا مثلي يستغرقُ في بطونِ المعاجمِ المهجورةِ، والصورِ النجسةِ، والمتاهاتِ المستغلِقةِ، ليتحدّثَ بهذهِ الثقةِ العمياء؟ لا بدَّ أنّي لم أجرِّبِ التعذيبَ، التشريدَ، والقتلَ، حتى أكونَ بمثلِ هذه الثقة. أشعرُ بمللٍ من هذهِ الوجوهِ التي تتصفَّحُني مراراً وتكراراً، وتتساءلُ في مكرٍ خبيث: مَن نصَّبهُ شاعراً داخلَ هذا الوطنِ الكبير؟ ببساطةٍ، يسألونَ لأنّهم يعرفونَ افتقاريَ المربكَ لبلاغةِ السّلفِ في تصريفِ ملاحمِ الشرفِ والعزّة.

لا أحتملُ فكرةَ أن أُرى. تجدُني في كلِّ حينٍ، أبحثُ عن مخبإٍ داخلَ المدينةِ، يجعلَني منسيّاً. لا يهمُّني أن يكونَ قبواً أو قصراً. في النهايةِ الأهمّ من كلِّ هذا، أنْ لا أُرى. إني أختارُ لجسدي أن يكونَ صامتاً بينهم. يتحركُ في دروبِهم القذرةِ بلا مادّة؛ مجرد كائنٍ روحانيٍّ مخفيّ. أُطلُّ على هؤلاءِ المتعبِّدينَ شعراً فأتألّم. أرى شموخاً في محفلِ السّخرية. مهرّجو العصرِ ينشدونَ صوراً قديمةً حتى ينعموا باعترافٍ هجين. لا أحتاجُ إلى أن يراني المتعبّدون، فَفِتنتي في غيابي هناك، خلفَ الجدرانِ، أتلصّصُ بحكمةِ السخفِ على نفسي، وشعبي، ووطني…

مالَكم تجنحونَ إلى تسميتي؟ لستُ ما تريدونَ فهمَهُ، أنا عصيٌّ عن الرّؤية. دعوني ألاعبُ هُرائي بلا حِصارِ العادة. اتركوني ضئيلاً بحجمِ الهباء، أرحلُ عبرَ رياحِ الهجرةِ إلى انْطوائي. تخلَّصوا من صورتي القدسيةِ، فلستُ سوى ماردٍ أرعنَ لعينٍ أسكنُ جداريَّةَ الصمتِ التي تلوحُ لكم هدوءً. اتركوني كشيطانٍ أُدمنُ خمري وأعتقدُ في ربوبيتي الواهمة. لستُ عقيدةً لأحد. اتركوني – بلا قيدٍ – أسقطُ عن جباليَ العالية.

الحافلةُ تشقُّ الطريقَ في اندفاعٍ رهيب.

– سأصلُ لألقي كلمتي، سينتظرُني الجميعُ، فأنا سيّدُ ذاكَ المكان؛ أنا الميتُ، وتلكَ جنازتي.

سترمحُ الخيولُ الأصيلةُ متمتمةً بلفظي، وتجعلُ منيّ نبيّاً آخر. سألحقُها قبلَ أن تنطقَ شفاهُها بهذا الخُسر . لستُ نبيّاً، أنا لُحمةُ الصوتِ مع هذيانِ الصورِ، أستطلعُ مداراتِ رعبِ الابتهاجِ والتقلّبِ لأنشدَ من هذا الوحي لغة. لستُ الأعلى، فاتركوني أمرحُ في معادلاتي العسيرةِ أسكنُ إلى الرؤيا بفتنةِ الخلقِ وحنقِ التيقّظِ وإيمانِ الروحِ القلقة. دعوني أقل: أنا متكلّمٌ آخرُ في مدى التحوّل. لستُ نبيّاً ينطقُ إعجازاً، فلغتي لغةُ كلِّ من ينطقُ من رحمِ المعنى بشارةَ التبدّلِ والعشقِ والانعتاق. تأمّلوا الوجودَ، وتعلّموا من صفةِ الحياةِ أنَّ الشعرَ كتابٌ أزليٌّ لا يحتاجُ أنبياء.

دعوا جنرالاتِ الحكمةِ وسماسرةَ النطقِ الرّصينِ يَسِمونَ أتقياءَ السلطانِ بشاراتِ النبوغ. دعْهم يتحدّثوا ببهاءِ العرفانِ عن فنٍّ لا يخترقهُ ضياعُ السؤالِ وغموضِ الرؤيا، فلن يكتملَ هناكَ المشهدُ إلا بحضورِ شاعرٍ يتكلّمُ سُجّدا. لا تقيّةَ تغتصبُ دهشتي. يتّسعُ فضائي لكوني لا مرئياً: ضئيلٌ في فضاءِ المعنى، أخلقُ تبدّلي، أنا اللاشيء؛ لا صفةَ لي، لا مشهدَ يحتويني بظلالهِ الوارفة.

جرِّدوني من آلاءِ مجدِكم. ذَروني منكسراً أستلهم من خفائي كلماتي النَّزقة. أكتشفُ عوالمَ الفرارِ والذِّهان. أفجّرُ ألمي ليبزغَ معنىً آخر. أهزمُ انسجاميَ مع آياتِكمُ الآبدة. كائني الهزيلُ هذا، يشرقُ تمرّداً، يفكرُ جنوناً، ويحدثُ كذباً، فلِمَ أُقحَمُ في لغوِ التيمّم؟ آهاتي الصاخبةُ تنطقُ رفضيَ من نبعِ تستّري. ذَروني سيّداً داخلَ غيابي، أعتقدُ في جماليَ الآثمِ، أرجمُ ثقةَ ثباتي، أسفِّهُ هيبتي، أعاشرُ أبالسةَ اللعنة. ما الدّاعي إلى أن أكونَ مشهداً قذراً آخرَ في فقهِ أحكامِكم؟ أنا اللاشيء. مجرّد تائهٍ يقبعُ في عبثٍ ماجنٍ بينَ الحفَر. ألِجُ البحرَ شريداً بلا عيونٍ ترمقُ جرمي، ولا وصيةٍ تقيني فحشَ التّلبيس. هامشيّاً على عتبةِ الحمْقِ أطوفُ بين القلاعِ الضائعة. وحيداً أشاهدُ زُمَراً أتقنتِ السكوتَ فأعياها النطقُ الفاضح. هنا، على مشارفِ بوحِ المنبوذينَ أعتصمُ التّجديف، أخطّ بقلمِ السؤالِ اختلافي، هياجي، فنائي…

يأسرُني العجزُ خارجَ لؤمِ العيشِ الهزيلِ، فلن تبلغَ صُوري الغيَّ الذميمَ بغيرِ تفسّخي. لن تزمجرَ ترانيمي الحالمةُ بغيرِ تفاهتي، ولن أعلنَ عميقَ تنوّعي بغيرِ سقوطي. هل تَفهمون؟ أنا اللاشيء، لا كبرياءَ لي، أنا القبْح. هلمُّوا معي إذن، إلى فتنةِ الأشياءِ المعدمةِ لترَوا توقَ هروبِها. إنها تمرحُ في فرارِها الأبديِّ غيرَ عابئةٍ بملكوت. تخلقُ فوضاها من حقلِ وضاعتِها: لا قيمَ ترصدُ كفري، لا خوفَ يقننُ زندَقتي، لا صراطَ يحدُّ رؤاي. هائماً في فسحةِ الخسّةِ أنشدُ قيامةَ المعنى. هلمّوا معي إلى الصّغائرِ كي تدركوا بهجةَ التخلِّي، ولِتفهموا عنفَ التقطُّعِ، ميقاتِ الاحتضار، لسانِ التخلُّص.

وقعٌ موحشٌ يغمرُ اعتقادي. يكتبُني كلماتٍ مبهمةً بإيحاءٍ هامس. هكذا، بعيداً، أكونُ خلفَ استدامتهم مارقاً خليعاً. أثرثرُ فاضحاً بلاهةَ الصدِّيقين، وأشهدُ ضاحكاً مستهتراً أفولي. أعتزلهم لأسكنَ أرضَ الجحيمِ: أحلمُ، أكتبُ، أختلق غموضاً آخر. ما أعجبَ ما أرى في مشهدي اليوميّ: أشياء، تبدو كلهيبٍ يكسرُّ امتدادَ القسوة. كلماتٌ حالمةٌ تتوقُ إلى إنشاءِ وقتِ اضطراب. لا يمكن أن أصدّقَ الموت. سأغنِّي بينكم سيرَتي المشؤومةَ، وأتلو عليكم بِدعتي السَّاذجةَ، سأقول: أنا اللاشيء. لا معنى يشملني، لا واجهةَ لي، لا قيمةَ لي، أنا اللغَط.

أيّها العَليُّون، سمائي بعثرةٌ بلا شخوصِ القدرة. تلاشٍ في زمني الهارب. ذنبي بينكم غيابٌ تحتَ أجنحةِ العدم. ها إني، أخيراً أعترفُ أمامَكم بالنهاية. أعترفُ بمقتلي على أرضٍ يبابٍ وحيداً؛ فقد زالَ اليقين.

من وراءِ نافذةِ الحافلةِ، أرى معالمَ البرزخِ تشرقُ ضياءً فاقعاً. أعاينُ بروزَ الفتَنِ والآلامِ، فتملؤني سخريةً. صراخُ النداءِ يطلعُ كشهبِ العقاب فيزيدُني إصراراً: لابدَّ أن أبلغَ عرشَ الصوتِ فأنبّهَ الأحياءَ لصفةِ الموت. سأحدّثُهم عن وباءٍ يغمرُ شوارعَ ذاكَ النبضِ فيغتالُ القلَم. إني أشهدُ بينكم – على الطريقِ الرّمليّ – زعاماتِ الخفّةِ يسبِّحونَ لجندِ آلِ الخُلجانِ، ينشرونَ رقائقَهم الفاضلةَ على بواباتِ الذّكورة. كم كلمةً نحرتُم؟ رياضُ الخيِّرينَ تلكَ تعصفُ بمدادٍ هائل. تطهِّرُ اتِّساخي، وتكتبُني عباراتٍ أثيرة. لا! لن أسكتَ تحتَ تربةِ الخشيةِ. لن تقبضَ روحي قناطيرُ الخجل. سأخسفُ المعنى. سأنسخُ لوحَ حِفظي المُبين؛ فليبدأْ بَعثي…

تأوهاتٌ غاضبةٌ تتوعدُ انفلاتي. تبحثُ عني بينَ ركامِ الجثثِ، لعلَّها تجدُ نفسي. أين أنا؟ مسرحي الحينَ ظلامٌ مُطبِق. إني أسعى بلغتي المشوّّهةِ إلى توقُّدِ الشعلة. ستصلُ حافلتي محمّلةً بثُقلي البشِع، سأكونُ هناكَ المتحدثَ الكافر. سأقفُ مكفهرَّاً، وأقولُ سفاهةً: «كفى خداعاً!»

تتوقفُ الحافلةُ بجانبِ الطريق. يُفتَح الباب. يصعدُ إليها عزرائيلُ (القاتلُ العظيمُ) بعباءتهِ ولحيتهِ وعمامتهِ البيضاء.

يدثِّرُني بكفني، يخيطُ شفتي، ويقتلُني من جديد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This