رسم وتعليق: حرب في كاريكاتير

– ليست صورة مؤثرة !

– موافقة

– وليست صورة ملائمة للعرض في مناسبة كهذه ! أربعون النكسة !
– أجل، ربما

– وليست صورة أصلا !

– صح، إنها رسم ساخر، كاريكاتير، مأخوذ عن صحيفة لبنانية وقد نشر في عدد ما قبل حرب الأيام الستة، عام 1967 !

– ما المقصود من عرضه إذن ؟ صبّ الزيت على النار ؟ حفر الجرح مزيدا ؟ إذلالنا أيضا وأيضا ؟
– لا !

إنما هو رسم علق في عينيّ مذ رأيته. وكان، كلما نفضت رأسي أو حرّكته يمنة ويسرة، يغور أكثر في البؤبؤين ويتمدّد على بياض العينين. وكأنه أعادني إلى الطفولة. لا طفولتي أنا، بل طفولة عالمنا. العالم العربي أقصد. كأنه أرجعني إلى لحظة بعينها، لحظة تخرج من الواقع بغير إرادتها، فتتوَّج بهالات القداسة وتصطبغ بألوان الغبطة والهدأة والأمان، فقط لكونها تسبق حدوث الكوارث.
– مثلا ؟

– مثلا اللحظة المتقدّمة على مفارقة الصبي جنة الطفولة لدى ولوجه مطهَر الرجولة. أو اللحظة التي تسبق انفجار البركان حيث العشب أخضر والأطفال ملائكة والنساء حوامل بأردية متطايرة بيضاء.

– أو اللحظة التي صدقنا فيها أن عبد الناصر، ومن ورائه الجيوش العربية، مقبلة على هزيمة إسرائيل. حسنا، فهمت ! ثم ؟

– ثم أنه رسم ينتقد بصوت خفيض مرحلة بأسرها. الصورة لا تفعل بقصدها، إنما هو الزمن الذي يفصلنا عنها وكل ما جرى فيه، ما يفعل.

أنظر جيدا وستخال للوهلة الأولى “اليهودي” راكبا على دراجة. لكنك ما أن تحدق أكثر حتى تكتشف أن خطوط الدراجة هي الحدود التي ينبغي له أن يغادرها إلى… البحر (؟). عبد الناصر لا يبدو شريرا إلى هذا الحد. إنه لا يرتدي ثيابا عسكرية، لا هو ولا “عدوه”. وضعيته تشير إلى غضب وثقة وحزم. ليس أكثر. هو لا يحمل سكينا ولا يحمل قنبلة ولا يذبح ولا يهدّد بتفجير نفسه. يرفس “اليهودي” في مؤخرته فيما الجنود يقفون خلفه، ومعناه أنه “مستقوٍ” بهم إذا صح التعبير وأنهم على أهبة.
– وما السبب لوضع كلمة يهودي بين مزدوجين ؟

– ألاحظت أني لم أقل الإسرائيلي ؟ ميلي الطبيعي هو أن أفعل، لكن لا يبدو الرسم وكأنه يحبّذ هذا التوصيف.

من جانبه، يتخذ “اليهودي” المظهر كما أشاعه المعادون للسامية في الغرب: أنف محدودب كبير، وذقن مروّسة وقامة صغيرة معوجّة. القبعة هنا تشير إلى كونه “خواجة” بالتعبير المصري، أي أجنبي وغريب. لكن، لحسن الحظ، ينقذ أنفُ عبد الناصر بحضوره وضخامته الموقفَ فلا يترك الكفة ترجح من جانب معاداة السامية.
– تتحدثين ببرود كطبيب يشرّح جثة. لا، كحفار قبور !

– تقول هذا لأن أذنك اعتادت الغرق تحت سيول الندابين والنائحين. لكن إن شئت، ثمة ما يؤثر فيّ في هذا الرسم.
– ماذا ؟

– الجنود !

السوري يمسك بيديه الاثنتين بندقيته الملقاة أرضا و… ينتظر. اللبناني يمسكها بيد واحدة فيما تشير وضعية ذراعه الأخرى إلى تأهب واستعداد (لأن الصحيفة لبنانية حتما)، أما العراقي… فهو ليس في الصورة حتى.
– إنه خارج الإطار.
– أجل، خارج الإطار.
كلنا خارج الإطار !

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق