رشيد بوجدرة: لا وجود للأبطال في الشرق

(السعادة لا تصنع إبداعا) هذا ما قاله الروائي الجزائري رشيد بوجدرة في الندوة التي عقدها في صحيفة الثورة بدمشق مؤخّرا بإدارة الزميل غازي العلي، يضيف بوجدرة: الألم لعب دوراً كبيرا في تكويني كقارئ وكاتب أيضاً، وحتى كمتلقّ. أنا مهووس بالتشكيل والسينما، هل تتذكّرون (غويا)؟ أنا لم أر عنده إلا الألم والقرف. ومن حقّ للآخرين أن يروا عكس ذلك، لكنني عموماً أشكّ بكلمة السعادة.

في حين يقول الروائي الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز: في بيت دافئ وآلة كاتبة كهربائية ومعدة ممتلئة أستطيع إنجاز أفضل الأعمال، يردّ بوجدرة: (ماركيز) صديق شخصيّ لي وأحترم تجربته، لكنني لا أعتقد أنّ قريته (ماكوندو) التي كتب عنها (مائة عام من العزلة) هي مكان للسعادة، الشيء الآخر الذي أعرفه أنّ “ماركيز” إنسان محبّ للحياة ويضحك، وهو بارع في إلقاء النكتة الساخرة، عكسي أنا. ولديه دائماً خلفية درامية، وهنا دعني أقول إنّ في خلفية أيّ سخرية أو تنكيت مساحة من الألم.

يعتبر بوجدرة أنّ الأبطال غير موجودين في بلداننا (ليس في رواياتي أبطال قط، وأنا لا أكتب عن الأبطال. بل أكتب عن شخصيات تتحرّك في مجرى الحياة. الناس عموماً ليسوا أبطالاً بل هم أشخاص منهم الشجاع ومنهم الجبان، فيهم البطل وفيهم الخبيث أيضاً. وحتى عندما كتبت عن الشيوعيين اخترت البسطاء منهم، وظّفت شخصية خالي وهو شيوعيّ يعمل في السكك الحديدية، ويشرب الخمر. أهميّة الشخصية تأتي في سياق النص والبنية أو التقنية التي تعكس علاقاتها وسياق تطوّرها).

ويضيف بوجدرة بجرأة كبيرة (يتحدّثون كثيرا عن الجزائريين كأبطال، وهنا أتساءل إذا كنا فعلا أبطالا، فكيف احتلّتنا فرنسا كلّ هذه السنين، وكيف سيطر علينا كلّ هؤلاء المستعمرين مئات القرون)؟!

ورشيد بوجدرة يعلن بوضوح، انتماءه للفكر الماركسيّ، ومناهضته للمصالح مع التيار الأصولي الذي يقتل المثقفين والأدباء، على عكس كثير من أصحاب الفكر اليساريّ، الذين تحوّلوا بين ليلة وضحاها إلى الليبرالية، وانضمّوا إلى ما يسمّى تيّار(الليبراليين الجدد)، يقول بوجدرة: (منذ عام 1993 تعرّضت الجزائر لإرهاب أصوليّ حيث اغتيل مئات الصحفيين والمثقفين والمبدعين، وربما هي مفارقة أنّ المثقف في الجزائر هو بالعامّ تقدّميّ وضدّ الرجعية، ويساند حرية المرأة والجمعيات النسوية، وأنا لا أعرف في كلّ الجزائر مثقفاً واحداً رجعياً أو إسلاموياً، وبين كلّ الحركات الأصولية التي ظهرت في الجزائر لم نتعرّف على مثقّف واحد بين صفوفهم). ويتابع: (في هذا السياق كتبت أربع روايات حول الإرهاب، وليس عندي مشروع للكتابة عن ما يسمّى المصالحة الوطنية، وأنا ضدّ هذه المصالحة ولست معها. أنا كنت مع المقاومة في المدن ضدّ الإرهاب، وهم فشلوا عسكرياً فشلاً ذريعاً لأنّهم حاولوا اغتيال الشعب، واغتيال المثقفين).

لا يعترف بوجدرة بالمحرّمات، ونجح في قتل شرطته الداخلية منتميا إلى أصحاب اللغة السوقية (أنا أكتب بحرّية مطلقة باللغتين العربية والفرنسية، وليس لديّ تابوهات في الكتابة، بل ربّما أمتلك بعض الحذر أثناء كتابة رواية باللغة الفرنسية، أو مقدارا من الرقابة الذاتية، وهي أخبث من الرقابة الرسمية، لكنّني في لغتي العربية كتبت بحرّية أكثر، كنوع من الاستفزاز وأنتم تعرفون أنّ اللغة العربية أكثر فطرية، وأنا استعمل اللغة الشعبية والتي يصفها البعض بأنّها لغة سوقية، أكتب اللغة التي يتحدّثون بها في بلدتي شرقيّ الجزائر، وهي لغة شعرية وكثيفة، لغة اللامعقول، لغة الاختفاء والتورية).

وعن موضوعات جيل بوجدرة الروائي يقول: (الجيل الأوّل الذي أسّس الرواية الجزائرية من (محمد ديب) و(مولود فرعون) وصولاً إلى “كاتب ياسين” كان جيل الريادة، جيل عانى من الاستعمار، ومشكلته الأساسيّة في تحرير الأرض والوطن، بينما نحن الذين تفتّح وعينا على الاستقلال، كنّا معنيين بالمجتمع أكثر من الأرض. لذلك حاولنا أن نخلخل كلّ المفاهيم الجاهزة الموجودة في الأدب التأسيسيّ من حيث الموضوعات وشكل المعالجة. لم نكن معنيين بالبطل الثوريّ، ولا بالواقعية الاشتراكية، ومسائل الفقر والعدالة، على أهميّة ذلك، بل ذهبنا إلى الإنسان في عمقه الوجدانيّ والفلسفيّ، كان يوجد خوف لدى البعض من الذهنية القديمة. لكننا حاولنا وبطريقة لبقة أن نخلق شرخاً فيها، حاولنا كسر الثالوث المُحرّم، الجنس والدين والسياسية، ويضيف بوجدرة: (جيلنا ذهب إلى خلق شيء جديد، حاول صنع شرخ مع كلّ ما هو قديم وتقليديّ، ولذلك اخترنا تقنيات وأدوات جديدة، خرجنا على الجميلة البسيطة والذاكرة أو المخيّلة القديمة).

وهل تأثّر جيل بوجدرة بالتراث العربيّ؟: (يُقال أننا تأثّرنا بالأدب الغربيّ، وهذا صحيح، لكنّنا في الوقت ذاته تأثّرنا كجيل بألف ليلة وليلة، تأثّرنا بالنصّ القرآنيّ وبالذاكرة العربية والإسلامية، كما تأثّرنا بالرواية المغربية الجديدة “بروست- فوكنر- جويس..”، وهي الرواية التي غيّرت أسلوب الكتابة الأدبية، ونحن بكلّ بساطة كنّا من قرّاء الرواية الفرنسية الجديدة، بحكم ثقافتنا ولغتنا الفرنسية، أنا أجيد ثماني لغات على سبيل المثال، وبالتالي لا بُدّ أن نتأثّر بهذا المنجز المتألّق. هذه التأثيرات جعلتنا نكتب رواية تحاول أن تكون متميزة ومعاصرة وشاهدة على نفسها وعلى مجتمعها).

وماذا عن بدايات بوجدرة وإصابته بلوثة الأدب؟ (أنا بدأت الكتابة في فرنسا لأنّني كنت أعيش هناك، كتب بداية رواية “التطليق” ونشرت بالفرنسية عام 1970، لأنّه لم يكن ممكناً لها أن تنشر في الجزائر أو أيّ بلد عربيّ، بقيت في فرنسا سنتين ثم ذهبت إلى المغرب حتى عام 1975، وكنت ممنوعاً من دخول الجزائر، وكتبت خمس روايات بالفرنسية. كذلك كتبت روايتي الأخيرة “سان جورج” بالفرنسية، بعدما فشلت في إيجاد ناشر عربيّ لروايتي “تميمون”، فاضطررت لنشرها في ألمانيا، ومن ثمّ تهريب نسخ منها إلى الجزائر وتوزيعها مجانا على الأصدقاء.

رشيد بوجدرة: كاتب وروائي وشاعر جزائري ولد في 5أيلول سنة 1941 م بمدينة عين البيضاء بناحية أم البواقي. اشتغل بالتعليم، وتقلّد عدة مناصب منها، مستشار بوزارة الثقافة، أمين عام لرابطة حقوق الإنسان، أمين عام لاتّحاد الكتاب الجزائريين.

من كتبه: (الحلزون العنيد، الإنكار، القروي، الإرث، ضربة جزاء، التطليق، التفكّك، ليليات امرأة آرق، ألف عام وعام من الحنين، الحياة في المكان، تميميون …).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق