رغم الحصار والتضييق شباب غزّة يكتبون حريتهم وإبداعاتهم / ماجد كيالي

أتاحت شبكات التواصل الاجتماعي على شبكة “الانترنيت”، وضمنها “الفايسبوك”، للفلسطينيين “التعويض” عن تمزّق مجالهم الاجتماعي، إذ مكنتهم من التواصل والتفاعل في فضائها، كما مكّنت شبابهم من تجاوز الإطارات الفصائلية المستحكمة بهم، والتحايل على وسائل النشر، فباتوا يكتبون إبداعاتهم، ويعبّرون عن ذاتهم، ويكشفون عن صوتهم المتميّز، من خلالها.

فعلا مدهش هو هذا “الفايسبوك” فهو وسيلة ثورية فضلا عن انه يصنع ثورة، إذ يتيج للشباب حرية التعبير عن ذواتهم الحرة، ويشجّعهم على التميّز، وفرض حضورهم في الفضاء “الانترنت”. ولا أبالغ بالقول إنني وجدت نصوصا إبداعية (في القصة والشعر والنثر والخاطرة) تبزّ المنشور في أرقى الأدبيات المطبوعة.

لكن بالنسبة لي ثمة حكاية أخرى مع “الفايسبوك”، وهي القصة ذاتها مع شباب غزة الخاضعين لظروف الحصار الإسرائيلي الظالم، والذي تفاقمه السلطة الشمولية لحركة حماس على المجتمع الغزّي، وبالأخص على شبابه، بدواع أمنية حينا، وبدواع أخلاقية، أو بالأحرى دينية في معظم الأحيان.

هكذا بات شباب غزة يعانون الأمرين من الأوامر والتنبيهات التي تصدرها السلطات المعنية في غزة، في مجالات السلوك العام، وفي ما يتعلق بحرية الرأي والتعبير والنشاط، وفي مجال إسكات أية أصوات انتقاديه، إلى درجة تعريض أي شاب للملاحقة الأمنية والمحاكمة والسجن والغرامات المالية والمنع من السفر.

بالمحصلة ففي ظل الحصارين الداخلي والخارجي لم يبق لشباب غزة إلا شبكة الفيسبوك يعبرون من خلالها عن حريتهم، ويكتبون من خلالها معاناتهم وآمالهم وأحلامهم وتوقهم للعيش كآدميين، أو كسواهم من الشباب، وهي كلها تتكشف عن نصوص إبداعية لشباب رائعين حقا؛ لكأن شباب غزة عوضوا عن حرمانهم من الحياة بكتاباتهم التي تضجّ بالحياة، والتي تشعرك بأنها تغني وترقص وتحلم!

هذا يجعلني أدين للفايسبوك الذي عرّفني بكوكبة رائعة من شباب غزة المبدعين، الذين اخترقت أصوات الحرية لديهم أطواق الحصار، من الداخل، والخارج. أصوات حنين جمعة وأسعد صفطاوي وأيمن عويضة ومحمود المنيراوي و حسام خضرة ووسام عويضة ومحمد يوسف ومحمود ماضي ومحمود الشاعر (ثمة غيرهم كثيرون ممن لم يتح لي المجال للتعرف عليهم بعد).

نصوص هؤلاء الشباب تحاول أن تتغلب على بشاعة الواقع فتجعلنا نتخيل الجمال، إنها تحيل الصحراء المجدبة إلى حديقة غناء تتعايش وتتوالد فيها الأفكار، التي تأتي لماحة ومدهشة بل وجريئة حقا. هي أصوات من الجيل الجديد من الشباب الفلسطيني الذي يتطلع لصنع ميدانه وربيعه، أسوة بالشباب العرب في ميادين المدن العربية؛ علما أن هؤلاء من قادة الحراك الشبابي في اذار الماضي.

لا تعدم كتابات هؤلاء الشباب، على جمالها وحيويتها، السخرية والمرارة والجرأة الفكرية. هذا احمد بلعوشة يقول ساخرا: “إذا كان ما يحدث في الشارع العربي من ثورات ضد الأنظمة المتعفنة بسبب مؤامرة أمريكية وغربية , فإن حكم الشياطين لهذه البلاد خير من أن يحكمها هؤلاء المارقون الذين دمروا شعوبهم.” وتأملوا اسعد الصفطاوي، القابع بين حصارين (هو مدعو للمثول أمام محكمة على مادة كتبها)، إذ يخاطبنا: “صباحُ الخيرِ أيها المجانين في العالم الثالث، صباحُ الخير للفقراءِ…صباحُ الخيرِ لعمّالِ النظافةِ الذين يعملونَ الآن… صباحُ الخيرِ لعامل شركة الكهرباء، ولسارق شجرة الجوّافة.. صباحُ الخيرِ للجوقةِ الموسيقية التي على شُرفتي الآن… صباحُ الخير أيها الرائعونَ في هذا الكون”. ويكتب محمد الشيخ يوسف “حكمة” ساخرة يخاطب فيها صديقه قائلا: “الدنيا أكبر حمام يا محمود / حكمة من واحد زحمان”! وهذا محمود المنيراوي في حالة مناجاة يقول لصديقه اسعد: “نحنُ يا صديقي غلابة هذا العصر، وإننا من بَعدِ غُلبنا سنغلبهم. وإن كانوا هم الريح الذي لا يُبقي ولا يَذر، فكن أنتَ الجبل الذي ينحته الريح لتصير فكرة تُسمنُ الجوع فيتحركوا، وتُغني فقراء الكرامة فينتفضوا، وإن لم تكن جبلا، فكن أريج الزهر إن لم تك الزهرة، ستحملكَ الرياح حتماً إلى زهرة أنثى تلقّحها بعض الحق وإن من بعد أريجكَ لأريجٍ أشدّ عبقاً من وقع النبيذ المُعتّق، فلا تهن ولا تحزن إن من بعد الصيف مطرا، وإن من بعد الركود موجا، وإني لأعرفكَ كما تعرف السماء سحابة في حضنها، فكن كما قال الشافعي كعودٍ زاده الإحراق طيبا.” ويجيب اسعد الصفطاوي: ” وأنتَ غلبةُ القلّةِ وقتَ الوقائعِ، أنتَ زادي في هذه الدُنيا وكلامُكَ مزادي…وقُربُكَ صورتي في المرآةِ، وبُعدُكَ هربي من أخطائي…وأنتَ رسالة الموالي لغلمانهم، وطيبةُ الرقيقِ لأسيادِهم…وأنتَ تيجانُ ملكاتِ النحلِ، وأنتَ عسلُ الموسم…أأزيدُكَ شِعرًا أم أُهديكَ قُبلي…أيها اللعينْ أعرفُ بأنكَ تفكّر الآن بقُبلي، لكنني سأُهديكَ أولًا كلّ انحناءاتي لهذا العام المريض…فأنتَ موسمي القادم.

ويطلق حسام خضرة صرخة يعبر فيها عن وجعه من الواقع الغزاوي يقول فيها: يكفي خمس سنوات ضاعت من عمرنا هباء..انا واحد من الناس مش مستعد أضيع أكتر من هيك بيكفي…حديث خطبة الجمعة في المسجد الواقع بجوار منزلنا كان عن أصدقائي الذين سافروا إلى لبنان ليشاركوا في مخيم جمع الفلسطينيين من كافة دول العالم…ابسط يا عم خطيب الجمعة قال عن أصحابي فاسقين.”!

رسالة وسام عويضة إلينا يقول فيها:”نحن الغزيون لدينا كل الرغبة في عيش حياة حقيقية، حياة تتسع للكثير من السعادة، وتضج بالحركة والعمل، أننا نملك وصفتنا الخاصة التي تجعلنا نستحق الانتماء للإنسانية، وأننا نملك كل الخيارات الكافية لتحقيق هذا، وكل التصميم اللازم لجعله حقيقة واقعة، نحن نستحق الحياة يا سادة.” وفي لقاء على “السكايب” كان ثمة حديث عميق مع أيمن عويضة، عن السياسة والفكر والواقع، حديث عن الآلام والاحلام… يجعلك تحسّ بالظلم الذي يقيم فيه الغزيون، والحرمان الذي يعاني منه شباب غزة.

نصوص شباب غزة وكلماتهم تأتيك، من قلب الحصار، حيّة وطازجة وتجدها عميقة وجريئة وحرة…هؤلاء الشباب هم المستقبل الواعد ويستحقون الدعم والإسناد والتضامن، والتشجيع، لا الزجر والتقييد…شباب غزة يستحقون الحرية بل إنهم يصنعونها بأحلامهم وإبداعاتهم، رغم كل شيء.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية 9/10/2911

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق