رفيقا المناضل العربي! / ميشيل كيلو

ليست بعيدة عن أذهاننا صورة للمناضل غلبت خلال حقبة طويلة على نظرة بعض الأحزاب العقائدية والثورية العربية، رأت فيه شخصا يدفعه الجوع والحرمان إلى طلب التغيير السياسي والاجتماعي في معظم الأحيان، بما أنه ينتمي إلى أسفل السلم الاجتماعي، وينضوي في جمهرة فقراء يملي عوزهم عليهم الرغبة في تغيير الأمر القائم، والانتماء إلى أحزاب أيديولوجية تعطي أولوية للفقراء، وتعتبر إنصافهم هدف العدالة، وتاليا السياسة، الرئيسي.

وبالفعل، كانت قيادات هذه الأحزاب تثق بالفقير وحده، فإن كان جاهلا زادت ثقتها به، واعتبرته نموذجا واعدا لمناضل يؤهله وضعه الاجتماعي والشخصي لتنفيذ أية مهمة يكلف بها. هذا الموقف، تجلبب برداء أيديولوجي جعل المنبت الطبقي شرطا رئيسيا لعضوية الحزب، وصفة يمكن بمعونتها تحديد الثوري من غيره، حتى قيل بوضوح وصراحة إن من كان منبته الطبقي يقع عند أسفل السلم الاجتماعي، يكون مؤهلا للثورة أكثر من الذي لا ينتمي إليه، والذي حالت ظروفه بينه وبين امتلاك قدر وافر من الفهم يجب أن يكون مرشحا لدور أكبر في العمل النضالي من الذي يتوفر له علم وعقل، وبلغ التنظير حدا جعل ابن الجوع يفهم بغريزته مشكلات الشعب أكثر من الذي يدرسها، فكأن الفقر هو، في هذه النظرة الأيديولوجية، حال الطبيعة، الذي تنطلق منه حال السياسة، بينما الكفاية المادية، ناهيك عن اليسر والثروة، ليست من حال الطبيعة أو السياسة الصرف، لكونها تشوش أصحابها طبقيا، ويمكن أن تبلبل عقول أصحاب المنبت الطبقي الصحيح من الفقراء والمعوزين، فلا مفر، إذن، من إبعاد الميسورين عن الحزب النضالي، أو من إبقائهم تحت العين، وتذكرهم من حين لآخر بوصفهم مصدر خطر على النضال، وتذكيرهم بضرورة الالتزام بما يتمتع الفقر به من صلابة في الموقف ومبدئية في الرأي، والتصرف كما يتصرف رفاقهم الفقراء.

كان القسام، شيخ مجاهدي فلسطين وشهيدها الأكبر، يقول: 'الحرمان رفيق الجهاد '، فالمجاهد قد يأتي من أوساط اجتماعية مختلفة، بعضها غني وبعضها فقير، لكنه يجب أن يقبل الحرمان ويعيش فيه، وإلا عجز عن القيام بواجباته الجهادية. هذا الكلام صحيح تماما. وهو يختلف كل الاختلاف عن الادعاء الذي يزعم إن منبت المرء الطبقي هو الأساس، وأنه كلما كان منبته أكثر بؤسا، كان هو أكثر استعدادا للنضال. لا علاقة لهذه النظرة بالحرمان، الذي يجب أن يقبل المناضل العيش فيه، ليكون مناضلا بالقول والفعل. نحن هنا أمام الفقر، الذي لم تثبت أية تجربة سياسية ضرورته للنجاح، وأكد مجرى التاريخ والخبرة العكس: أن همّ الفقير الرئيسي لم يكن النضال، بل السعي إلى التخلص من فقره، فالفقر هو، إذن، نقطة ضعف وليس مصدر قوة، كما اعتقد أنصار الأيديولوجية الفقراوية، والدليل، تلك الأعداد الهائلة من الفقراء، الذين انتسبوا إلى أحزاب ثورية، ثم ما أن شبعوا حتى تركوها وناصبوها العداء، ورأوا فيها ماضيا مخجلا، وجهة تريد انتزاع ما في أفواههم، وردهم إلى الجوع الذي أفلتوا أخيرا من براثنه.

هل يمكن تقليص المسألة الاجتماعية إلى مسألة فقر وفقراء؟ وهل العدالة مفهوم ينطبق على الفقراء وحدهم، أم أنه أساس يجب أن تنهض عليه الحياة البشرية في سائر مجالاتها وتجلياتها، سواء كان المرء فقيرا أم غنيا، وكان حرمانه ماديا أم روحيا؟

ليس حصر المسألة الاجتماعية في عدالة توزيع الثروة غير جانب واحد من جوانبها الكثيرة. إنه بلا شك جانب شديد الأهمية، لكنه جانب يستحيل بلوغه، إذا لم تسبقه تنمية تتيح وفرة كبيرة، وتلازمه إدارة رشيدة وعاقلة، وتمهد له وترافقه أفكار ورؤى ترى تساوي بين الأفراد في الحقوق والواجبات، وتعتبرهم غاية أية فاعلية منظمة، فردية كانت أم جماعية، وهدف أي جهد سياسي أو ثقافي أو اقتصادي أو اجتماعي، سواء بذلته الدولة أم الشركات أم قام به المجتمع المدني. بغير هذا، تصير المسألة الاجتماعية مسألة فقراء أفراد، يريدون التخلص من فقرهم بما هو متوفر من وسائل تتيحها لهم ظروفهم، دون أن تنضوي بالضرورة في إطار العدالة الاجتماعية، وتستهدف إيجاد حلول مجتمعية عامة لها. إلى هذا، ليس هناك علاقة سببية بين الفقر والصلابة السياسية، لأسباب بينها أن الفقر غالبا ما يوجد مصحوبا بالجهل، وأن الصلابة تتصل بصحة المواقف والخيارات، المرتبطة بدورها بدرجة رفيعة من الوعي كثيرا ما لا نجدها عند الفقراء، الذين لا يكفي إيمانهم بخط حزب ما لتزويدهم بأسس تمكنهم من امتلاكه وتطبيقه على ظروف وأحوال مختلفة يواجهونها في حياتهم اليومية.

لعب العقل الذي ساوى بين التخلص من الفقر وبين العدالة الاجتماعية دورا خطيرا في تخلف وفوات وعي أعضاء الأحزاب، التي اهتمت بالمسألة الاجتماعية وعملت لإيجاد حلول لها. كما لعب دورا خطيرا في اختيار أعضائها، الذين تدفقوا عليها أول الأمر من فئات المجتمع المختلفة، ثم ما لبث أن وجد المتعلمون وغير الفقراء منهم أنفسهم خارجها، إما بسبب شكوك قيادتها في 'منبتهم الطبقي'، أو في نزعتهم العقلية ونزوعهم إلى النقاش والجدال والمشاركة. ومن يعرف تاريخ هذه الأحزاب، يجد أنها كانت تضيق بالمتعلمين والمثقفين، وبالذين انتسبوا إليها لا ليهربوا من الفقر، بل لإيجاد حلول عادلة لمشكلات مجتمعهم العامة، بغض النظر عن طابعها، اعتقادا منهم بأنها رزمة مترابطة المكونات، وأن حل معالجة أي مكون بمفرده مستحيل، أو وقتي ومحكوم بالفشل.

لكن خروج المتعلمين والميسورين أو غير الفقراء، الذين يملكون الوقت الكافي للتفكير في الشأن العام، ولجمع معطيات ومعلومات عنه وطرح بدائل له، أدى إلى إفقار الأحزاب فكريا ومجتمعيا وسياسيا، رغم أن قادتها رأوا في هذه النقيصة فضيلة، وفرحوا لأن أعضاءها سيصيرون أشد انصياعا لرغباتهم وأفكارهم وسياساتهم، ولم يدركوا حقيقة المأساة التي وقعت، وأمعنوا في تضييق هوامش المشكلات والمسائل التي تصدت لها، الخاصة بالمجتمع عموما وبها كأحزاب على وجه الخصوص، وقلصوا معنى ومجال السياسة كفاعلية مجتمعية أساسا، وضخموا التكتيكي على حساب الاستراتيجي، فانحرف نشاطهم عن طبيعته وتشوه، ونما، في نهاية الأمر، جانبه الشخصي المتصل بهم دون بقية أعضاء الحزب، وتغير معنى الولاء، فلم يعد لسياسات وأفكار وإنما صار لأشخاص ومواقع. بمرور الزمن، وجد معظم الفقراء أنفسهم بدورهم خارج هذا النمط من الأحزاب، الذي طالبهم بتضحيات لم يقدم قادته ما يماثلها، دون أن يترتب عليها أي تحسين فعلي لأوضاعهم.

تخلص عديد من أعضاء الأحزاب الثورية من فقرهم، بعد استيلائها على السلطة، دون أن تحل مشكلة الفقر بوصفها جزاء من المسألة الاجتماعية، التي تعقدت كثيرا وتعمقت وأضيفت إليها أبعاد لم تكن لها من قبل. إلى هذا، فقد الفقر ما كان له من مزايا، في نظر هذه الأحزاب، وصار مشكلة خطيرة وقائمة بذاتها، يمكن أن تنقل الصراع إلى داخلها، بعد أن شرختها مغانم السلطة إلى كتلتين: فقيرة تضم أغلبية أعضائها، وغنية تمسك قلة متناقصة العدد بأعنتها وتسيرها بالطريقة التي تخدم مصالحها. صار الفقر مصدر خطر، ولأن أحدا لا يعرف كيف يتم التخلص منه، فإن كل واحد يهرب منه على طريقته الخاصة، في إطار سياسات معتمدة ومحمية تقوم على الفساد والإفساد، تجعل البحث عن حلول جذرية للمسألة الاجتماعية أكثر صعوبة من يوم لآخر.

لم يعد الفقر والحرمان رفيقا المسؤول، الذي جاء من أحزاب لطالما عرفت نفسها كأحزاب للفقراء. اليوم، صار الكلاشنكوف والمرسيدس رفيقا المناضل، فلا عجب أن 'النضال الحديث' قادنا من مأساة إلى أخرى، وكتم أنفاس الفقراء ومن يدافعون عنهم، حيثما يجدهم!.

 

عن جريدة القدس العربي 22/6/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق