“رقصة البهلوان الأخيرة”… محاكمة ذاتية

ثلاثية “حسيبة”، “هشام”، “فيّاض”، وأعمال أخرى تفوّقت على هذه “الثلاثية” في تقنياتها السردية من قبيل “لو لم يكن اسمها فاطمة” و”فخّ الأسماء”، شكّلت في مجموعها مسيرة روائيّ يُصرّ على إعلان المكان عن ذاته في أعماله، باعتباره هويّة صريحة لانتماء العمل الأدبيّ إلى الثقافة العربية والجغرافيا العربية. روائيّ يمزج قصص التاريخ وأحداثه في سياقات بنائية أدبية تقارب الصيغ الغربية، ولكن بما لا يتنافر والمكنونات العربية في التعاطي الثقافي .

يُطالعنا “خيري الذهبي” في عمله الجديد “رقصة البهلوان الأخير”، بالبيت الدمشقيّ، ولكنّه ليس بيت “حسيبة”، كما يأخذنا عبر الحارات الضيقة وعوالمها الخاصة، وإنمّا في حضور يتأتّى من الذاكرة… وكأنّنا به يُنحّي المكان في روايته الأخيرة من صوره الملموسة، إلى مفهوم الفضاء. فالفضاء المكاني- السينوغرافي هو الإطار الذي يضمّ كل الروائح التي تنعش روح الشخصية، أو تثقل عليها.. هو فضاء الذاكرة التي تقتحم الحاضر، المرسوم في صورة مكانٍ عصريّ بعيداً عن استطالات معاني البيت الدمشقي كما جثم طويلاً في أعمال الذهبي.

بلغته التي يعتزّ بها، يأخذنا الذهبي في رحلة مع “راضي” المسؤول السابق. دكتور في الاقتصاد شغل عديد المناصب الهامة، التي وهبته صلاحيات عدّة وسطوة على جيرانه وأصدقائه وصولاً إلى أهل بيته. لكنه أحيل فجأة إلى التقاعد، كما يرى (وبعد سنتين إضافيتين فوق السنّ المحدّد لنهاية الخدمة) (25). عاد إلى بيته فاقداً سلطته وكلّ ما تمثله هذه السلطة، خاوياً دون صلاحيات، وبالتالي دون سطوته… ودون أيّ عمل يهبه قدراً من الفاعلية. وبالطبع بعد كل هذي السنين لم تسمح له زوجته باقتحام عالمها وأخذ صلاحياتها فقط لأنه لم يعد لديه أيّ عمل سوى الارتكان إلى الفراغ في انتظار رنّة هاتف تعيده داخل الصورة المجيدة… خاصة أنّها قد حمّلته مسؤولية انتحار “خلدون”، وهرب “ناديا” من سلطته وغموضه وبرودته حتى أمريكا حيث لقيت حتفها في حادث سيارة.. لتفقد هي طفليها الاثنين…(59) من هذه الخلفية تبدأ لعبة “الإيميل”.

مُجدداً يبني خيري الذهبي روايته في عدّة مستويات، والحجّة الأدبية أنّ صديقه وعدوّه المهنيّ السابق “سعيد” نصحه بكتابة سيرته الذاتية ليتجاوز حالة الملل والإحباط التي تأسر جسده وروحه، ولأنه معتادٌ على إعطاء الأوامر فقط، يسير به “سعيد” في أحياء دمشق القديمة إلى ما يُفترض أنه “مؤسسة الإنشاء والترميم”، التي ستكتب سيرته عوضاً عنه، وترسلها إليه عبر “الإيميل” ليوافق أو يحذف أو يُغيّر حسب ما يشاء… فقرات السيرة الذاتية التي تحاول بناء الماضي البعيد، من الأجداد الأوّلين إلى الآباء، تفاصيل اليوم الحاضر، والذاكرة، ثلاثة مسارات تتقاطع لترسم الشبكة النهائية لصورة ومسيرة حياة هذا المسؤول، التي تختزن مسيرة وطن، إذ تعود بنا السيرة المتخيلة لحيوات الأجداد حتى ماضٍ تاريخي بعيد، لكنه وكما يرى الذهبي في رواياته، هو ماضٍ يرتكز إلى عناصر تاريخية حقيقة، ولكنها مُجرّد عناصر تدخل في النسيج العام للبناء الروائي، فهي ليست التاريخ، ولكنها ليست أحداثاً مُتخيلة كذلك، وهي في امتداداتها المنطقية التي تصل بنا حتى اللحظة الحاضرة من حياة “راضي”، تمتد بمنطقية سردية كذلك لتصل بناء إلى حاضر زمننا الآن…

شخص ما مجهول الهوية يقتحم بلادة حياة “راضي” الرتيبة، وقبل أن يبدأ هذا الأخير في القراءة الصباحية لصحف اليوم، تأتيه رسالة على رسم طفل (هو يعرفه من زمن ما.. لكنه لا يستطيع أن يتأكد من هويته) (6)… وتتوالى بعدها الإيميلات، صورة جماعية لشخوص ممسوحة الوجوه.. ومع كل يوم جديد يتّضح شخص ما… والقاسم المشترك بين الشخوص كلّها انتماؤها إلى ماضي “راضي”، وماضيه المكانيّ تحديداً.. إذ حين يطلب من مساعده السابق “رشيد” معونته في الكشف عن مصير شخوص الصورة الذين لم يعرف منهم سوى شخصه وشخص صديقه “سعيد”… يكتشف معرفته الوثيقة بالبعض منهم، ممّن كانوا زملاء الشغب والشغف الطفولي، لكنه كذلك يكتشف عدم ارتباطه ببعض الشخوص الأخرى، فقد كانوا مُجرّد سُكّانٍ لحيه الدمشقي. لاحقاً يكتشف “راضي” رابطاً آخر يجمعهم، ولكنه لا يدري كيف يجمعه هذا الرابط بهم… فجميع منهم من مات أو اختفى، كان آخر يوم له بين معارفه هو “يوم الانقلاب”.

ثلاثة مستويات للسرد، لكلّ منها فضاءاته المكانية وعوالمه الزمنية الخاصة، الذاكرة كما الحياة اليومية وإزعاجاتها الإلكترونية، واضحة، تسير في منطقية زمنية مفتوحة إلى الأمام، تبحث في من هو المسؤول عن هذه الإزعاجات وما غايته، كما تحاول الذاكرة تشكيل الصورة النهائية لحكاية الغرام الأوّل، إلا أنّ مقتطفات السيرة الذاتية مركبة في زمنيتها ومنطقيتها، تقوم وفق بينة انشطارية، مساحات زمنية واسعة مُغيّبة بكل أحداثها وتفاصيلها، لكنّ رابطاً واحداً يجمعها. “ذو الخمار” الأمير الذي وُهبَ من الجمال أكثره، فارتفع عن النساء حتى سلبته إحداهنّ رجولته عقاباً. ثمّ “أبو فاروق الخاروفي” الذي وهبَ جمالاً استثنائياً على حين غرّة، فاستغلّ الحرب وفقدان الرجال، ليسود بين نساء المدينة ديكاً عليهنّ، وابنه “ريحان” الذي دمّر الحقول ليُنشئ العمارات الإسمنتية مستعيناً في البدء بأموال زوجته… وأخيراً “راضي”… ففي هذه التركيبة للسيرة الذاتية المُتخيلة- روائياً- لم يكن المهمّ هو الكشف عن تلك العوالم الزمانية والمكانية، بقدر ما اهتمّ خيري الذهبي بإخبارنا عن الخطأ الذي وقع فيه كل من رجال هذه السلالة، وكيف خان كلّ منهم عهده: “لا تخن العهد.. فتتكبر على بني جنسك. لا تخن العهد، فتستغل ضعف الآخر. لا تخن العهد، فترى في خلقتك الموهوبة لك من الله جمالاً مزيّة، وعلى الآخرين دفع ثمن هذه المزيّة. لا تخن العهد فتقتل أخاك لتنقذ نفسك” (205).

تحضر تقنيات “ألف ليلة وليلة” في بناء البنية الروائية، حيث يقص “الذهبي” سيرة عائلة بدءاً بالأجداد الأقدمين، يخبرنا بكل حكاية على اعتبارها حلقة منفصلة عن الحكاية التالية، لا تتقاطع معها إلا في شيئين. الأوّل هو نعمة الجمال، والثاني شكل خيانة العهد لحامل هذا الجمال. في هذه الحكايا المنفصلة- المتصلة، يكون الزمن لولبياً مغلقاً في كل منها، لكنه في تراتبيتها المتشظية- إن جاز لنا القول- زمن مفتوح إلى الأمام في مستوى الذاكرة الكلي، فالقص هنا شكل فني مرتبطٌ بالفعل- السردي المتخيّل- الذي يسير من الماضي إلى لحظة الحاضر بحثاً عن غاية واضحة، ألا وهي الوصول إلى تكوين سيرة “راضي” الشخصية. وعليه ينتهي القص الأدبي مع إتمام حلقة “راضي الخاروفي”، وكشف خيانته للعهد. هكذا تتقاطع مستويات السرد الثلاثة لإخبار القارئ بأفعال حدثت في الماضي وانتهت، وما الحاضر إلا نتيجة لها.. وما كلّ الذي جرى، وكان مُبرّراتٍ أدبية لإنشاء هذه المستويات، سوى عملية محاكمة ذاتية، طلب غفران، وربما يصل بنا الأمر في صيغه المنطقية إلى حقول علم النفس، حيث التحليلات الدقيقة لانفصام الشخصية، والتجلّيات الحياتية التي قد يظهر من خلالها.

إيميل الصباح الأول يترافق بعبارة “وهي الأصيلة… أمية.. وكل حبة وقية”.. عبارة عابرة من نشيد بائع بوظة في زمن ماضي من حياة حي دمشقٍ قديم.. لكنّ “أمية” هي الحكاية.. امرأة ككل النساء الدمشقيات، ككل نسائه العابرات في الرواية، هشّة بلا رجل يحميها، خائفة من سطوة مجتمعها عليها، تنتظر مُعيلها وحاميها، لكنها كذلك فتية، مُغوية، تدرك فتنتها… أحبها “راضي” ولم يكد بعد يبلغ نضجه، ولم تخش الهرب معه إلى عالم من الأحلام، وتأخذه معها في متاهات الجسد، حتى كان يوم ووجدتهما والدته، فطردتها.. وأخذ “راضي” ابن “ريحان الخاروفي” يهيم على وجه حاملاً عدة بائع البوظة، دون أن يملكها، فقط يُنشد “وهي الأصلية.. أمية.. كل حبة وقية”.. وفي طريقه هذا ألهب بجماله قلوب العذارى، حتى كان يوماً والتقاها، سار معها آملاً في قيادتها إلى منزل أخلاه له أهله شريطة التوقف عن التجوال الفارغ، وبين شوق ورغبة قصفت مدافع الانقلاب…

لجمال وجهه أنقذه مخرج مسرحيٌ من جماعة الانقلاب، لكن كان عليه في المقابل أن يُشير إلى أربعة من مجموعة معصوبة الأعين لإعدامهم، ووسيلته برجكتور ضوئي… أشار “راضي” بهي الطلعة إلى صديقه، إلى رجل عامل يكاد أن يكون مُعدماً… وأشار حتى إلى “أمية”.

مسحة فانتازية يُنشئها “الذهبي” في حكاية أصل الأمير “ذو الخمار” الذي ينتمي إلى قبيلة “لعَقة الدم”، وفي الأحداث التي جرت له، ومن بعده للذي كان عادياً وفي لحظة خاطفة غدا باهراً للأنظار “ريحان”، كذلك في القناع الفولاذي الذي حُطّ على وجه “راضي” بعد أن قتل الصديق والمعشوقة ليُنقذ نفسه، قناعٌ حطٌ بقوانين المُتخيّل السردي وحده.. هذا المُتخيّل الغني بحكايات عن أماكن بعيدة وغريبة، حكايات قد لا تكون كلها منطقية أو ذات تراتبية سببيّة واحدة، لكنها وفي نسقها السردي المتداخل تعود بنا إلى أجواء “ألف ليلة وليلة” وزمنها المُغلق على ذاته…

أخيراً يكتشف “راضي” وبفضل مساعدة الطفيلي “رشيد” أنّ من وراء كل هذه الأحداث هو رجل يتخفى وراء اسم “أيوب عبد الغفور”، أمّا صاحب الاسم الحقيقي فهو مراهق اختفى “يوم الانقلاب”، وكان صديق “راضي” الشاعر الذي أمنّه ليوصل قصيدته إلى “أمية” فإن كان له معها سبيل امتهن الشعر مدى حياته، وإن نبذته اعتزل الكتابة، لكن “راضي” أوصل الأمانة على أنها خاصته، فتشاجر الصديقان… وتوفي “أيوب” في حادثة سيارة بعد الشجار بزمنٍ قصير..

يقتطع “راضي” من كل هذه المستويات السردية مساحة يُفكر فيها في معاني الكلمات، في الديانة المسيحية التي فرضت “الاعتراف” ووهبت “الغفران”، وما لبث أن أتت بعدها “البروتستاتية” في حلتها الأكثر عصرية كما تتمثل في صورة الثقافة الأمريكية التي قدمت “المحلل النفسي” عوضاً عن الراهب صاغياً كتوماً لأكثر ذنوب البشر قسوة وخصوصية، وأشاعت “الأدوية” أو “النصيحة النفسية” بدلاً من “مغفرة الربّ”. يُفكر كذلك في الراحة التي تدفع أصدقاءه وأعداءه السابقين إلى خطّ سيرهم الذاتية، فهل هو شكل مدني لثقافة لم يعرفها المجتمع الشرقي، ألا وهي ثقافة “الاعتراف وطلب الغفران” (19). كذلك يُفكر في تقاطعات السيرة الذاتية التي ترسلها لها مؤسسة “الإنشاء والترميم” على أنها مُتخيّلة مع روح وحكايات “ألف ليلة وليلة” وسواها من المخزون الثقافي الشعبي، وينتهي إلى التفكير في معنى اسم “أيوب عبد الغفور”، ليكتشف في ذات اللحظة الزمنية التي يكتشف فيها القارئ، أنّ”أيوب عبد الغفور” هو “راضي الخاروفي” نفسه… وهي لحظة التطابق– السردي- الوحيدة بين زمن الحدث في النص وبين زمن القراءة، كما أنها اللحظة الزمنية المطلقة التي تضع نهاية لسببيّة القص معلنةً انغلاق دائرة السرد، واكتمال الحكاية.

سيراً في هذا المنحى، قد تبدو- كما يشاء للراوي “خيري الذهبي” رسم تقاطعات بين عمليّة الكتابة كفعل بحد ذاتها، وبين مفهوم الغفران- رواية “رقصة البهلوان الأخير” مساحة مفتوحة للمحاكمة الذاتية التي يقوم بها رمز مثل الدكتور “راضي” لكل ماضيه وممارساته، وبالتالي مساءلة داخلية لآليات عمل السلطة التي وهبته صلاحيات هذه الممارسات. “راضي” يخون العهد عندما يقتل أخاه لكي يُنقذ نفسه، لكنه ودوناً عن باقي سلالته ممّن وهبوا جمالاً إلهياً، لم يكن مُخيّراً في قراره، بل كان مُجبراً، فسابقوه إمّا تمنعوا أو استغلوا الآخرين، لكنه هو وحده، من وجد نفسه أمام خيار امتلاك الحياة عبر سحبها من الآخرين، أو التراجع معلناً للآخرين قراره بالموت، وما كان منه سوى ضعف بشري مطلق لفتى في سني نضجه الأولى، أن يختار الحياة، بعد ساعاتٍ من الخوف والتعذيب. الرصاصة الأولى، الإشارة الأولى إلى أحدهم لإعدامه هي الأصعب دوماً، أمّا لاحقاً فرعب فكرة أنه قد “قتل” كفيلٌ بتخديره… كما حلّ به- رمزياً- حين غيّب قناع حديدٌ جمال وجه، ومنعه طوال حياته من التواصل مع الآخرين..

أدبياً تتوقف المحاكمة مع حدود حياة الدكتور “راضي”، لكنها تفتح فكرياً على قضايا أكثر عمقاً وإشكالية، مُعيدةً إلى الأذهان كتاب الراحل ممدوح عنوان “حيونة الإنسان”. فهل كان القاتل حقاً هو “راضي الخاروفي” أم ممارسة عنيفة بحق الكائن الإنساني هي من دفعته إلى القتل؟ وهل كان “راضي الخاروفي” من خان العهد، أم أنّ الزمن لم يعد يعترف بالعهود؟ والسؤال الأهم، من هو المُحاكَم حقاً ومن هو الحاكم؟ من القاتل ومن القتيل؟ وإن كانت هذه الأسطورة هي سيرة د. “راضي” فما هي سيرة تاريخنا الحديث، وما هي المؤسسة الوهمية، أو الذهنية التي ستكون قادرة على البوح بها، وأخيراً، ما هي متطلبات اللحظة الزمنية الكفيلة بإعادة قص سيرة تاريخنا الحديث…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق