رمز ربيع باريس 1968: كوهن – بنديت زعيماً مرة أخرى / مايل تييري

يوم الأحد 7 حزيران، الرجل الذي دخل التاريخ في أيار 1968 بسن الثالثة والعشرين عبر تحدّي شرطة مكافحة الشغب في جامعة السوربون، بايرو وفجّر الحزب الاشتراكي. منذ أربعين عاماً، لا يكف هذا المشاغب اللعوب الذي يغرّد خارج سربه عن قلب الحياة السياسية الفرنسية رأساً على عقب، هو الذي لا يملك سوى هوس واحد: أوروبا.

الساعة الاولى صباحاً من يوم الثامن من حزيران، بدأ مركز لا بلفيلواز الانتخابي للخضر في باريس، يفرغ من الموجودين. في الطابق الأول، أنهى دانيال كوهن-بنديت سهرته الجنونية بشرب نخب… رهانه الخاسر. وكانت المجموعة تحيط به: غابي، شقيقه الأكبر ذو اللحية البيضاء الكثيفة – يصفه كوهن-بنديت مازحاً “إنه مرشدي الروحي” – الذي تقاعد في بريتاني، وبيتي مياليه، محرّرة كتبه في فرنسا، والسينمائي رومان غوبيل. وكان داني قد أسرّ لحفنة من المقرّبين قبل بضعة أيام بتكهّناته الجنونية: سوف تتقدّم لوائح “أوروبا البيئة” على لوائح الحزب الاشتراكي في الانتخابات الأوروبية. لقد خسر الرهان! لكن كان أنصار البيئة على قاب قوسين فقط من أن يصبحوا، ولو لمساء واحد، القوة السياسية الثانية في البلاد. كان يوم 7 حزيران موعد الإنزال الأخضر في صناديق الاقتراع، “يوم الحسم بالنسبة إلى البيئة”، كما يصفه داني.

منذ أسابيع عدة، شعر رئيس التحالف الانتخابي “أوروبا البيئة” بأن الدينامية إلى جانبه. ولم يخفِ نيّته التقدّم على الحركة الديموقراطية وهزم الحزب الاشتراكي في إيل دو فرانس حيث ترشح للانتخابات بالاشتراك مع إيفا جولي. كان يستشعر الإنجاز الكبير. لكن ربما لم يعلم أنه سيكون “مدوياً” إلى هذه الدرجة، ولا تاريخياً إلى هذه الدرجة: “لدينا مليونا صوت أكثر من مجموع أصوات فوينيه وبوفي مجتمعَين في الانتخابات الرئاسية”. إنه سيناريو لا يُصدَّق. في خريف 2008، عندما أطلق تجمّعه لأنصار البيئة، سخر البعض من الارتباط الغريب بين داني، المدافع الشديد عن المعاهدة الأوروبية عام 2005، وجوزيه بوفي، بطل اللا. ويتساءل آخرون عن نجمه: ألم تصب هالة قائد 1968 بالبهتان الشديد؟ ألم يصبح داني مستنفد القوى ومتقدّماً في السن ومتعباً؟ لا تزال عيناه الزرقاوان مفعمتين بالحياة، غير أن شعره أصبح أقل اشقراراً. وسنة 2009 ليست مثل 1999. في ذلك العام، قاد كوهن-بنديت الخضر إلى تحقيق نسبة بلغت نحو عشرة في المئة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية في فرنسا. وهذه المرة، لن تنجح ضربة العودة. أكّد مسؤول من الخضر قبل بضعة أشهر “هناك إنهاك شخصي، إنه يهذي”. كما أن جان-لوك بينهامياس الذي أدار حملة داني عام 1999 ثم انتقل إلى الحركة الديموقراطية، لم يكن يصدّق، فقد قال له الصيف الفائت “إذا حقّقت نتائج 1999 من جديد، فسوف نرفع لك القبّعات!”

غير أن هذا النجاح ليس وليد الصدفة. فهو يعود إلى مرحلة بعيدة، ربما إلى الانتخابات الرئاسية الأخيرة. تردّد نيكولا هولو، أب الدفاع المتلفز عن البيئة، في الترشّح للرئاسة قبل التخلي عن نضاله البيئي. غير أن الميثاق البيئي الذي نشره على الإنترنت حقق نجاحاً كبيراً: 700 ألف موقّع للدفاع عن الكرة الأرضية والحد من استهلاك الطاقة. اقتنع المقرّبون من المقدّم التلفزيوني بالأمر: لم تعد ساعة “الهيمنة الثقافية” التي تحدّث عنها الفيلسوف الإيطالي غرامشي بعيدة. التنمية المستدامة موجودة في كل العقول، يبقى تجسيدها في السياسة. أحجم هولو عن القيام بالأمر، أما هم فلا. بدأ المحامي باسكال دوران وجان-بول بيسيه الذي يعاون هولو في الكتابة، الإعداد للضربة اللاحقة: الانتخابات الأوروبية. وكانا يفكّران في سيناريو معيّن. يجب إقناع هولو بالمشاركة. والشريك المثالي في اللائحة: دانيال كوهن-بنديت. فمن أفضل من النائب الأشهر في برلمان بروكسل لتجسيد أوروبا؟ فهو يتكلّم أربع لغات (الفرنسية والألمانية والإنكليزية والإيطالية)، وتختصر حياته تاريخ القارة: داني المشرّد الذي ولد في فرنسا عام 1945 من والدَين يهوديين ألمانيين هربا من النازية ولم يصرّحا عنه لدى ولادته ظناً منهما أنهما يحصلان بهذه الطريقة على فرصة أفضل للهجرة إلى الولايات المتحدة. في سن المراهقة، اختار الأصغر سناً بين أولاد عائلة كوهن-بنديت (شقيقه غابي فرنسي) الجنسية الألمانية هرباً من الخدمة العسكرية، قبل أن يعود إلى فرنسا لمتابعة تحصيله العلمي في كلية نانتير للعلوم الاجتماعية. هنا غاص داني الأحمر بسن الثالثة والعشرين، في كتب التاريخ. وهنا تحدّى الشاب المشاغب شرطة مكافحة الشغب في السوربون، قبل أن يعيد ديغول قائد حركة 22 آذار إلى ألمانيا، ويصدر حظر إقامة بحقه استمر عشرة أعوام.

ماذا يعني أن يترشّح من جديد في فرنسا بعد أربعين عاماً من أحداث أيار 68؟ كان دانيال كوهن-بنديت يرغب في ذلك. لا شك في أن حياته هي في فرانكفورت مع زوجته إنغريد وابنه بيلا الذي يبلغ قريباً 19 عاماً، والأصدقاء ومباريات كرة القدم (لديه لباس يحمل الرقم 68). لكنه “كان بحاجة إلى تحدٍّ أخير. وكانت الحملة في ألمانيا توحي بأنها ستكون هادئة”، كما يؤكّد أحد المقرّبين. وتصب الحسابات في مصلحة عودته أيضاً: ففي غياب القائد، ثمة خطر بأن يذوب فريق النواب الفرنسيين في البرلمان الأوروبي كما الثلج تحت أشعة الشمس. وهكذا عبَر النائب الأوروبي الألماني الحدود إنما وفقاً لشروطه الخاصة: ليس وارداً قيادة لائحة تقتصر على الخضر. وليس وارداً الوقوع من جديد في الشجارات التحزّبية التي يمقتها. كان قد قام بمحاولتين لإحداث تحوّل لدى الخضر الفرنسيين، وفشل في المرتين. المرة الأولى كانت عام 1999. فبعد النتائج الجيدة التي حقّقها في الانتخابات الأوروبية، نادى ب”يسار أخضر ثالث”، غير أن قطاره تعثّر. وقد طُلِب من داني حزم أمتعته والعودة إلى ألمانيا. فحاول من جديد عام 2007 بعد فشل فوينيه في الانتخابات الرئاسية: أسّس جمعية Horizon Ecologie (آفاق البيئة) ونادى بـ”تكتّل كبير لكل أنصار البيئة قادر على التحالف مع الديموقراطيين-الاجتماعيين والوسط”. بقيت المبادرة من دون متابعة، إلى حين إطلاق Europe Ecologie (أوروبا البيئة).

هذا التجمع هو بمثابة ابن له. وقد تصافح المقرّبون من هولو معه في مقهى قرب محطة الشرق بعد القفزة الخاطئة لمعلمهم. وهو أيضاً من أقنع إيفا جولي. خطوة مؤاتية: ففي خضم الأزمة المالية، كانت القاضية التي نظرت في قضية عملاق النفط “إلف” تحقّق نجاحاً كبيراً في الاجتماعات عبر التنديد بالفساد المالي. وقد أمّن هو الرابط بين الجمعيات والخضر. كان “نقطة التوازن”، “الوثاق”، “المحفِّز”. “إنه لطيف جداً، ويتمتّع بحسن إصغاء حقيقي”، هكذا تصفه بتفاخر سيسيل دوفلو، رئيسة الخضر، التي قادت حزبها للانخراط في المغامرة. لكن في البداية، لم يكن شيء مضموناً: ساد الشك بين الجمعيات والسياسيين. إلا أنهم أنهوا الحملة متكاتفين ويغنّون في شوارع نانت عند الخروج من اجتماع أو يرقصون في قاعة زينيث في باريس. إنه سحر داني؟ “يحب الجميع ويريد أن يحبه الجميع”، بحسب النائب إيف كوشيه. من هنا هذه الذكرى المؤلمة جداً التي احتفظ بها من زيارته إلى لاهاي خلال حملته السابقة في فرنسا. فقد وجّه إليه نقابيون في شركة “كوجيما” الفرنسية لمعالجة النفايات النووية إهانات لاذعة.

يغدق الجميع في حزب الخضر المدائح عليه الآن: يقول كوشيه مندهشاً “إنه في ذروة قوته”. ويعلّق نويل مامير “لا يكتفي بأن يكون رمزاً، يتمتع أيضاً بقدرة خارجة عن المألوف لتحليل المجتمع”. وحتى دومينيك فوينيه الذي نصحه في السابق بأن يتعلّم قول “نحن” بدلاً من “أنا”، ينصفه قائلاً “عند الاستماع إليه، هناك أمور كثيرة قابلة للنقاش، لكن لا يسعنا في الوقت نفسه سوى أن ننجرف بكلامه”. هل نسي الماضي؟ داني الذي يغرّد خارج سربه ويتكلّم كثيراً، داني الليبرالي الذي وقف على المنبر نفسه مع بايرو وبارنييه للدفاع عن المعاهدة الأوروبية عام 2005، داني الذي نصح الخضر بأن يحجموا عن الترشّح للرئاسة ويصطفوا وراء رويال… ربما تقدّم كوهن-بنديت، 64 عاماً، في السن، غير أن أسلوبه يظل فاعلاً. يكفي أن نرى المساعد القديم لشؤون الدمج في بلدية فرانكفورت يدافع خلال أحد الاجتماعات عن “حلم البوسفور” الذي يراوده: دمج تركيا في الاتحاد الأوروبي. المكوّنات هي نفسها منذ أربعين عاماً: رغبة في الظهور في وسائل الإعلام، ميل إلى الاستفزاز، خطب نارية. في كانون الثاني 1968، ذاع صيته عندما استجوب وزير الشباب والرياضة خلال افتتاح بركة سباحة في نانتير. فقد سأله: لماذا لا يهتم كتاب الشباب الأبيض الذي أصدرته الحكومة بالمشكلات الجنسية؟ فأجابه الوزير: برِّدوا مشاعركم المتّقدة بالغطس في المياه.

في تموز 2008، دخل داني الحملة الأوروبية بتصرّف جريء في البرلمان الأوروبي حول موضوع عزيز على قلبه: حقوق الإنسان. كان نيكولا ساركوزي يفتتح الرئاسة الفرنسية للاتحاد ويستعد للانطلاق للمشاركة في افتتاح الألعاب الأولمبية في بكين. فوقف النائب الأوروبي كوهن-بنديت في قاعة البرلمان مرتدياً قميصاً عليها شعار “مراسلون بلا حدود” مع الحلقات الأولمبية المكبَّلة، وقال بصوت مرتجف “سوف تأكلون بالعيدان مع الرئيس الصيني هوو جينتاو، هنيئاً!” يقول زميل له “حضّر خطوته جيداً. فقد غيّر مكانه وجلس في الصف الأول. تعمّد الأمر لتكون الصورة الوحيدة التي تُنشَر في فرنسا هي هذه الصورة”. لكن في ختام الحملة، كادت استفزازات محرِّض 1968 تنقلب عليه. فقد أطل فرانسوا بايرو عبر شاشة التلفزيون ونبش كلاماً وارداً في كتاب صدر عام 1975 – le Grand Bazar (البازار الكبير) – وكان قد أثار جدلاً قبل ثمانية أعوام. يتحدّث كوهن-بنديت في الكتاب عن السنوات التي كان يعمل فيها مدرّساً في حضانة أطفال في فرانكفورت ومشاعره الملتبسة حيال رغبات الأولاد. قال لاحقاً “أشعر بالندم لأنني كتبت هذا كله”. إنها لسخرية قدر: جاء الهجوم من رجل يرفع كوهن-بنديت الكلفة معه منذ سنواتهما المشتركة في البرلمان الأوروبي. حتى إنه دعا بايرو للاحتفال بعيد مولده الخمسين في ستراسبور. ورفع لواء قضيته في شارع سولفيرينو حيث مقر الحزب الاشتراكي في منتصف الليل، عشية الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية عام 2007. لكن هذا لم يمنع داني من أن يؤجّج الخطاب بلطف خلال الحملة عندما قال إن “العذراء لمست” بايرو المهووس بالرئاسة.

بعد نيل نسبة 16.3 في المئة، تقع الآن مهمة جديدة على عاتق داني الأخضر: أن يصبح عرّاب القضية البيئية في السياسة. إلى أي درجة؟ يؤكّد كوشيه “إنه ألطف من أن يكون الرجل الذي يمكنه أن يعيد بناء حزب”. قبل بضعة أشهر تحدّث باسكال دوران معه عن الأمر: فقد قال له المحامي إنه من أجل تحقيق الوحدة، كان لليسار ميتران. أجاب داني “لن أكون أبداً ميتران”. غير أن نجاحه في صناديق الاقتراع يحفّز الفرضيات. عام 2001، تخيّلوه مرشحاً لمنصب عمدة باريس. ماذا سيفعل هذه المرة؟ يخوض السباق نحو الإليزيه سنة 2012؟ يكرّر داني – الذي يملك الجنسية الألمانية – أنه لا يرى نفسه في منصب الرئيس ولا يرغب فيه. مع العلم بأنه وقّع عام 2004 مع رفيقه آنذاك، برنار كوشنير، كتاباً بعنوان Quand Tu Seras Président (عندما تصبح رئيساً). لكنه كان يتحدّث فيه – منذ ذلك الوقت – عن أوروبا فقط.

عن جريدة النهار 21/6/2009
ترجمة نسرين ناضر
“النوفيل أوبسرفاتور”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق