رهانات الثورة السورية / غازي دحمان

بعد الإجراءات الأخيرة للنظام السوري، استقر في ذهن الثوار السوريين أن لا جديد لدى النظام ليقدمه، بل إن هذا النظام، بتركيبته الأمنية العسكرية، ربما تجاوز حدود قدراته على الإصلاح والتغيير. فباستثناء مسودات القوانين وقرارات تشكيل اللجان ودعوات الحوار المائعة، ليس لديه أي ممكنات سياسية تخرج البلاد من أزمتها الوطنية… لذا كان قرار الخروج بالملايين في الجمعات الأخيرة.

النظام أعاد عملية تموضعه من الثورة التي تضرب البلاد في أربعة أركانها، وحدد شكل استجابته النهائية لهذه الظاهرة السياسية، واستتباعاً، جرى تقسيم الشعب السوري إلى مواطنين، وهم قلة، لهم مطالب مشروعة تتلخص في تقديم بعض الخدمات، أما البقية فهم خصوم: إما تكفيريون، وإما فارون من العدالة، وهؤلاء يجب مواجهتهم لا الحوار معهم.

عند هذه الحدود يبدو أن الأزمة السورية دخلت في مرحلة انسداد للأفق واضحة للعيان، تتبدى معالمها من خلال كثافة استمرار مسلسل القتل والتهجير والاعتقالات، وإغلاق الباب أمام أي مبادرات جادة لحل الأزمة، الأمر الذي يدفع للتساؤل عن طبيعة الرهانات التي تتمترس خلفها قوى الثورة السورية.

لعل الرهان الأهم لقوى الثورة السورية ينطلق من واقع المعطيات الحاصلة على الأرض. فثمة من يرى أن التغيير في المشهد السياسي السوري ترسخ نهائياً، ولا عودة الى الوراء مهما صار، وأن أمام الثورة هوامش شعبية وجغرافية كبيرة للتوسع. وما يزيد من قوة هذا المعطى في المشهد السوري، الاعتقاد بأن أوان انخراط الكتلة الكبيرة قد اقترب، ويربطون ذلك بتسارع خطى النظام نحو المنحدر الاقتصادي والمالي، فالأزمة آتية بأسرع مما يُعتقد، وخلال فترة قصيرة ستجف موارد الدولة بما يهدد انفراط عقد فريقين كبيرين يعول عليهما: الإدارة الرسمية التي تضم مئات آلاف الموظفين، مدنيين وعسكريين، وطبقة التجار في المدن غير المتحمسة للتغيير تعريفاً. فالضغوط الاقتصادية المتصاعدة قد تدفع الشرائح التجارية الوسطى والعليا لإعادة حساباتها، ما ينذر بتصدع التحالف معها والذي لن يبقي بدوره المدينتين الرئيستين (دمشق وحلب) خارج الحراك الاجتماعي. من المرجح وقتها أن تضع محاولة سحقه داخلهما البلادَ أمام كارثةٍ حقيقية.

وفي ظل ذلك، تراهن قوى الثورة في سوريا على صمودها في وجه آلة النظام القمعية، وهي تصرّ علانية وبشكل صريح على سلمية تحرّكها ونبل أهدافها ومقاصدها، وترفض بشكل لا لبس فيه التدخّلات الخارجية، كما أنها لا تنطوي على أي توجّهٍ طائفيٍّ أو مذهبي أو إثني يدفع نحو اقتتالٍ أهلي أو تقسيمٍ للتراب الوطني، وتستنكر بوضوحٍ ما يترافق معه من تحريضٍ أياً كان مصدره، وهذه هي الأخطار الرئيسية التي كانت تواجه الثورة في بداياتها واستطاعت تجاوزها والعبور منها إلى مرحلة أكثر أماناً وثقة.

وفي قلب رهانات المعارضة، ثمة رهان، وإن بدا مستغرباً، على تفكك آلة القمع الأمنية أمام زخم الثورة المتصاعدة. ما يعزز هذا الرهان حقيقة أنه كلما زاد دفع جماهير الثورة بدت الجهود الأمنية أقل تأثيراً، أقله لجهة القدرة على الانتشار والتغطية، وقد كان واضحاً أن جزءاً من استراتيجية الثورة قام على أساس العمل على تشتيت جهود الأمن عبر الانتشار الجغرافي الواسع لفعاليات الثورة. وبالفعل فقد استفادت مناطق عديدة من حالة تشتت الجهود الأمنية، وعلى العكس من ذلك كان الوضع كارثياً عندما انحصرت الثورة في درعا وحدها.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية 31/7/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق