رهانات الدستور التّونسيّ

تقديم: Giorgio Agamben
جيورجيو آقمبن Giorgio Agamben :
هو أحد كبار الفلاسفة الإيطاليّين، (ولد بروما سنة 1942)، متخصّص في فكر هيدغر Heidegger، ووالتر بنيامين Walter Benjamin، وهو فوق كلّ ذلك مهتمّ بالفلسفة الوسيطة والدّراسة الجنيالوجيّة لمقولات الحقوق والقانون. تحصّل سنة 2006 على الجائزة الأوروبيّة شارل فيون للمقالة Le Prix européen de l’essai Charles Veillon. اشتهر بصفة خاصّة بأعماله في الفلسفة السّياسيّة حيث درس بصفة خاصّة مسألةَ الحقوق، وتجاوزَ الحقوق… زار تونس في بداية صائفة 2012 وإثر عودته إلى إيطاليا أرسل إلى شباب تونس هذه الرّسالة الّتي نقترح في تعريبها التّرجمة التّالية:
النّصّ:
لعلّ من السّبل الممكنة في قراءة الثّورة التّونسيّة هو أن نرى فيها ظهورا مفاجئا لسلطة تأسيسيّة جديد، ستفضي بعد فترة من النّزاع والصّراع إلى كتابة دستور جديد. غير أنّ التّاريخ علّمنا أنّه في هذه المرحلة الانتقاليّة من السّلطان المؤسّس إلى السّلطان المؤسَّس يكمن بالضّبط خطر مصادرة السّلطان المؤسِّس لفائدة مصالح ترمي بالفعل إلى إبطال نتائج وغايات المسار الثّوريّ. ولأجل ذلك كانت كتابة الدستور لحظة حاسمة، حيث وجب على الّذين يجسّدون السّلطان المؤسِّس، وبصفة خاصّة الشّباب والطّلبة، أن يحافظوا على نفاذ بصيرتهم ويقظتهم.
لقد فُرض المنوال الغربيّ للدّيمقراطيّات التّمثيليّة في تونس على أنّه من تحصيل الحاصل. بيد أنّنا نعلم حقّ العلم أنّ هذا المنوال يعرف بأوروبا أزمة حادّة، قد انتهت بخنق كلّ حياة سياسيّة.
ذلك أنّ ما جرى في الدّساتير الغربيّة الّتي تسمّى ديمقراطيّة هو أنّ السّلطة التأسيسية قد تذوّب في السّلطة المؤسَّسة. وعلى ذلك النّحو قلّصت رقابةُ الأحزاب على التّرشّحات، وقد أضيف إليها انعدام تبديل المنتخَبين، مما يقلص من المشاركة الحقيقيّة في الحياة السّياسيّة لحظة الاقتراع الّذي أضحى أكثر فأكثر مرادفا لسبر الآراء. زد على ذلك أنّ تطوّر البرلمانات في الغرب، بدل أن يكون مقرَّ سلطان السّيادة، قد انتهى به الأمر، في الغالب، إلى المصادقة على أوامر وتراتيب عاجلة اتّخذتها السّلطة التّنفيذيّة. وقد أجهز تلاعب الإعلام بالرّأي على هذا المسار من إفراغ للحياة العامة من كلّ تسييس حيث لم يحافظ على أيّ أثر للنفوذ التأسيسي.
ولا يمكنني، بوصفي أوروبيّا، إلاّ أن آمل في أن يستخلص الدّستور التّونسيّ الجديد الدّرس من تهافت هذا النّظام.
ومن البديهيّ أن السّلطة التأسيسِّية، وهي على ما هي عليه، لا يمكنها أن تدوم في مؤسّسات السّلطة المؤسّسة. إلاّ أنّ نصّ الدّستور يمكنه أن يتوقّع المواضع الّتي تسم بطريقة مّا تجاوزَ السّلطة التأسيسِّية للسّلطة المؤسسة، كأن يسمح مثلا بإقالة المنتخَبين من قبل النّاخبين وباعتماد الاستفتاء الشّعبيّ لإلغاء القوانين (على النّحو الّذي يجري به العمل في الدّستور الإيطاليّ).
ومن الضّروريّ أن نسائل احتكار الأحزاب ونعيد النظر فيها فهي تجنح إلى التّحوّل حتما إلى آلات انتخابيّة خالصة، تسيطر بذلك على الحياة السّياسيّة. وبذلك يمكن للدّستور أن يعترف ويعرّف بالدّور السّياسيّ لسائر التنظيمات النّابعة من المجتمع المدنيّ، مثل مؤتمر الطّلبة والجمعيات.
ومن الواضح أنّ الأمر يعود إلى التّونسيّين على كلّ حال، وإلى الطّلبة والشّباب الّذين كانوا في صفوف الثّورة الأماميّة، بأن يجدوا في سنّتهم الثّقافيّة والدّينيّة المنابع حتّى يتصوّروا دستورا لا يكون مجرّد استنساخ على المنوال الأوروبيّ. ذلك أنّه ينبغي على التّونسيّين أن يعلموا أنّ ما يجري الآن في بلدهم يمكن أن يكون له تأثير حاسم في أوروبا الّتي يبدو أنها بعد أن استسلمت لسلطان الرّأسماليّة الماليّة لم تعد حتّى تذكر ما هي الحياة السّياسيّة. 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق