روايةُ «أهداب» لـ: ياسين رفاعيّة

يتخطّى الروائيّ السوريّ ياسين رفاعيّة، الذي يقيم في بيروت منذ 1965م، في روايته «أهداب»، «الصادرة عن دار الساقي 2008، تقع في160ص من القطع الوسط»، المسموحَ وغير المسموح، دون أن يلتفت إلى أيّة إدانة قد تلحقه، أو أيّ تكفير قد يكون له بالمرصاد في العالم العربيّ الذي تضيق فيه مساحة الحرّيّات يوماً بيومٍ، وذلك في حال تتبّع رحلة شخصيّاته وارتحالاتها، تحديداً تلك السياحات في عوالم انتهاك المحرّم، بتجميل الإثم، ومحاولة تبرير المقترف روائيّا..

يدور المحور الرئيس للرواية بين معرضين، من الفصل الأوّل وحتّى الأخير، يكاد ذلك أن يتلخّص في الإهداء غير الاعتياديّ: «كانت هي اللوحة وكانت الرواية». والرواية تدور في فلك اللوحة التي تحتلّ قلب القلب من المعارض ومن الشخصيّات ومن الزوّار معاً. تغدو اللوحة هي الرواية، تسرد الرواية تاريخ اللوحة المرسومة من قبل الفنّان السبعينيّ «عصام» لفتاة في الثامنة عشرة «أهداب»، إذ تنشأ بينهما علاقة حبّ توطّدها الأيّام واللقاءات المستمرّة، ويبدأ الشجن والعشق والبوح بما يعتمل في الصدور، ما جرى وما كان ينبغي له أن يجري، وما لم يجرِ أيضاً، حيث تكون البطلة منطلقة، متحرّرة من كلّ القيود، تبادر إلى التحرّش بالفنّان، ثمّ تغازله، وهو تائه بداية بين الواجب والواقع والضمير، إذ تدفعه إلى التخلّي عن تأنيب الضمير والاستمتاع بكلّ فاكهتها المحرَّمة، ومن ثمّ التمادي في الاستلذاذ بجسدها المتفجّر إغواء وإغراءً وجنوناً وإعجازاً إلهيّاً، يستحيل أن يوجد له ندّ أو مشابه أو مقارب، كأنّ الله تفنّن في رسمها لتكون معجزته المتنقّلة على الأرض، لتكون لوحته الأروع، التي يباهي بها عباده. بحسب توصيف البطل.

قد يقال عن رواية «أهداب» إنّها مقاربة عربيّة لرواية «لوليتا» ذائعة الصيت لنابوكوف، من حيث نشوء علاقة جنسيّة بين مُراهقة وكهل، لكنّها في الحقيقة تختلف عنها، ويأتي التذكير برواية لوليتا على لسان البطلة أهداب التي تفرّق بين عاشق لوليتا وعاشقها قائلة: «كم هو الفرق بينك وبين بطلها، بطلها معقّد نفسيّاً.. وخاض حبّاً مَرَضيّاً تحوّل إلى مأساة.. هذا لم يحصل بيننا…». ص54. لكنّ الرواية لم تذكر أيّ فارق بين أهداب ولوليتا، هل كلاهما مريضتان بالإغواء، أم هما مدمنتا الإيقاع بكبار السنّ والاستمتاع بسقطاتهم، ومن ثمّ تركهم يعانون الهجر، ليعتاشوا على ذكريات قد تودي بهم.. في رواية لوليتا يكون العاشق المتيّم زوج الأمّ، والعجوز الآخر، الفنّان الكاتب، وهنا في رواية أهداب، يكون العاشق مزدوجاً أيضاً، الأب، والفنّان العجوز.. أي يكون هناك تناصّ بين الروايتين، لكنّه يبدأ بالافتراق في المضامين والمصائر..

يحضر في الرواية سفاح المحارم، وذلك عبر الملامسات التي كانت تجري بين الأب فؤاد وابنته أهداب في سرير الأب، وذلك بحسب ما كانت تبوح به أهداب لعشيقها الكهل عصام، إذ أنّها كانت تحاول أن تعوّض كآبة والدها ويأسه من أمّها؛ وداد، المتجبّرة الطاغية في المنزل، وكأنّها بسلوكها تنتقم لأبيها من أمّها، من خلال اتّخاذ دور الزوجة، ولو ملامسةً، أو تجاهل الملامسة أو التحرّش، ثمّ الإمتاع والاستمتاع بتلك المداعبات الليليّة، لينفجر المكبوت، وينسفح الدم، من خلال تجاوز الأبوّة والبنوّة، عبر الدخول في صلب علاقة محرّمة، والانسياق وراء الشهوة، والانتقام غير المُعلَن من الأمّ التي كانت تستعبد زوجها..

من جهة أخرى تقوم أهداب بدور المعوّضة للفنّان عصام عن حبيبته هدباء التي فقدها في طفولته، تكاد أن تتماهى معها في كلّ شيء، فيظنّ أنّه يستعيض عن هدباء بأهداب، أو أنّ الله قد تكرّم عليه بها في آخر سني عمره، كي يتنعّم بدرَرِها، مختتماً عمره وفنّه بأجمل لوحة قد تُرسَم، لأجمل فتاة قد خُلقِت.. كأنّ تشابه أحرف اسميهما عكس تشابه صورتيهما في مرآة ذاكرته التي زاوجت بينهما، فلم يعد يميّز بين هذه وتلك، كأنّ هدباء استُعيدت من قبرها وتجسّمت في هيئة أهداب، لتعوّضه عن المرارات التي ذاقها، وعن المعاناة التي عاناها بفقده لها..

تأخذ أهداب دور المضحّية، فتعوّض أبيها عن بؤسه، وتحيل حياته إلى سعادة من خلال الاستسلام له، كما تحيل حياة الفنّان إلى متعٍ مفاجئة لا تنتهي، تروي من خلال ذلك شبقها المَرضيّ في بحثها عن اللذّة المنشودة والخلود المأمول، عبر رغبته المحمومة في رسمها عارية، في لوحة تبقى أمد الدهر مذكّرة بعنفوان جسدها وسطوة جمالها، حيث إبداع الله والفنّ مجسّدان فيها. أهداب اللوحة، وأهداب الرواية معاً. أهداب المعبودة في الحالين.

ينشأ تواطؤ سرّيّ لا يلبث أن يصبح علنيّاً بين أهداب وأبيها وعشيقها، ثمّ بين الأب والعشيق، فيما بعد، حيث يكون كلاهما شهيد عشقها، وكلّ واحد منهما من جهة معيّنة، يقنع الأب أنّ ابنته ليست إلاّ موديلاً وملهمة لفنّ رائع لا يموت، ويحاول الفنّان أن يقنع نفسه بتبريرات تساعده على المقاومة في ظلّ انحسار طاقاته بعد وصول نبأ زواج أهدابـ:ـه. يشكّل موت خالة أهداب مفصلاً ومفترقاً، يجتاحها الحزن، ويعيدها إلى الواقع، بعدها، تُخطَب لتتزوّج زواج مصلحة، ثمّ تترقّى العلاقة، لتصبح أهداب أمّاً لولدين تسمّيهما فؤاد وعصام، كأنّها بذلك تنقل العاشقين من مركز الأبوّة والعمومة أو الصداقة، إلى البنوّة، وهي التي كانت أمّاً عطوفاً هنا وهناك، مع أبيها والفنّان، ثمّ مع ولديها اللذين توقف لهما حياتها ومستقبلها.. كأّنّها تلوذ بالاستتابة عمّا اقترفته من فواحش، دون أن تلعن أحداً، ودون إعلان توبتها، وذلك عبر التطهّر بتكريس نفسها لولديها، مع عدم إغفال الإطلال على عاشقيها الآخرَين؛ أبيها والفنّان، من باب الرأفة والشفقة، ولكن بنبرة وسلوك بعيدين عن رأفتها وشفقتها السابقتين.. كما يكون الوفاء بالوعد الذي قطعه الفنّان على نفسه بعدم بيع لوحة «أهداب»، تلك اللوحة التي صنعت شهرته وخلّدته في عالم الفنّ، إذ أنّها تشكّل بالنسبة له روحه وقلبه ونفسه، ولا أحد يبيع كلّ ذلك.. حيث يوصي بها لصاحبتها، التي ستورثها لأبنائها وأحفادها من بعدها. يأتي ذلك كردّ للجميل، وكتقدير من الفنّان للوحةٍ تفوق قيمتها كلّ الأثمان الخياليّة التي قد تدفع في سبيل حيازتها. ليقول إنّ الفنّ أهمّ من النقود. وإنّ هناك أشياء يستحيل شراؤها..

تشكّل رواية «أهداب» غزْلاً متقناً بين فنون عدّة، حيث يكون الشعر بطل السرد، والسرد المتدفّق غير المتقيّد بقيود كلاسيكيّة محور الحكي، واللوحةُ الروايةَ كلّها، يكون الفنّان شاعراً وروائيّاً، يغوص عميقاً في دواخل شخصيّاته، يعرّيها وتعرّيه، وكلّ ذلك في عالم الرواية التي لا تعترف بقيود قد تفرض عليها، ولا تنقاد لتقعيد أو تقنين.. وتكون بيروت بفنادقها وبيوتها، بسكّانها وزوّارها، بصخبها وهدوئها، خلفيّة مكانيّة للأحداث، لا تتنازل عن موقعها الرياديّ كبلد للحرّيّة، وقدرتها العجيبة على احتواء المتناقضات، بل والسعي إلى المؤالفة فيما بينها..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق