روايةُ «المنغوليّ أو مجهول الريح» لـ: إبراهيم محمود – البحثُ عن اللذّةِ الكاملةِ الكامنةِ في الجسد القاصر

«المنغوليّ أو مجهول الريح» رواية للكاتب السوريّ إبراهيم محمود، صدرت عن دار الينابيع 2009م. تقع في 318 صفحة من القطع الوسط. يتحدّث فيها الكاتب عن سيرة طفل منغوليّ، أي طفل مصاب بمتلازمة داون. كما بات يطلَق على الأطفال المصابين بهذا المرض، وذلك بعد أن احتجّت دولة منغوليا على تسمية الأطفال المرضى بالمنغوليّين، واعتمدت الأمم المتّحدة هذه التسمية الطبّيّة لها منذ السبعينات من القرن العشرين.

المنغوليّ؛ منغوليّه، في الرواية، كأمثاله كلّهم، يعاني ضعف العضلات، رقبة قصيرة، تجويف صغير للفم، ميل زاوية العين مع وجود طيّات كثيرة للجلد من الزاوية الداخلية لها.. إلخ تلك الصفات التي تميّزهم، لكنّه يختلف عنهم بأسرار أو ألغاز يتمتّع بها جسده دون أن يكون له اختيار فيها.. فهو «أزو»، ومعناه أنا، أو هو شبيه «نرسيس»، كأنّ الكاتب يودّ من خلال تسمية شخصيّته الرئيسة بهذا الاسم الذي يعني الأنانيّة، أن يلبّس المنغوليّ ما لا يستطيعه في الحالات العادية.. فالأنانيّة، كما هو معلوم، تفترض امرِئاً عاقلاً، يتمتّع بقدر من اللؤم، يعرف قيمة ما عنده وقيمة ما سيمتلكه، لذلك ينطلق من مصلحته الذاتيّة ويغلّبها على كلّ ما عداها، لكنّ المفارقة في الرواية، أنّ المنغوليّ، لا يعرف قيمته ولا قيمة ما يمتلكه، ورغم ذلك يختصر الأنانيّة في اسمه، ولا يختصرها في أفعاله، بل تكون أفعال المحيطين به وتصرّفاتهم هي التي تنطلق من أنانيّتهم التي يسعون من خلالها إلى إرواء شبقهم، وجنونهم من خلال أزو الذي يصبح الضحيّة، يغدو الأنانيّ المفترَض، الإيثاريّ الحقيقيّ، في حين يغدو الإيثاريّون المحتمَلون أنانيّين واقعيّين، ينتصرون لشهواتهم، التي يَرْوونها من خلال جسد أزو الذي لا يعرف ما يستكنهه، ولا ما ينطوي عليه. أي هنالك قلب للمعاني، وبالتالي قلب للسلوكيّات، فالمنغوليّ القاصر عقليّاً، يغدو مُسيّر القرية، حاكمها وحكيمها، دون أن يدري ودون أن يختار أو يُستشار، يصبح المتبوع أينما حلّ وارتحل، تتبعه كلّ النسوة، لأنّ جسده المشوّه ينطوي على لذائذ ما كانت تخطر لهنّ على بال، يخشاه كلّ الرجال، لأنّه يودي بهم وبأدوارهم الذكوريّة.. كما أنّه يشكّل مصدر اشمئزاز لمن حوله في كثير من الأحيان، وذلك عندما يطلق ريحه الكريهة التي يعكّر بها الأجواء، وذلك في كثير من المواقف التي لا تعجبه، أو تلك التي تدور في فلك النيل من الذات أو الآخرين، في معرض التشاور فيما لا يجدي.. وكأنّه بسلوكه – بريحه، يستنكر ما يشاهده، من دون أن يكون واعياً أو مدركاً له، يفتّت مجالس القرويّين، ويبلبل هدوءهم، لينفضّوا إلى بيوتهم، ويفكّروا في ذواتهم قبل أن يفكّروا بالآخرين.. وأزو يشكّل حالة إشكاليّة لمن حوله، كأنّه يُمرئي دواخلهم دون أن يعرفوا ذلك، أو كأنّ كلاً منهم هو صورة الآخر، هو بعتهه وقصوره، وهم بتيههم وضلالهم وشرورهم واقتصارهم على الصغائر.. «لا أحدَ يستطيع فهم أزو، ولا هو بدوره يملك اللسان الذي يساعده على التعبير عمّا في نفسه من مشاعر وأحاسيس مختلفة، حيث تكون هذه شديدة التداخل، أكثر من ذلك يكون أزو بالنسبة لنفسه كائناً غريباً، إذ أنّه ينظر إلى كلّ شيء يمتدّ أمامه، وفي وجوه الناس من حوله، وحتّى الحيوانات الموجودة، دون أيّ شعور بحالة نفسيّة ما، كما هم الذين يعيشون في قريته وما وراء قريته هذه».124.

تنقسم الرواية بحسب أحرف اسم «أزو»، أي إلى ثلاثة فصول، وكلّ قسم بدوره يتوزّع على عدد من الفصول.. تجري أحداث الرواية في قرية مفترضة في مكان مفترَض، تعرف وتشتهر باسم «أزو» الذي يصبح مركز القرية والقرى المجاورة كلّها.. يسرد الكاتب الوقائع على لسان الحكواتيّ في كثير من الفصول، كما يسلّم مقاليد السرد، أو الحكي، للشخصيّات نفسها، كي تعبّر عن نفسها، أو تحكي تاريخها، والتواريخ والسير كلّها لا تتجاوز المواقف والحوادث التي اعترضت تلك الشخصيّات في القرية، بينما تاريخ الجسد يكون الركيزة في كلّ ما يجري، حيث يكون الجميع مدفوعين بقوّة الجسد وطاقاته، تسيرّهم شهواتهم ورغباتهم، حتّى أولئك الذين يصطنعون الرزانة أو الحكمة أو الهيبة، تراهم ينقادون وينساقون وراء شهواتهم الجسديّة ورغباتهم الجنسيّة التي لا تفتأ تتحكّم بهم، وبحيواتهم ومصائرهم…

يعالج الكاتب في الرواية، واقع قرية مُهملَة منسية، يحترف أبناؤها النيل من بعضهم البعض، دون أن يفكّروا بمستقبلٍ أو تطوير، وعندما يفاجؤون بغريب وافد، تراهم يكشفون له عن كلّ شيء، ويبوحون له بكلّ ما يملكون، وعندما يستجدّ أمر معهم، يحتارون فيما بينهم، ولا يصلون إلى قرار يقرّونه، لأنّ كلّ واحد منهم يدّعي الحكمة والرئاسة، ويزعم أنّه الأدرى، فيكون الشقاق في الانتظار.. ويغدون كلّهم الضحايا..

يتقاطع الكاتب في اختيار شخصيّته الرئيسة بالصفات التي اختاره من أجلها، مع الروائيّ العالميّ باتريك زوسكيند في روايته الرائعة العطر، والتي تحوّلت إلى فيلم سينمائيّ، وذلك من خلال الروائح خاصّة، حيث أنّ بطل زوسكيند غرونوي، يكون معدوم الرائحة، يبرع في اكتشاف العطور، يغدو أسطورة في التفنّن بالتلاعب بها، وتطويع الأهواء والأشخاص لسطوته وجبروته، من خلال تأثير العطر النفّاذ فيهم وعليهم، فيستكينون له، ويرتهنون لأوامره ورغباته، في حين أنّ البطل أزو، لا يعرف ما سرّ سطوته وقوّته وتأثيره النفّاذ، بل يتمتّع بريح منفّرة تؤثّر في كلّ من حوله، وجسد يمنح لذّة ما بعدها لذّة للنسوة اللواتي كنّ يصطدنه ليتمتّعن بجسده الذي كان يفقدهنّ كلّ طاقة على الاحتمال أو المصابرة بعيداً عنه.. أي أنّ أزو كان ضحيّة النساء، ينطلق بعفويّة وبلاهة، في حين أنّ الفتيات في عمر محدّد كنّ ضحيّة غرونوي الذي كان ينطلق من لؤم ودهاء.. وتحتل الروائح حيّزاً كبيراً في الرواية، فعدا شخصيّة أزو، الروائحيّ، الذي تخدمه ريحه ورائحته، وتصدم مَن حوله، يكون هناك بهنوكو؛ الشمّام، الذي يتتبّع الناس في الخلاء، ويميّزهم من خلال مخلّفاتهم، بل ويبدع في التمييز بينهم، وكشف ما يعتريهم من علل، وما يعانيه كلّ واحد منهم من أمراض جسديّة أو حتّى نفسيّة.. كما قد يتّخَذ من الروائح وسيلة للنيل من أحدهم، عندما تصبح الروائح دليل إدانة أو مركب سخرية وتقزيم، وذلك عندما يقال: «هذا الذي تعوّد بيته على رائحة الغرباء، هذا الذي يظلّ غريباً على فراش المدعوّة زوجته، هذا الذي تضربه زوجته… الذي فاحت رائحته الكريهة في كلّ مكان». ص163.

يعتمد الكاتب بشكل رئيس على التوصيفات والألقاب، فلكلّ امرئ لقب يشتهر به أكثر من اسمه، وهي سياسة دارجة في المجتمعات المنغلقة على نفسها، والتي يكون أمر بسيط شغلها الشاغل.. ومن تلك الألقاب: المرأة الريشة، القنطريون، ذو الحكّة، بهنوكو، التلّة البطن المتهدّل، ذو الرأس الخريفيّ.. أي يكون التنابز بالألقاب قائماً على قدم وساق، ولا يكون ذلك كلّه مُجدياً بل يكون مودياً بكلّ خير القرية، وبالقرية نفسها في النهاية، لأنّ الألقاب تكون مخادعة للحقائق، ولا تحفظ تواريخ أصحابها، لأنّها لا تعكس شخصيّاتهم الواقعيّة، ولا تؤرّخ مجريات حيَواتهم من وجهة نظرهم، بل تدوّنها بحسب المتحكّمين بهم، يؤكّد ذلك الحديث الذي يجري في نهاية الرواية بين الغريبَين اللَذَين يستطلعان القرية، إذ يقول أحدهما للآخر: «أتأكّدتَ، لَكم فقد أهل القرية هذه ذاكرتهم، وما عادوا يميّزون فيما بينهم؟»، ليردّ الآخر منتشياً: «ذلك لأنّهم ساوموا على أسمائهم، فخانتهم ذاكرتهم التي هي ملك معلوم للأسماء وحدها، والألقاب لا تستجيب لرغبات أصحابها طويلاً، لأنّها مخادعة تماماً». ص318. كما يكون كلّ محرّم معمولاً به، وإن كان في نطاق المعتَّم عليه، في الغرف والبيوت المغلقة.. وهذا يعرّي التنافر والتناقض بين الظاهر والباطن، يظهر الكاتب الباطن، ويكشف عمّا يجول في الدواخل وفي الخفاء، يعمّمه كتابيّاً، مُديناً تخبئته حياتيّاً، بحسب المعمول به..

رواية المنغوليّ، تختزن الكثير من القصص والمآسي والمفارقات، وهي رواية الأصوات وأصدائها، رواية الجغرافيا التي تتحدّد وترتسم معالمها وتضاريسها، ولا تتسمّى بأسماء ثابتة كي تبقى مُعمّمة، هي رواية الأجساد التي يهلكها البحث عن اللذّة ومشتقّاتها، في بقعة لا تمتّ إلى أيّ شيء بأيّة صلة، ذلك أنّ أهلها ارتضوا الذلّ وأضحوا رهائن اللذّة الناقصة والمذلّة الكاملة معاً..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This