رواية السيرة وكتابتها على حد تعليق الحادثة والفعل وإلغائهما / وضاح شرارة

قد يكون طلبُ محمد الشيخ علي شرارة (أنظر «نوافذ» عدد «المستقبل» في 23/8/2009، إيجاز كتاب بلقيس شرارة في أبيها «محمد شرارة/ من الإيمان الى حرية الفكر»، دار المدى، دمشق وبيروت وبغداد، 2009) لنفسه ولغيره الحق في تقديم الهوى والميل والرأي على العرف السائر والملزم، إسهامه الأول في صنع سيرته، وربما في وحدة السيرة هذه وتمامها على صورة «قدر» يجمع شتاتها. فسفر فتى عاملي لبناني يتحدر من «جب» أو رهط معممين، اوائل القرن العشرين، الى النجف وجامعاتها، أو علمائها وفقهائها، ودراسته على هؤلاء علوم الفقه الإمامي الجعفري، وتوقع الفتى وأهله إما عودته الى بلده مفتياً أو إماماً أو إقامته في الحوزة مدرساً مجتهداً، كان هذا أمراً معروفاً، وطريقاً مسلوكة ومعبدة. وهو لا يقتضي غير يسر الأهل، أو قلة عسرهم، وميل الصبي، وهو في سن الاحتلام أو في مقتبل المراهقة، الى «العلم» ومكانة صاحبه وإلى قيود المكانة وامتيازاتها جميعاً.

والحق ان الفتى لم ير الى المسألة على هذا الوجه. فهو جمع الى الرغبة المفترضة في «العلم»، والسفر إليه، والإقامة بحاضرته الشريفة والمقدسة بجوار المراقد والأضرحة، ميلاً الى اللغة العربية وأدبها وشعرها في المرتبة الأولى، وعشق قريبته الصبية، وإعلانه العشق هذا شعراً أي نظماً، وربما سعيه في زواجه بها، على ما لم تكن العادات والأعراف تنكر او تدفع. فزواج بالغين وقريبين سويين كان قريباً ان يكون التقليد الغالب. ولكن ما لم يكن تقليداً هو ان يجهر الفتى المقبل على العمامة، والوارث على نحو أو آخر «عمامة أجداده» الأجلاء، عشقه، وينشد على ملأ الأهل كلفه ببنت «خاله» (وهو خال والدته، ومن السادة الحسينيين)، وكلفها به.

[ العلم والغزل
ولا يبعد هذا كثيراً من مفارقات القرابة العربية. فقيس بن الملوح العامري، وهو من وضع الرواة والرواة لا ينطقون عن انتحال وابتداع خالصين، ينكر عليه عمه، والد ليلى، تشبيبه ببنت عمه، وهي تكاد تكون محبوسة عليه. ويعزو الى التشبيب بها، وإعلانه حبها، امتناعه من تزويجه إياها. وقيس بن الملوح لم يكن ينوي لا جمع الحديث ولا تحقيقه، ولا درس أسباب النزول ولا رواية تفسير المفسرين في ضوء روايات أشعار الجاهليين و «أدبهم»، على خلاف صاحبنا. ويزعم أحد الأخبار ان والد ليلى منع قيساً، ابن اخيه، منها حين تقدم الى طلبها احد موسري العشيرة. وحملُ الخبرين واحدهما على الآخر يقود الى التخمين في ضعف أواصر العشيرة (العربية) في ديرات قريبة من طرق القوافل، اضطر أهلها الى الرعي غير بعيد من بادية الشام، ومن ولاة شديدي القبضة. فأنشأ رواة الأهل واخباريوهم أعرافاً منحولة، وحكموها في نزولهم عن بناتهم لأقارب لا حق لهم فيهن، و «صادف» أن كان الأقارب من أهل اليسر. وهذا اجتهاد عملي كبير، وقرينة على احتساب الأعراف عوامل طارئة مثل الإثراء من تجارة، أو من عمل السلطان، وتأصيلها العوامل هذه من غير حرج ثقيل.

وجر العشق وجهره على الفتى الشاعر والمتأدب، والمزمع وراثة أجداده الأجلاء، إنكار والده الشيخ، مدرس المدرسة المحلية، وموظف الإدارة اللبنانية (الفرنسية) الجديدة، والمعمم المتواضع (فهو لم يسافر الى النجف)، وناظم الشعر التعليمي في هجاء أقرانه «العلماء» المتحدرين من أسر عاملية نجفية عالية المكانة الاجتماعية. ويبدو الوالد الشيخ في مرآة نظمه النهضوي، «عامياً. فهو ينكر على أشباه «كبار» العلماء سمتهم وقيافتهم ومسرحهم، ويرد عليهم ضعف علمهم الحقيقي، وينتسب الى «قومه» ويتنكب «السمو به الى العلى» (على خلافهم؟ وبعضهم شاع عنه مماشاة المحتل المنتدب وقيادة «الثورة» عليه معاً). و «العامية» المرتبية هذه تتبنى من غير مساومة ولا تراخ محافظة علمية واجتماعية صارمة، وتمسكاً لا هوادة فيه بتقاليد العلم والعلماء. فلا يليق، في اعتقاد الشيخ المدرس والموظف المحلي، ان يقول ولده، المزمع سفراً الى «جامعات» النجف الأشرف والدراسة على كبار المجتهدين من زملاء عمه (جد الفتى لوالدته) «الشيخ موسى»، في بنت خاله أو قريبته غزلاً و «تشبيباً».

ولم يفهم الفتى ماذا يرتب عليه، منذ يومه وهو لما يزل عامياً أو «جاهلاً» على قول بعض أهل التوحيد، عقده العزم على العلم وطلبه من إمساك عن القول واقتصاد فيه. وحسب، ربما، أن شأنه وشأن الشريف الرضي، «جامع» «نهج البلاغة» وصاحب «يا ظبية البان»، واحد. وما لم يحرم على العلوي الكبير يحل له. وإذا صدق حسباني ان الكاتبة، صاحبة سيرة والدها غداة ثلاثين عاماً على وفاته ونحو تسعين على «حادثة» 1920 (أي السفر الى النجف ووقوع الخلاف مع الوالد، الشيخ علي)، إنما تردد اليوم ما قاله في سره أو علنه والدها يومذاك فهي تكتب: «العقلية التقليدية لا تعي ان الصبي يتعين عليه ان يمر بدور المراهقة»، ووالد الفتى «كان يجهل أهمية عاطفة الحب في سن المراهقة» ودور الحب في «كيان الإنسان» (ص 26) إذا صدق حسباني هذا، فما ذهب إليه الفتى العاشق، والمزمع التعمم وطلب العلم، إيذان بهوة جديدة وعميقة بين جيلي الآباء والأولاد. فـ «المراهقة»، على معنى اضطراب تعريف النفس أو الذات والتماس الواحد (والواحدة) مثالات متضاربة ومتنازعة يحتذي عليها أو يلبسها، هذه «المراهقة» واقعة نفسية واجتماعية ثقافية نشأت عن تصدع هيئات المجتمعات «الحديثة» وروابط أهلها، وخروجها عن ترتيبها العضوي المفترض. والترتيب هذا «يستبق» اضطراب تعريف النفس (والاستباق زعم وتخمين يولدان تلية تبلور الواقعة واستوائها اختباراً عاماً أو شائعاً)، ويقطع دابره قبل تظاهره وانبساطه. و«إصابة» الفتى به عرض من أعراض نشأة ضرب من الفردية تخالف الجميعية العضوية التي ترتب الناس، سلفاً، على مراتب، وتعرفهم الى أدوارهم ومحالهم وزيجاتهم ومهنهم وعصبياتهم وعداواتهم.

[ تفجع الوجدان
والحق ان ما أُجمله وأجمعه على النمط هذا وأفردت له مرغريت ميد في «بلوغ سن الاحتلام في (جزر) سامووا» الأوقيانية (1928) وصفاً ضافياً وباقياً معلم يصل الفتى العاملي البنت جبيلي، وسيرته، بـ «سيرة» المجتمعات والعوالم التي وجه وجهه إليها، واستقبلها في عقود القرن الماضي الأولى، وتقلب بين أظهرها. وآية السيرة هذه، وجدتها و«حداثتها»، إعلانها، أي إعلان صاحبها أو أصحابها، منازعاتهم وأضدادهم الحميمة على رؤوس الأشهاد. فالولد العاشق و «الشيخ» العالم والمتأدب والمتفقه والراغب في الانتصاب قاضياً في مشاغل الناس ومحكماً فيها، معاً، لا يرى غضاضة في جمع الأحوال هذه بعضها الى بعض. وهو يلتمس من والده، ووالده معيله وشيخه وسيد الدار الحازم، رعاية أحواله المتنافرة، أو غير المتفقة على ما يرى الشيخ علي «التقليدي»، والإغضاء عن نفرتها. ويتوقع من الوالد الإنفاق على زواجه بمن يهوى، فهو لم يستقل بمورد بعد، والرضوخ لجهر هواه شعراً على خلاف ما يلزمه إياه حال «الشيخ» العالم من تحفظ وإمساك ورزانة.

وعلى هذا، خالف الفتى والده الرأي ونازعه إياه وفيه. وكان رأي الوالد ان ابنه هذا، وهو يعده لخلافة «علم» جده لأمه و «علم» آبائه منذ قرن ونيف (على تأريخ محسن الأمين في «أعيانه»)، ولخلافة مكانة الجد والآباء، غره هواه، وغرته نفسه، فلم يقمعها على ما يليق بأهل العلم منذ نعومة أظفارهم، وقبل ان ينشبوا أظفار علمهم القاسية في لحم الناس. ولم يطق الفتى حكم والده فيه ، وتشككه في جدارة ابنه بحمل علم آبائه وجده القريب. وهذا هو الوجه المعنوي والأدبي من علاقة الأبوة والبنوة. ولم يكن يسع الابن الغنى عن إعالة الوالد الشيخ ورعايته. والأمران عسر إطاقة الفتى تشكك والده فيه، وتمسكه بالإعالة والمهنة الأبويتين، وانصرافه تالياً عن السعي في مصدر إعالة آخر وفي عمل غير «العلم» الأمران قرينة على رسوخ الفتى في (بعض) تقاليد والده وأهله، وقبوله، على مضض شديد ربما، هذه التقاليد أفقاً لا يتعدى، وديرة لا مرعى ولا طواف خارجها.

ولا ريب في ان الحال هذه كانت باعثاً على تمزق جبراني (نسبة الى جبران خليل جبران المعاصر ذلك الوقت، وإلى «أجنحته المتكسرة» على وجه الخصوص)، نعته المعاصرون بالوجداني، وبقي الخالفون، ربما الى يومنا، يجرجرون النعت هذا، ويقلبونه على وجهه العميق والواحد هذا من غير بلوغ قاعه البعيد. والتمزق الجبراني والوجداني تسليم باستحالة الخروج من الحال المتنازعة، وبامتناع إدارة الظهر الى احتمالاتها المعدودة والمقيدة. ويضمر التسليم هذا أو يعلن مواطأة النفس «عذاباتها»، ووجودَها متعة ولذة في مكابدة العذابات، والرثاء للنفس التي تعانيها. و «خلاص» فيرتير، عاشق غوته الألماني أواخر القرن الثامن عشر حين صارت السياسة القدر (على ما قال بونابرت لغوته نفسه)، السبيل إليه هو التفجع والاستغراق في النظر الى النفس او «الروح» المتكسرة والمتفجعة، والانبهار بها قبل قتلها ونحرها طوعاً. وهذا فصل أو نحو من الفردية سمته الانقباض والانكفاء والمكابدة السالبة. فتحفظ النفس بتولتها بالنقمة على العالم، ووصمه بالوسخ والفساد والعبث (صبغت هذه بصبغة اجتماعية ام اقتصرت على الصبغة الوجدانية). وتمتنع من إتيان ما يورطها في عمل أو فعل تترتب عليه نتائج تتطاول الى الفاعل، أي الى النفس.

فيخرج الفتى العاشق والمتعمم من خلافه مع أبيه مستبقياً عوامل الخلاف. ومن هذه العوامل حاله هو، على حالها. فأقام على هواه، ورضي ربما أو منّى النفس بوعد انتظار عودته عقداً من السنين أو فوق العقد، فتبلغ الصبية في الأثناء الخامسة والعشرين. وهي سن لا يعقل ان تنتظر شابة «من أسرة عريقة» بلوغها عزباء. فهذا أمر لا تعلق له برغبتها وإرادتها وحريتها. وهو وجه من وجوه تصريف «نظام» القرابة العربية الأحلاف والخصومات. ومن وجه آخر، استجاب رغبة والده المتشككة في الرواح الى العراق، والدراسة على مشايخ الحوزة وعلمائها. وعلل نفسه بالبروز في مضمار «العلم»، والرد على تشكك الوالد، والجمع بين «العلم» والعشق أو بين المكانة وهوى النفس ومنزعها الوجداني من غير تفريق، على خلاف حسبان التقليد وأهله. ولم ير غضاضة ولا حيفاً في إنفاق والده على دراسته، أي على عزمه هو البرهان على خطأ الوالد حين يظن الظنون في صواب حساب ولده واستقامة الحساب.

وهذا كله مسرحه، مرة أخرى، النفس «الرائعة» والمتربعة في تمامها، على قول الفيلسوف الألماني مكنياً عن الانكفاء عن الفعل وعن تعريض النفس للجرح والامتحان إذا هي انخرطت في «وحل» العالم، وعرضت نفسها عليه. فلم «يخطف» الفتى «فتاة احلامه»، على ما كان يفعل الشبان النزقون والمغالون في ثورتهم على أهلهم. ولم يلجأ الاثنان، زوجين، الى أحد الأقارب. ولم «يهرب» هو الى حيفا أو عكا القريبتين، ويعمل حمالاً على المرفأ، أو سائقاً، أو يسافر الى مصر فيمن كانوا يسافرون على مراكب محملة بالتبغ، أو الى اضنة. ولم «يلجأ» الى النبطية، ولا الى حوران القريبة أو الى صفد، أو الى بيروت البعيدة. وقد يبدو هذا هذيان مخيلة سينمائية أو قصصية اميركية (من ثورو الى كيرواك)، أو بريطانية ديكنزية، أو فرنسية هوغولية (هوغو «البؤساء»)… متأخرة. وهو هذيان قصصي وسينمائي من غير شك. والمراد به القياس على أحوال يندب فيها من تسول له نفسه الثورة على أهله و «مجتمعه» طاقته وحيلته الى استتمام ثورته، والخروج بها من النفس والوجدان والمكابدة الى العالم ومسارحه وموارده. ورد الجواب على الاحتمال الهاذي يسير. فيسع الراد القول ان محمد الشيخ علي لو فعل ما يندبه الى فعله الاحتمال، أو أزعم اليوم ان الاحتمال المتخيل يندبه إليه، لما كان الفتى الذي تكتب بنته سيرته غداة 90 عاماً على الحوادث المروية. ولو فعل هذا، أو أمكنته الأحوال المعاصرة والأوضاع من فعله أو تصوره (على ما يسع الراد القول كذلك)، لكان عالمه غير عالمه، وتاريخه، وهو على أنحاء كثيرة تاريخنا نحن، غير تاريخه.

[ فرادة الحرز

والحق ان حمل الحوادث والوقائع العملية المادية والنفسية الماضية، شأن الإقامة على الهوى وتمنية النفس بالانتظار والسفر على نفقة الوالد والتمسك بطلب العلم النجفي، حمل الحوادث والوقائع هذه على الاضطرار والحتم ينبغي ألا يُقصر عليها، وينبغي ان يعم معظم الحوادث والوقائع التي تأتلف منها سير الآحاد والأفراد، وسير جماعاتهم ومجتمعاتهم من بعد. وهذا ما كان دأب المترجَم في العقود الستة التي ترويها ترجمته إنكاره والسعي في إبطاله وتكذيبه. وهو ما أبطل صاحبنا بعضه فعلاً حين خلع العمامة، غداة وقت مديد والحق يقال. وفي الأثناء، عرضت لغيره، ممن «يشبهونه» وممن لا «يشبهونه»، أحوال خيّرتهم بين الامتثال لأهلهم وبين الخروج عليهم، فاختار بعضهم الخروج والسفر والوحدة والعمل القاسي. وأفضى هذا ببعض بعضهم الى اليأس القاتل، أو ذهاب العقل، وفي أحايين الى مغامرة فريدة ومصائر غير متوقعة. وإحجام الفتى العاملي البنت جبيلي والشراري، على ترتيب النسبة «الطبقي»، عن امتحان نفسه وعرضها على «الحدثان» والتقاذف والتقلب، قد يكون عرضاً من أعراض العصر والوقت. وهذا شأنه، على الأرجح. وينبه هذا، على خلاف قسمة نقدية وخطابية (مادية أو شيوعية ستالينية) تنزل «الذات» بمنزلة متأخرة عن «الواقع» وتسلط الواقع على الذات، الى ملابسة النفس، ما تفعله وما لا تفعله، العصر والوقت، وصدورها عنهما. وذلك على نحو ما يشبّه العصرَ والوقتَ («الواقع») على النفس الاحتمالات المتاحة، ويدعوانها الى ما تحسبه جائزاً أو يصرفانها عما تحسبه ممتنعاً، وتوجب امتناعه، على ما فعل العاشق المتأدب وطالب «العلم».

والامتناع من الفعل، أو كظمه، واستبقاء عوامل الخلاف بين الولد والوالد، و «رد» الولد على والده في ميدان الوالد وفي ميدان الولد الأدبي والجبراني الوجداني، ليست عارضة في المترجم. ففي وقت متأخر من سيرته، وكان بلغ الخمسين أو جازها بقليل، تطرق الكاتب المنفي الى قصة جبرانية، هي «وردة الهاني». فهو ينكر على المرأة الصبية التي زوجها أهلها رجلاً مسناً وثرياً لا تميل إليه، حبّها شاباً في سنها أحبها، تركها الزوج الى الشاب وعيشهما «عيشة الزوجة مع زوجها» (ص 281- 284). ويعلل الكاتب «الشيوعي»، والمناضل السياسي والفكري، إنكاره على نحو يعيد القارئ المقارن الى بدايات الكاتب وعلل أفعاله يومها وفي أوقات تالية. فيكتب ان صنيع وردة الهاني «لا يتعدى عمل الأشجار والعصافير»، أي ما يترتب على طبائع هذه وتلك. «فإذا أخذنا الحرية بهذا المعنى، وفسرناها هذا التفسير، فماذا بقي لمعنى الفوضى؟ أو للمعنى العامي المبتذل؟». وحرية وردة الهاني «الجنسية»، على قول لم يكن شاع بعد في الخمسينات، أو الجسدية والاجتماعية، ليست من الحرية، أو من مفهومها المجرد والعام في شيء، على خلاف «حرية» خليل الكافر، إحدى اقاصيص جبران. فهذي حرية مفهومة «فهماً دقيقاً»: «إنها قول وعمل وجهاد». ولعل لفظة «عمل» في هذا المعرض نافلة. فالقياس على حال خليل في الأقصوصة يقود الى حمل تعريف الحرية على القول، أي على خطبة في «السعادة»، ورأي فيها. ووردة الهاني لا تلقي خطبة في السعادة، ولا تكلم حراس «أسرارها» وقدسها المفترض، أي الرهبان الذين يثور خليل على سلكهم، بل تباشر هذه السعادة، أو «تفعلها»، على ما لا تقول العربية.

وصدارة القول، وتقدمه على العمل، ومكافأته «الجهاد»، قد لا تنفك من حال صاحبنا، فتى يافعاً ورجلاً مكتهلاً. فما لم يفعله وهو في مقتبل العمر، ولم «يغيره بيده»، أي بتركه البيت الى بلاد الله الواسعة وتبديله «أحباباً وأوطاناً»، على قول قيس بن الملوح في حكاية احمد شوقي المسرحية، بدا له وهو في ابتداء سن الاحتلام محالاً ومنكراً، ويبدو له، في مقتبل العقد السادس، «فوضى» واسترسالاً مع الطبع والغريزة. واتصال الرأي أو القول في «الحرية» هذا الوقت الطويل، يلازم كتابة وعبارة، أو طريقة في التعبير قد تفوق الرأي، على معنى الفكرة أو الاحتجاج، دلالة ومكانة. فكتب من صار، في الأثناء، مدرساً ثانوياً وكاتباً متأدباً، وترك العمامة أوخلعها، وأقام بالعراق، كتب يروي (في 1938، في مجلة «الهاتف») وداعه أهله وبلدته وهواه، فقال: «توارى الليل وراء الأبد، وطواه العدم في جوفه، ولفه لسان اللانهاية، وأقبلت الشمس في موكب جديد» (ص 28). ولا يقتصر الأمر على «الإنشاء» (المدرسي) الجبراني المعتاد، على رغم انقضاء نحو عقدين من السنين في قراءات نجفية، لغوية وفقهية وأدبية وتاريخية. فتنحو خطابة «الوجدان» الى تعظيم أحوال صاحبها المكلوم، وتكني عنها بسد لفظي تريده اخيراً وليس ما بعده.

فليس ثمة في ترتيب المعاني المتداولة، و«المفهومة» على وجه أو آخر، محل يقع «وراء» الأبد. فيتعمد الكاتب مواراة ليله المحلَّ الممتنع على الفهم والاستعمال العاديين. وينبغي للامتناع اللغوي والمعنوي ان يقوم شاهداً على فرادة غير متعينة ومتعالية عن التقدير والتأويل، ولا سبيل للفهم او للتأمل إليها. فهي فرادةٌ طيُّ العدم. وهذا صنو الأبد في الامتناع من الإدراك والتصور والتناول (فكراً). والاثنان، الأبد والعدم، من معدن اللانهاية و «لسانها» الغريب والمعجم إعجاماً لا إعراب فيه أو منه. فهو «يلف»، على خلاف نشر اللسان وبسطه. فيحاكي العدم وطيه، ويذهب مذهب الأبد وإرساله، على حين هو (أي اللسان) يتولى الحدود، على معنى التعريفات، والتعارف تالياً والتواضع (على المباني والمحال والشواذ) والتخاطب. وفرادةُ نفسٍ هذا شأن ملاذها إنما هي سجينة حرز حريز، لا تُبلغ ولا تبلغ. وعلى خلافها، أو على النقيض منها، الشمس وإقبالها «في موكب جديد».

[ مباني الإنشاء

والشمس، شمس صباح السفر والوداع في رواية الكاتب أو الراوي، ظهورٌ كلها، وبدو للعين الكسولة والساهية، وخارج من غير باطن، وجدة من غير أمس ولا ماض ولا تذكر. وهذه نقائض وأضداد لليل النفس والوجدان الفريدين والعاشقين والجريحين. ومحال ان يتفتق طباق الأضداد، وهي على حالها من الإطلاق، عن «كائنات» (مشاعر أو أشياء أو حوادث) هجينة أو مولدة أو مركبة. فالأضداد الخطابية هذه، على نحو ما تستوي في سياقة الخبر، منزهة عن التهجين والتوليد والتوسط تنزهها عن الأعيان. وإذا دخلت اللغةَ أو العبارة لم تدخلها من باب معروف. «فلا نظرات ولا كلمات. وابتكرت اضدادُ النفس «لغة» ربما ينبغي ألا تسمى لغة، هي مزيج من مواد الخلق الأولى: «انه دموع! دموع فقط»، على شاكلة الماء الذي بل الطين فاستقبل النَّفَس الخالق، ومن علامات بدئية يلابس ظاهرها معانيها، و «تتكلم» معانيها في ظاهرها كلاماً طبيعياً لا وضع فيه ولا اصطناع: «إنه دموع… ومنديل حريري أبيض وثب من يدها الى يده».

فإذا صار هذا وحدث على النحو الذي يرويه أو ينشئه «الإنشاء» هذا، على هذه المباني (التعظيم والإطلاق، والضدية، والطي من غير توسط، والحمل على ما يمتنع من التوليد والتعيين)، ماذا يبقى ليستحق الاستعادة والعرض على النظر والسمع والتأمل؟ تقتصر تتمة «الرواية»، إذا جازت تسمية حل الخبر وطيه فيما لا يتعين رواية، على إعدام ما يتطاول إليه القص. فالمسافر يخال انه ركب «جناً» وليس سيارة. وراكب الجن مثله مثل المسافر على بساط الريح في قصص ألف ليلة وليلة «لا يعرف أين (بساط الريح)، ولا أين صار، ولا الأميال التي (قطعها)». والمسافر على جناح الجن «لا يعرف شيئاً»، ولا «يرى من البلاد شيئاً». فهو، على ما يقول في نفسه، في «غيبوبة». ولا يرده منها أو يخرجه إلا ما يدعوه الى الغرق فيها والعودة إليها، أي طيف الصبية التي خلفها في بلدته.

ويجري تناول الواقعة والاختبار الحاسمين في سيرة صاحبنا على مباني «الإنشاء» المتخلفة عن ترك الفعل وإغفاله ونفسنة الحال كلها، وروايتها على نحو هندسي أو مجازي قوامه نقائض وأضداد لا تجتمع منها «أنواع مختلطة»، على قول بعض المتكلمين الأوروبيين، أو «مولدة»، على قول بعض المعتزلة. والحوادث الاجتماعية التاريخية، و«الأشياء» أو الكائنات والمعاني والهيئات والنظم الناشئة عنها، إنما هي من باب مثل هذه الأنواع. وأزعم ان تناول الواقعة والاختبار الحاسمين على الوجه الذي تناولهما عليه الفتى المسافر وطالب العلم، ثم «العالم» المعمم والبالغ نحو الثلاثين، ثم الناقد الأدبي المكتهل وهو وجه يكاد يكون متصلاً يصح ربما ان يرفع (الوجه أي مبانيه) مثالاً على محل الفعل من وقائع واختبارات فردية جماعية، نفسية وثقافية، تقاسمها أهل مجتمعات «عربية»، وساستهم وكتابهم ومثقفوهم، معظم القرن (العشرين) المنصرم. (وهذا زعم ثقيل، ويفترض تحقيقه أو جمع بعض الأدلة عليه اسهاباً ليس هنا محله، وسبق ان تناولته، من وجوه أخرى، في مقالات متفرقة). فعلى مثال مشترك، تشاركه أهل المجتمعات هذه عامة ونخباً، روى هؤلاء حوادثهم ووقائعهم ومعانيهم، وجماعها هو «الواقع» على قول براغماتي شائع، فحملوها على صور ومعان متدافعة ينفي بعضها بعضاً، ويقيم على تدافعه وتنافيه.

فإذا وضع الراوي، وهو «صاحب» الوقائع والاختبارات أو أحد اصحابها وشهودها ومدرجيها في حيواتهم فصولاً من الحيوات هذه، إذا وضع روايته ورأيه في سره وعلانيته على وقائعه واختباراته، واطرح منها الفعل على شاكلة اطراح الفتى العاملي البنت جبيلي وإغفاله حتى جواز مثل هذا الفعل، وقع مضطراً على أضداده ونقائضه. فهذه تقوم، وتستوي على سمتها ورسومها، باطراح الفعل وجوازه، وبالسهو عن ملابساته وعن مفاعيله في الناس، وأولهم الساهي نفسه وهو الراوي والشاهد في آن.

وتتواتر الحال في معظم منعطفات السيرة ومتفرقاتها، وتنتشر عدوى تعليق الفعل وإغفاله في تناول فصول لم تخل من الفعل، شأن الفصل الذي يدور على ترك العمامة أو خلعها، وعلى ملابسات الترك ثم على مترتباته. فتروى الواقعة النجفية كلها وهي دامت 15 عاماً تامة، واشترك فيها على أنحاء متفرقة مئات من الطلبة الشبان، المبتدئين والمتقدمين، ومن المدرسين، وتعود أجزاء منها الى تاريخ ديني وثقافي واجتماعي طويل ومعقد على المثال الذي تقدم وصفه. ومبتدأ الواقعة هذه المدينة نفسها في عين شاب «روحه ظمأى للجمال، مشمئزة من القبح. (ص 38). فالمدينة تحوطها الصحراء من جوانبها، وتهب عليها رياحها، وتقلب سماءها «غيمة من الأتربة تغطي أزقتها الملتوية التي لا ينفذ إليها الضوء» وتحجبها «جدران الدور العالية، الترابية اللون»، على قول كاتبة السيرة. واجتماع النجف الإنساني يقوم على الفصل بين الجنسين. و «نساء النجف تماثيل متحركة» سود. ودور السكن تتعهد الفصل او الحجز هذا، وتتولاه من غير ضعف: «جناح خاص للرجال وآخر للنساء» في البيوت نفسها. وإذا أذن الرجل لزوجه في الخروج، خرجت في «زيارة جماعية (و) دورية»، أو الى الحمامات العامة، على ان تستتر، فإذا صادف أن مر الرجل بجمع نساء فيهن زوجه لم يميزها ولم يرها، على وصف طارق نافع الحمداني وحسين شعبان. والنجف هذه هي على الضد من «جنوب لبنان»، أي بنت جبيل وسوق خميسها: الفتيات والصبايا وأفراح العيد الأسبوعي ودبيب الناس «كالنمل» في «أجمل وأحسن الملابس» واللقاء «بحشر الرجال والشباب في زحام السوق». فعلى خلاف النجف، يجمع الطعامُ في بنت جبيل وغيرها الأسرة الى مائدة مشتركة يجلس إليها الطاعمون، ويتبادلون الكلام والضحك وهو يؤاكل بعضهم بعضاً، الصغار والكبار والنساء والرجال والأهل والضيوف.

وتتربع في السنة النجفية «رجعية دينية»، على «عظمة (النجف) الرائعة في مكافحة الاستعمار»، «مغلقة». وهي مملكة «الجماعة». وتقويم «الجماعة» المدرسين ومراتبهم لا يرد ولا يناقش. ولكن تربع المباني الدينية الاجتماعية والعملية، الشعائرية والاحتفالية والحسية، في سدة الحياة اليومية ورسومها أقوى من السيطرة المعلنة التي تتوسل بالأفكار والمقالات والهيئات. ومثال هذا الحلة، المدينة القريبة من النجف، في اثناء حداد عاشوراء. فيتولى المواكب الحسينية اصحاب المراتب والمكانات العشائرية والعائلية والدينية و«العلمية». ورعاية المواكب وتوليها وجه بارز من وجوه المكانة والقيام بها، واستئنافها، على ما يلاحظ اسحق النقاش (ص 146). وشعائر اليوم العاشر والأخير لا تستثني طبقة أو مرتبة أو أحداً من السكان. فهي تستولي على الطرقات والخطط أو الأحياء، وتأخذ بنواصيها، وتتسلل الى ثناياها او «حناياها»، على قول الكاتبة. فتقلب الأزقة بجوار الحسينيات مطابخَ في الهواء الطلق. وتركز القدور الكبيرة عند المفترقات والمنعطفات. وتغطي أبخرة القدور وأدخنة الخشب المحترق تحتها الأزقة والأحياء، وتبسط سحبها وغيمتها على المدينة، وعلى جماعات المتسولين المنتظرين «الفلة»، أو الفراغ من المشاهد، وختامها بأكل كثير وثقيل ينهي الحداد وإمساكه، من وجه، ويبدد عطاء اصحاب العطاء «عن روح الحسين»، من وجه آخر، ويكرمهم، ويقر لهم بالفضل. ويصطف الأهل، حارات وبيارق وفرق لطم وضرب وشدخ وتفجع، صفوفاً هي أجزاء من موكب واحد كبير، متصل وغير مرئي، يجمع «شيعة الحسين» إلباً أو صفاً واحداً. وفي اثناء الأيام العشرة، يعم السواد اللباس والرايات والجدران والطرقات. وينصب أهل الحداد الموت اميراً على نفوسهم وأجسادهم وأفكارهم، على ما يفعل أهل «المدينة العالمة»، المدينة الفاضلة الإمامية ومقصد الاسكندر ذي القرنين، طوال أعمارهم.

و «رد» صاحبنا، وأحد زملاء التدريس في مدرسة الحلة، على هذا، وعلى هوله، بالشرح الى التلاميذ «إمكانية تهذيب هذه المراسيم وجعلها مراسيم حضارية ترفع من سمعة البلاد، ولا تؤذي صحة البشر» (148). وأوضح المدرسان «أنهم ضد التطبير والسلاسل والقامات التي تؤذي صحة المطبرين وتجرح شعور الناس، وأنهما يؤيدان إقامة طقوس محترمة، مهذبة». والفرق بين المسألة، أو المشكلة، وهي تصدر عن أبنية اجتماعية تاريخية تلابس الإنشاء الحسي والمعنوي، وبين «جوابها» التربوي والمتواضع، قرينة من قرائن كثيرة تكاد لا تحصى على قصور «الإصلاح» المحمول على ثقافة ليبرالية وعقلانية. وتشد قرابة قوية أفكار هذا «الإصلاح» الى أفكار مصلحين سابقين من امثال عبدالرحمن الكواكبي. فقبل نحو ثلث قرن من الملاحظة على الشعائر الحسينية بالحلة وغيرها، جمع داعية الإصلاح الحلبي العثماني بين الدعوة الى الصلاة وبين «الجمنستيك»، على قوله. وسوغ إحياء تلك بتجديد حلتها اللغوية: «لنقل إنها الجمنستيك»، أو التريض. وغداة 1967، وهزيمتها «العربية» والقومية المنكرة، تأمل صادق جلال العظم في الهزيمة، ونصح بعلاجها، بعد نقدها النقد اللاذع والمر المعروف، بإجراءات حاسمة وباتة. ومن الإجراءات هذه، بعد التخلي عن الوسطية الى الجذرية، ترك تبديد الأموال على الدعاية السياحية وتعيين رجل مثل جياب، قائد «حرب الشعب» الفيتنامية المظفرة والباهرة (على المعنى الحرفي: ما يبهر الأنفاس فتتقطع)، قائداً للجيوش «العربية» (محل عبدالحكيم عامر من غيرك شك وربما حافظ الأسد السوري، زميل عامر يومها)..

وليس إحياء هذه الأمثلة على سبيل التفكهة ولا السخرية. فهي تمثيل على شروط (استحالة) الفعل المزمنة. وتترتب الاستحالة على الفرق بين ما يُطلب «إصلاحه» وبين ما في متناول المصلحين أو متناول طلابه. فإذا أراد المصلح المفترض الإقدام، وهو على هذه الحال من الترجح، لم يصدر عن سياقة مبتدأة، ولم ينخرط في مثل هذه السياقة. ولم يتهيأ له، فرداً أو جماعة، أنه يستجيب دواعي فعلٍ عليه الأخذ بها، وابتكار تتماتها وإيجاب التتمات هذه. فالكارثة الوشيكة أفق مخيم على الفعل من غير انقطاع. وتتصور الكارثة في صورة انهيار العالم الموروث، من غير ان يسع «المصلح» (أو «الثائر») وراثة العالم المتصدع أو إعمال عناصره في إصلاح أو إنشاء عالم آت. وحين يلاحظ صاحبنا، وهو يتملص من نجفه، ان النجف تجمع بين البلاء العظيم في مقاومة الاستعمار وبين «القيادة الرجعية» فهو يمر مر الكرام بمعضلة ناءت بها حركات الإصلاح والنهوض ولا تزال تنوء بها. فإذا صدرت الحركات هذه عن «موظفي» المدن، على ما لاحظ كتّاب عراقيون، لم يستجب الجمهور المشدود الى العالم الموروث و «العميق» الجذور، وأقامت الحركات هذه على ترجيحها وفراغها وتفاهتها. وإذا هي صدرت عن الجمهور وعالمه أرست استبداداً خلاصياً ومحدثاً مدمراً.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق