رواية “عميل من بيت لحم”: تحقق من المتعة بقدر ما تحض على التفكير

استوقفني عنوان هذه الرواية، خلال مراجعة لقسم الكتب، في جريدة نيويورك تايمز. وازداد اهتمامي بعدما قرأت ما جاء عنها في قسم يتسم عموما بالجدية والرصانة. الدافع الأوّل للاهتمام، عادة، هو التساؤل حول الطريقة التي يرانا بها الآخرون. ومن حسن الحظ أن هذا الدافع سرعان ما يتراجع لصالح معايير أكثر ديمومة، وأعلى شأنا، تصدر عمّا تحققه القراءة من متع صافية، خاصة إذا كان الكلام عن الرواية البوليسية، الفن الأصعب من بين فنون القول الروائي، والأقل احتراما من جانب نقّاد الأدب، لأسباب غير مفهومة في معظم الأحوال.

والآن، بعد الانتهاء من قراءة “عميل من بيت لحم” الصادرة عن دار سوهو للنشر في نيويورك (2007) تبدو متعة القراءة وقد تحققت، كما تبدو الطريقة التي يرانا بها الآخرون مفيدة بشكل خاص في تذكيرنا بحقيقة أن للواقع أكثر من وجه، وأن تحرر الآخرين مما لدينا من تحيّزات أو أفكار رغبية، غالبا ما يمكنهم من رؤية تلك الوجوه، التي نفشل في رؤيتها. هذا لا يعني عدم خضوعهم لتحيّزات، وأفكار رغبية، بل يعني إمكانية القبض على أكثر من جانب لحقيقة واحدة بطريقة مقارنة.

هذه الرواية هي الأولى لمات بينون ريس، الذي عمل مديرا لمكتب جريدة التايم الأميركية في القدس، ويبدو بأنها الأولى، أيضا، في سلسلة روايات للكاتب نفسه ستصدر تباعا، فهناك على الأقل رواية جديدة في الطريق بعنوان “قبر في غزة” من المقرر أن تصدر في مطلع العام القادم. وهي تندرج ضمن تقليد شائع في الرواية البوليسية، حيث تمارس شخصية مركزية دور الفاعل الروائي، ويتكرر حضورها في كل عمل جديد، رغم اختلاف الظروف والمشاكل من رواية إلى أخرى.

تمارس شخصية عمر يوسف دور الفاعل الروائي في رواية ريس الأولى هذه. وهو فلسطيني في العقد السادس من العمر يقيم على أطراف مخيم الدهيشة للاجئين، ويعمل مدرسا للتاريخ في مدرسة من مدارس الأونروا. تتجلى في شخصية يوسف الخصائص التقليدية للبطل الضد، الذي يمارس دور المفتش السري، أو الباحث عن الحقيقة، دون إرادة مسبقة، وبلا ملامح بطولية خاصة مثل العضلات، والشجاعة، والمهارة في استخدام الأسلحة، وفنون التمويه، أو حتى الذكاء الخارق.

البطل ـ الضد شخص يجد نفسه في مجابهة آخرين أقوى منه، لكنه يتفوّق عليهم بما لديه من إرادة، وما ترميه الصدفة في طريقه من أطواق للنجاة، وبما تضفي عليه الحقيقة، وهي ذات سلطة أخلاقية في جميع الأحوال، من صلابة ومثابرة.

وبقدر ما يتعلّق الأمر بعمر يوسف، تتجلى هذه الصفات على خلفية التحوّلات التي شهدها المجتمع الفلسطيني في سياق سبع سنوات من الانتفاضة. فهذا المجتمع، كما يراه ريس، يعيش بين مطرقة ميليشيات قوية، ذات مؤهلات أخلاقية ضعيفة في أفضل الأحوال، وإجرامية في أسوأها، وسندان احتلال يغلق الباب أمام كل احتمال للحياة السوية والآمنة.

لا يملك مدرس التاريخ، في مجابهة هذا الواقع، سوى الدفاع عن مهنته كمعلّم، والحيلولة دون وقوع التلاميذ في قبضة أفكار متطرفة. لكن هذه المهنة لا تجدي نفعا عندما يجد نفسه مضطرا للدفاع عن تلميذ سابق، تعرّض للاعتقال بتهمة التعامل مع الاحتلال، وأصبح عرضة لخطر الموت.

هذه هي النقلة الافتتاحية الأولى في الرواية: وجود ضحية تعرضت للظلم، وإحساس الفاعل الروائي، بصرف النظر عن الأسباب، بضرورة كشف الحقيقة، وإنصاف المظلوم. وبما أن الرواية البوليسية تحتاج، دائما، إلى لغز كبير، قد يكون جريمة قتل، أو عملية سطو، أو سوء تفاهم بأبعاد مأساوية، تصبح النقلة الأولى ممكنة بفضل جريمة قتل في بيت لحم، ذهب ضحيتها ناشط في إحدى الميليشيات.

لكن جريمة القتل لا تكفي في حد ذاتها كوصفة مؤكدة للنجاح في الرواية البوليسية، فهي تحتاج دائما إلى ما يشبه الحامل الاجتماعي، أو الأيديولوجي، الذي يبرر بدوره دوافع الفاعل الروائي. وفي هذا السياق، يحيل اتهام مسيحي من بيت لحم بالتواطؤ مع الاحتلال في عملية الاغتيال، إلى مضاعفات اجتماعية وثقافية لظاهرة صعود الميليشيات في المجتمع الفلسطيني.

بهذا المعنى يصبح تدخل عمر يوسف لإنقاذ تلميذه السابق من تهمة العمالة جزءا من مشروع الدفاع عن التعايش الإسلامي ـ المسيحي، الذي عرفته بيت لحم، وكذلك المجتمع الفلسطيني، في أوقات سابقة. وبهذا المعنى، أيضا، تصبح قضية عمر يوسف أخلاقية وثقافية في آن.

لكن الأخلاقي والثقافي في النسق الفلسطيني، وبقدر ما يتعلّق الأمر بهذه الرواية، يتخلّق على خلفية سلسلة متلاحقة من جرائم إضافية تودي بحياة آخرين. وهذا ما يمكن تسميته بالنقلة الثانية، أي محاولة حل لغز الجريمة الأولى، للخروج من دوامة الخيوط المتشابكة.

النقلة الثانية، إذن، هي وجود ظلال للشك تحيط بكل المعنيين بالأمر، بداية من ضابط الشرطة، وانتهاء بشخصيات ميليشياوية ذات سطوة ونفوذ، فقد يكون أحد هؤلاء هو المتواطئ مع الإسرائيليين في جريمة اغتيال الناشط، والمعني بتوجيه أصابع الاتهام إلى الشاب المسيحي، والمسؤول عن جرائم القتل اللاحقة للتغطية على الجريمة الأولى.

من المعلوم أن ظلال الشك، التي تحيط بكل المعنيين بالأمر، تقليد من تقاليد حبكة الرواية البوليسية. فالفاعل الحقيقي، غالبا ما يكون الأقل عرضة للاهتمام، أو الاتهام، حتى النقلة الأخيرة، المفاجئة وغير المتوّقعة. وبقدر ما تمثل السلسلة المتلاحقة لجرائم القتل حجم العنف في المجتمع الفلسطيني، يوحي ما يحيط بالشخصيات الروائية من ظلال بحجم ما أصاب هذا المجتمع من فقدان لليقين.

في ظل اللايقين، والعنف، تصل الرواية إلى النقلة الأخيرة، بعد مقتل الغالبية العظمى من الشخصيات الروائية الرئيسة، واكتشاف عمر يوسف لحقيقة أن “العميل في بيت لحم” لم يكن في الواقع سوى أحد رجال الميليشيات.

وهو اكتشاف يفتقر إلى الكثير من الجدوى بحكم مقتل القاتل والضحية ومعظم الشهود، لكنه ينطوي على رسالة أخلاقية تتمثل في عثور عمر يوسف على نسخة من الإنجيل بين يدي والد الشاب المسيحي، الذي سقط قتيلا، بدوره، تحت أنقاض بيته وبين يديه الكتاب المقدس، واحتفاظه بتلك النسخة على أمل إهدائها لطفلين نجيا من انهيار البيت على ما تبقى من عائلة الشاب الذي فتكت به الغوغاء في طقس من الطقوس البدائية لشهوة القتل.

مهما يكن من أمر، ورغم أن المجازات الدينية ليست الوحيدة، أو الأفضل، في التعبير عمّا أصاب النسيج الاجتماعي للفلسطينيين من ضرر، ولا المثلى لتحريره من العطب، إلا أن انتقاد رواية بسبب التحيّزات الأيديولوجية لصاحبها مسألة تقع خارج حدود هذه المعالجة.

ولعل ما يستحق التذكير بشكل خاص يتمثل في الكلام الذي يضعه المؤلف على لسان شخصياته الفلسطينية، التي يترجم كلامها بالعامية الفلسطينية إلى الإنكليزية بطريقة حرفية، ومضحكة تقريبا. وهذا ما سيبدو مضحكا لو ترجمنا التعبيرات الاصطلاحية الإنكليزية إلى العربية بطريقة حرفية، أيضا.

ومع ذلك، رغم ما تنطوي عليه ترجمة العامية الفلسطينية إلى الإنكليزية بطريقة حرفية من غرائبية، ومن محاولة للإيحاء بمعرفة باطنية عميقة من جانب المؤلف لشخصياته، وأسلوب حياتها، يمكن التعامل معها كنوع من التوابل، التي قد تثير شهية القارئ الغربي. ومن حسن الحظ أن الحبكة الروائية، وبالقدر نفسه الشخصيات، لم تكن ضحية دائمة، أو مفضلة، لتقنيات كهذه، وإلا لأفسدت رواية تحقق من المتعة، بقدر ما تحض على التفكير.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق