روبير رايش: الديمقراطيّة مريضة بالرأسماليّة العظمى

تحمل الرأسمالية التنافسية المُفرطة – المعاصرة – مثل يانـُس (الإله الروماني)- وجها مزدوجا. فإذا كان لديها ما تغري به المستهلكين و المدّخرين، فإن ملايين الدولارات التي تصرفها سنويا « مجموعات المصالح » للتأثير والضغط على السلطات العامة  (lobbying) قد قوّضت أسس الديمقراطية.

عندما ارتاد “روبير رايش”  Robert Reich لأول مرة خفايا السياسة بواشنطن، كانت هذه المدينة – بالأحرى- في حالة بائسة إن لم نقل متداعية. كان ذلك في سبعينات القرن الماضي و كان ر. رايش آنذاك مندوبا سياسيا في اللجنة الفدرالية للتجارة. عندما رجع إلى هذه اللجنة بعد عشرين سنة – أي سنة 1993 – بعد أن سمّاه الرئيس الأمريكي السابق ” بيل كلينتون” في خطة كاتب دولة للعمل (ما يقابل وزير العمل والشؤون الاجتماعية بفرنسا) كان شكل واشنطن قد تغير تماما، فامتلأت بالنزل الفخمة ذات الأربع نجوم و بمطاعم فاخرة من أعلى طراز. ذلك أنها أصبحت في الأثناء مجالا للصيد لمجموعات الضغط المموّلة بسخاء من طرف الشركات العالمية الكبرى الساعية لاستمالة السياسات الفدرالية الأمريكية لخدمة مصالحها. فإذا كان “رايش” يتكلم اليوم عن ديمقراطية مريضة فلأنه – حسب رأيه – وقعت بين تينك الفترتين عملية ” عرض عام للشراء “( ع.ع.ش – OPA ) من قبل عالم الأعمال استهدفت عالم السياسة.

و يجوب “روبير رايش” حاليا أوروبا للتعريف بمؤلفه الأخير – الرأسمالية العظمى – ويحاول فيه تفكيك الرؤى الاقتصادية التي نخرت الديمقراطيات المعاصرة. و بصوت هادئ و جذاب يصف هذا الخبير الاقتصادي السياسي المعتدل ( المصنف كليبرالي من اليسار الأمريكي) دوافع هذه الرأسمالية التنافسية المفرطة و يعلن أنه إذا كانت الرأسمالية العظمى قد أرضت رغبات المستهلكين و المدخرين فهي قد نسفت تدريجيا الوسائل و الإمكانات  التي كانت لدى المواطنين لإسماع صوتهم حول المشاكل السياسية الأكثر إثارة : من انفجار التفاوتات و عدم المساواة ( الاقتصادية و الاجتماعية) إلى الاضطرابات و الاخلالات البيئية العالمية.

و يؤكد ر.رايش – الذي يحتل أيضا مرتبة مستشار اقتصادي لدى ” باراك أوباما” الداعية للتغيير والساعي لتعيينه من طرف الحزب الديمقراطي كمرشح رسمي في الانتخابات الرئاسية لسنة 2008 – أن أمريكا و العالم في حاجة إلى تغييرات عميقة.

– حسب النظرة المهيمنة، سواء في الاقتصاد أو في العلوم السياسية تـُوضع الديمقراطية و الرأسمالية في نفس المرتبة. أنتم تعبرون عن ارتياب عميق تجاه هذه الرؤيا.  لماذا ؟

 

– عرفت الرأسمالية خلال الثلاثين سنة الفارطة انتشارا لا مثيل له داخل البلدان المصنعة و لكن أيضا داخل الاقتصاديات المنبثقة و البلدان الاشتراكية سابقا.

لقد نمت الثروة العالمية نموا كثيفا و كان الإبداع و الاستكشاف ملفتا خاصة خلال العشرينية الأخيرة. لكننا عندما ننكب لنتأمل الديمقراطية و خاصة قدرتها عن التعبير على انشغالات المواطنين نجد أن المعاينة تختلف كثيرا. فعديد الأسئلة تبقى بلا جواب، سواء تعلق الأمر بالارتفاع الحراري المناخي أو بتعمق اللامساواة الاجتماعية أو بخرق حقوق الإنسان في العديد من بقاع العالم.

وتظهر التحقيقات إضافة إلى ذلك أن الثقة في الديمقراطية في تراجع و أن المواطنين أصبحوا أكثر سخرية من ذي قبل تجاه السياسة. و إذا ما افترضنا أن الرأسمالية و الديمقراطية هما على نفس المستوى نجد بكل وضوح أنفسنا أمام مشكل. لماذا نالت الرأسمالية مثل ذلك الانتصار بينما بقيت الديمقراطية على تلك الحالة المزرية ؟ لقد حاولت الإجابة على هذا السؤال بالذات، هذا و قد اهتم المحللون إما بالتحولات السياسية أو بالتحولات الاقتصادية، و في ما يخصني و طوال حياتي المهنية سواء كجامعي أو كموظف في واشنطن حاولت دائما أن أسبر غور الترابطات بين هذين المجالين.

– لقد ألفت “ألبير أ. هيرشمان” (Albert O.Hirscman) النظر في الستينيات إلى مثال أمريكيا اللاتينية حيث استطاعت الرأسمالية أن تتعايش جيّدا مع نظام متسلط. و قد انتقد بالمناسبة الفكرة القائلة أن انبثاق اقتصاد السوق يخلق بصورة آلية الظروف المواتية للديمقراطية. وفي ما يخصكم فأنتم تكشفون عن نزاع بين الرأسمالية و الديمقراطية داخل الولايات المتحدة الأمريكية أي في قلب ما يسمى ب”العالم الديمقراطي” ….

– أعتقد أن جميع الأمم الرأسمالية تتطور في نفس الاتجاه. لقد أخذت الولايات المتحدة الأمريكية بعض الأسبقية في الطريق المؤدية لما أسميه بـ”الرأسمالية العظمى” غير أن الأمم الأوروبية هي بصدد اقتفاء أثرها عن كثب. لنتوقف برهة عند الحالة الصينية، فخلافا لما يمكن أن يجري في بعض بلدان أمريكيا اللاتينية أو ما جرى في ألمانيا النازية حيث كان الاقتصاد و النظام السياسي متداخلين بكثافة، فإن الصين سريعا ما ركزت الحقوق و الحريات الاقتصادية مثل احترام حقوق الملكية، لكنها فصلت بكل عناية هذه الحقوق الاقتصادية عن الحقوق السياسية. و هكذا تظهر الصين كمثال رأسمالي جديد أ ُطلق عليه اسم “الرأسمالية المتسلطة”. و بالرغم من أنه مجهز بنظام اقتصادي في غاية النجاعة فهذا البلد لا يبدي أي مؤشر يدل أنه يسير  نحو الديمقراطية.

أما الولايات المتحدة الأمريكية فهي تقترب من أوليغارشيا اقتصادية حيث أن عددا ضئيلا نسبيا من الأفراد يجمعون بين أيديهم الثروة و السلطة السياسية. و يشهد أغلبية الأجراء  ركود أجورهم بينما تتراكم الثروات الطائلة لدى مجموعة صغيرة من الأشخاص. فالاقتصاد الأمريكي هو حقا مزدهر بغض النظر عن التقلبات التي يشهدها بصورة دورية و قد كان الحال هكذا طيلة الثلاثين سنة الأخيرة. غير أن الأمريكيين ليسوا راضين على هذا الوضع و قد استأثرت الانتخابات الرئاسية لسنة 2008 بموضوع التغيير. لماذا التغيير؟ لأن الكثير من الناس يعتقدون أن الديمقراطية لا تشتغل ( كما ينبغي).
– حسب رأيكم، سبق للولايات المتحدة  و لأغلبية البلدان المصنعة أن نجحت رغم ذلك – في فترة ما بين الحربين – في إقامة ما سميتموه بـ”رأسمالية ديمقراطية”. فعلى أي أسس ارتكزت هذه الأخيرة ؟

– كان ذلك ممكنا بفضل التزامن بين إنتاج مكثف و استهلاك مكثف. ففي الاقتصاديات التصنيعية لما بعد الحرب كانت هناك مؤسسة أو مؤسستان تهيمنان في كل قطاع بفضل انتهاج “اقتصاد الحجم الكبير” (économie d’échelle) لكن ذلك كان متعايشا مع نقابات قوية تمثل الأجراء و تدعم الديمقراطية بنضالاتها. فما الذي جعل الرأسمالية الديمقراطية  تشتغل بشكل جيّد إلى ذلك الحد، من وجهتي النظر الاقتصادية و السياسية ؟ إنه وجود طبقة من السلطات الوسيطة تمثل الأفراد كمواطنين و ليس فقط كمستهلكين أو مستثمرين، فالنقابات و الأحزاب السياسية و الكثير من المنظمات الأخرى كانت تساهم في تكوين الإرادة العامة وفي التعبير عنها. غير أن هناك معطى جديدا برز منذ السبعينات، وهو أن الرأسمالية شهدت تقلبات بسبب تكنولوجيا النقل و الاتصالات المنبثقة عن الحرب الباردة. لقد انطلق ونشأ الإنترنت بناء على طلب من البنتاغون الذي كان يحتاج إلى نظام للاتصال يكون آنيا و قادرا على تبليغ المعطيات المعقدة. وقد غيّر هذا الاختراع رأسا على عقب ، منذ ذلك الوقت، دنيا المال و الإنتاج و التجارة. أما في ميدان نقل السلع لمختلف بلدان العالم فقد ظهرت حاويات البضائع العملاقة خلال حرب الفيتنام. و قد وفرت هاتين التقنيتين للمستهلكين و المستثمرين الأمريكان العديد من إمكانيات الاختيار، و هذا ما حتم على الشركات الكبرى أن تكون أكثر تنافسية تجاه بعضها البعض.

وتشكل سلسلة المتاجر الكبيرة “وال مارت” (Wal-Mart) إحدى المؤسسات/المنارات للرأسمالية العظمي. فقد غزت جموع المستهلكين بواسطة أسعار هي جد منخفضة وهي تستغل قدرتها التجارية كي تضغط دوما على أسعار مُموّنيها و تجبرهم على منح أجور زهيدة لأِجرائهم أو على نقل مصانعهم إلى بلدان ذات أيدي عاملة رخيصة. إن قوة نفوذ “وال مارت” يأتي من كونها تـُجمّع ملايين المستهلكين من أجل الحصول – تمهيدا- على أحسن الأسعار. و الأمر كذلك بالنسبة لصناديق الاستثمار التي تجمع مدخرات الملايين من المتقاعدين كي تحصل على أحسن المردودات للمؤسسات. و هكذا نكون قد ربحنا كمستهلكين أو مدخرين و لكننا خسرنا كمواطنين. فليس لدينا وسائل للتعبير عن التبعات الاجتماعية و البيئية و المدنية  التي تجلبها لنا الرأسمالية العظمى.

– حسب “لوران مادوكس”  Loren Maddox ( إحدى ممثلات مجموعات الضغط المؤثرة التي ذكرتموها ) تشكل العملية السياسية امتدادا  لساحة المعركة التي يمثلها السوق”. فهل الديمقراطية مريضة إذن بالمنافسة الاقتصادية؟

– يبدو واضحا أن الصراع التنافسي قد تجاوز إطار السوق لينصبّ في الديمقراطية. فنحن بصدد معاينة سباق جامح بين المؤسسات من أجل توجيه القرارات السياسية  لفائدة مصالحها الخصوصية. ف”غوغل”  Googleيصرف أموالا طائلة في مجال الضغط و التأثير (lobbying) لأن “ياهو” (Yahoo) أو “ميكروسوفت” (Microsoft) يفعلان نفس الشيء و لأن القرارات التي تؤخذ بواشنطن أو ببروكسال ستكون لها تأثيرات مالية بالغة الأهمية على أرباح هذه الشركة أو تلك. و في هذا السياق يدّعي كل طرف الدفاع عن الصالح العام و لكن مختلف المواقف المتقابلة ، في الواقع، لا تهدف إلا للدفاع عن الميزة التنافسية التي تتمتع بها كل شركة. فخلال الدورة البرلمانية الأمريكية لسنوات 2004 – 2006 طـُرحت مسألة إلغاء  تحجير التنقيب عن النفط (offshore) على طول سواحل خليج المكسيك و كليفورنيا ، و كانت الشركات النفطية موافقة على ذلك. و لكن خصومها الألداء لم يكونوا – كما هو متوقع – المجموعات المدافعة عن البيئة بل الصناعة السياحية التي كانت تخشى النتائج الوخيمة للتلوث النفطي الناجم عن المد الأسود… و(هنا) نجد الناخبين مُكـْتفين بمشاهدة هذه المشادات الكلامية العنيفة دون أن تكون لديهم أية وسيلة لإسماع صوتهم. و مع ذلك فأن أفول الديمقراطية ليس ناجما عن كون الشركات لها نوايا سيئة بل إنه تجلّ لمنطق حتـّمه احتدام المنافسة.

– لماذا لا يستطيع  فاعلون آخرون – مثل النقابات أو المنظمات غير الحكومية – التدخل بنجاعة في الجدل العمومي ؟

– تحاول النقابات التدخل و تنجح في ذلك. فهي ما تزال تمتلك نفوذا سياسيا ذا أهمية. غير أن نسبة الانخراط في النقابات هي بصدد الانهيار سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة . و تبقى حالة المنظمات غير الحكومية مثيرة للاهتمام: فهي تنجح في إسماع صوتها بضجة على الساحة العمومية  و لكن، بعد قولي هذا، أشك في أنها تستطيع الحفاظ على تأثيرها. و فعلا فالمستهلكون و المستثمرون العاميون يتمتعون بنفوذ مفرط ، و كل شركة لا ترفع مردودها الاستثماري إلى أقصى درجة سريعا ما تكون عرضة إلى عرض عام للشراء (OPA) من قبل صندوق من صناديق الاستثمار أو من قبل شركة عالمية. و لا توجد أي مؤسسة تستطيع أن تضحّي بمردودها لفائدة المصلحة العامة.

إن المفهوم القديم لرأسمالية الأطراف المشاركة (stake-holder democracy)، الذي كانت له مع ذلك فاعلية في أوروبا أقوى من فاعليته في الولايات المتحدة، يفترض من أصحاب الأسهم أن يأخذوا بعين الاعتبار (مصلحة) فاعلين آخرين كالأجراء مثلا أو كالمنظمات غير الحكومية المدافعة عن البيئة. غير أنه – وأمام الخيارات المتعددة التي توفرها الرأسمالية العالمية – لماذا نريد من المستثمرين أن يوظفوا أموالهم عند مؤسسة تطلب منهم التضحية بجزء من مرابيحهم  لتحقيق هدف اجتماعي أو بيئي ؟ فحتى في أوروبا نجد أن التراتيب المؤسسية التي تضمن أخذ مصالح الأطراف المشاركة بعين الاعتبار، هي بصدد التضاؤل. و يبدو من العسير أن نفهم كيف يمكن للمؤسسات الغير حكومية أن تحافظ على تأثير قوي لها في المستقبل.

– تقولون أن إحدى نقاط قوة “الرأسمالية العظمى” تتمثل في كونها تستطيع أن تعتمد على تواطىء الأفراد كمستهلكين و كمدخرين حتى و لو لم يجدوا فيها كمواطنين/أجراء منافع لهم. لقد كثر الكلام في المدة الأخيرة على الاستهلاك الأخلاقي أو المواطني، غير أن ذلك في نظركم بعيد على أن يشكل حلا للمعضلة الديمقراطية …

– يشكل الاستهلاك أو الاستثمار المسؤول  اجتماعيا جزءا ضئيلا من السوق. و تطرح من ناحية أخرى مسألة الصالح العام: فإذا ما افترضنا أن المستهلكين يفهمون العلاقة التي تربط بين اختياراتهم الاستهلاكية و الاستثمارية و بين الأضرار الاجتماعية الناجمة عنها، فإنهم سيكونون على أية حال متحفظين و مترددين بشأن التضحية بجزء من رفاهيتهم إذا ما خامرهم شك في أن الآخرين لا يقومون بنفس التضحية أيضا. و يبدو مستبعدا أن يأخذ الأفراد قرارات – تكون غير ناجعة بكل حال إذا ما انفردوا بأخذها دون الآخرين – اللهم إلا إذا ما وُجدت قواعد و قوانين و معاهدات يمكن الاعتماد عليها ( لتطبيق تلك القرارات على الجميع).

– ما هي آفاق تدعيم الديمقراطية ؟

– إني إنسان متفائل . أعتقد أنه عندما يفهم الناس الطبيعة الحقيقية للمشكل تتوفر لدينا فرصة لأن نجد له حلا. لأجل ذلك ألـّفـْتُ هذا الكتاب. و يمثل الفصل الأخير منه نداء إلى القراء كي يتركوا الأيديولوجيا جانبا و يقرّوا العزم على النظر للرأسمالية و الديمقراطية بمحاسنهما و مساوئهما.

فإذا ما توفرت لدينا حقا إرادة كي تكون لنا ديمقراطية أفضل، و إرادة كي نحمي الديمقراطية من الرأسمالية العظمى، عندئذ سيكون لدينا حظ أوفر للوصول إلى تلك الغاية.

* * *

أجرى الحوار” كزافيي دي لا فيغا” Xavier de la Vega 

نشر الحوار بمجلة “العلوم الإنسانية” (Sciences Humaines)

عدد 191 لشهر مارس 2008
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق