روّاد الهوامش وسفينة الحمقى في أحوال مثقفي لبنان العلمانيين

يمر النظام الدولي في مرحلة تحول متعددة الوجوه: تعددية اقتصادية واضحة وسيولة سياسية ترتبت على فشل الانفراد الأميركي الذي تلى انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي. الوضع العربي بدوره يشهد حالة عدم استقرار حادة، فمن جهة تآكل عوامل قيام واستمرار النظام الإقليمي العربي الذاتية ومن جهة أخرى بروز دول، بسبب الوزن والفعالية، من خارج المجموعة العربية واقتحامها لمجال النظام الإقليمي العربي: إيران، تركيا بالإضافة إلى إسرائيل. وأما الوضع السوري، فعلى مفرق طرق فالسلطة تقاتل من أجل البقاء دون تغيير في عالم يضج بالحركة والتغير والتبدل السريع.

{{الإنفراد الأميركي ومآزقه}}

استغلت إدارة الرئيس جورج بوش الابن الهجمات في واشنطن ونيويورك في 11/9/2001 لتنفيذ إستراتيجيتها الدولية، ووظفت التعاطف الدولي معها في استصدار قرار من مجلس الأمن (رقم 1373) يسمح لها بضرب كل من له علاقة بالإرهاب، ويلزم دول العالم بالتعاون معها في ذلك. وقد حددت الخصوم في ثلاث فئات: قوى إرهابية، دول ترعى الإرهاب، ومناخات تفرخ الإرهاب(نذكر هنا أنها قد وضعت سورية في الصنفين الثاني والثالث: دولة ترعى الإرهاب وتعتمد سياسة تفرخ الإرهاب). ووضعت العالم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما مع أميركا أو مع الإرهاب، وجعلت من محاربة الإرهاب أولوية دولية ما سمح لها بالتحرك بحرية والإمساك بمعظم الملفات الإقليمية والدولية. لكن عجز القوة الأميركية في حسم المعركة في أفغانستان والعراق والمواجهة مع كوريا الشمالية وإيران ورد الفعل الدولي المعارض لهذا الانفراد قاد إلى مراوحة أميركية وهجوم قوى إقليمية ودولية معاكس ضد هذا التفرد بالدعوة إلى صياغة عالم متعدد الأقطاب .

أقامت الإدارة الأميركية تصورها حول العالم والهيمنة عليه عبر الإمساك بمفاصله الأساسية فقسمته إلى تسعة مجالات إستراتيجية، يتوافق مع القوى التي تتوقع منها الممانعة أو التحدي أو الخطر أو وجود مصالح اقتصادية هامة، بترول ومواد أولية، وسعت إلى التواجد في هذه المجالات عبر القواعد العسكرية والتدريبات العسكرية المشتركة التي طرحتها تحت مسمى”الشراكة من أجل السلام” والشركات الاقتصادية والاستثمارات المالية. لذا كان انتشارها حول الصين ( 130 قاعدة عسكرية) وروسيا، حيث بدأت عملية مركبة لاستيعاب ليس فقط دول أوروبية شرقية سابقة بل وحتى دول كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي السابق، في حلف الناتو وإقامة قواعد عسكرية في الحديقة الأمامية والخلفية لروسيا الاتحادية، ناهيك عن إطلاق مشروع درع الصواريخ وبدء التفاوض لنشر منصات إطلاق الصواريخ المضادة للصواريخ وشبكات الرادار الخاصة بها في بولندا وتشيكيا ورومانيا وبلغاريا، تنفيذا لخطة إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن وسعيا لتطويق وعزل روسيا تمهيدا لخنقها عملا بأطروحة كيسنجر القائلة: “روسيا مازالت كبيرة لذا فهي مازالت خطيرة”. وكوريا الشمالية وإيران (61 قاعدة وانتشار عسكري في المنطقة العربية وشرق أفريقيا).

ولقد جاءت مغامرتها العراقية، وقبلها في أفغانستان، بمثابة مدخل لفرض إرادتها على العالم وبالون اختبار لمدى تسليم دول العالم بلعبها دور شرطي العالم، فكما كان القصف الأميركي لهيروشيما وناكازاكي، خلال الحرب العالمية الثانية، بالقنابل النووية بمثابة إطلاق رصاص على الصاري السوفياتي، كما قال أحد المعلقين، كانت المغامرة العراقية عرضا للقوة الاستعمارية على اللاعبين الكبار في أوروبا والشرق الأقصى بعامة والصين بخاصة.

لكن وبالرغم من الإمكانات العسكرية ( قوتها تساوي قوة الـ 15 دولة التي تليها) والاقتصادية الهائلة ( حصتها 12 ترليون دولار من إجمالي الناتج الدولي البالغة 30 ترليون دولار) التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأميركية، فإن الإدارة، ونتيجة للأخطاء الإستراتيجية والسياسية في أفغانستان والعراق وإحجامها عن تنفيذ خطة خارطة الطريق في فلسطين، قد أوقعت نفسها في مأزق كبير وخطير من جهة وصبت الزيت على نار الإرهاب من جهة ثانية. فقد اتضح خطأ استراتيجيتها القائمة على الانفراد والضربات الإستباقية من خلال النتائج الواقعية والتي يمكن أن تؤدي إلى هزيمتها إستراتيجيا. ناهيك عن استفزازها لقوى دولية بما فيها قوى حليفة لأميركا، نتيجة فزع الجميع من مجرد التفكير بالعيش تحت سيطرة دولة واحدة، والذي أثار مخاوف روسيا على تآكل قوتها الردعية وقادها إلى السعي لصياغة منظومات إقليمية ودولية على طريق عالم متعدد الأقطاب واحتواء الغطرسة الأميركية – كانت وثيقة: “مفهوم روسيا للعالم في القرن الحادي والعشرين”، التي أعلنتها الحكومة الروسية في بداية الألفية الجديدة، قد عبرت عن هذا التوجه بوضوح.

وقد كان المفهوم المحوري فيها هو التعددية القطبية المؤسسة على تكامل قدرات مناطق العالم وتفاعلها بغرض تحقيق الاستقرار والأمن، باعتبار أن العمل من أجل التعددية القطبية يعكس إرادة غالبية الدول الأعضاء في المجتمع الدولي، فعرضت على دول الاتحاد الأوروبي الاشتراك في منظومة صاروخية دفاعية (قالت إن منظومتها الصاروخية جاهزة وهي متقدمة على المنظومة الأميركية) وهددت بالانسحاب من اتفاقية “الخيار صفر” المتعلقة بالصواريخ البالستية القصيرة والمتوسطة المدى ( مداها بين 300 و 3500كم) والموقعة مع الولايات المتحدة عام 1987، ودفعت مع الصين “منظمة شنغهاي للتعاون” (تأسست سنة1996، ضمت مع روسيا والصين كل من كازاخستان وقرغيزستان وتركمانستان وطاجيكستان قبل أن تنضم إليها الهند وإيران كدول مراقبة، وتطورت في مؤتمر 15 أكتوبر عام 2001 وأصبحت ركنا من أركان التوازن الاستراتيجي في شرقي ووسط آسيا) إلى مزيد من التماسك والتطور، باعتبارها قاعدة عمل لسياسة “أوراسية” جديدة اتبعها الرئيس بوتين مقابل السياسة “الأورو-أطلسية” التي كان يتبعها الرئيس السابق يلتسن، والعمل بجد لتحقيق أهدافها الأساسية المتمثلة في تحقيق الأمن الإقليمي في آسيا الوسطى من خلال منهجاقتصادي يقوم على تنمية التعاون الاقتصادي والتجاري بين دول المنظمة، وآخر سياسي -أمني من خلال التعاون في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة غير التقليدية، خاصةالإرهاب الدولي والنزعات الانفصالية وتجارة السلاح والمخدرات .

كما دفع التفرد الأميركي الصين إلى رفع موازنتها العسكرية بنسبة 25% سنويا والعمل على تطوير قدراتها العسكرية ( أثار نجاحها في تفجير قمر اصطناعي في الفضاء الخارجي بصاروخ بالستي وتعطيل قمر أميركي عن العمل باستخدام أشعة الليزر أسئلة حول حقيقة قدراتها العسكرية) والتحرك لدعم الموقف الروسي عبر الاتفاق على إستراتيجية أمن إقليمي داخل تجمّع دول آسيا الوسطى “منظمة شنغهاي للتعاون” هدفه احتواء الهجوم الأميركي في الإقليم وتطويقه. كما أثار تحفظ الاتحاد الأوروبي الذي رأى في التحرك الأميركي المنفرد إشارة لحرب باردة جديدة دون داع، وتهديدا مباشرا لرؤيته القائمة على مكافحة الإرهاب، وحل النزاعات الإقليمية بطرق سلمية، خاصة الصراع العربي الإسرائيلي، لتحقيق مساحة من الاستقرار النسبي لشعوب العالم. ما دفع فرنسا وألمانيا إلى العمل من أجل تطوير موقف أوروبي مستقل بهدف الحد من التفرد الأميركي في الساحة الدولية،بالإضافة إلى الهند التي لم يمنعها تحسن علاقاتها بالولايات المتحدة من التحفظ على سياسة التفرد والضربات الاستباقية.

وهذا أثار أسئلة حول مستقبل النظام الدولي والخيارات التي يمكن أن تتبناها الإدارة الأميركية، فهل تقتنع بتغيير استراتيجيتها الراهنة وتذهب إلى استراتيجية بديلة تعتمد إقامة شراكات حول الملفات الساخنة عن طريق الاتفاق مع شركاء دوليين لكل ملف أو مشكلة دولية، كما فعلت في الملف النووي الكوري، ما يسمح باستعادة مناخ التفاهم الدولي حول نظام دولي متعدد الأقطاب يبعث الأمل في دول العالم بالتخلص من مناخات التوتر والقلق الدوليين ومن الهيمنة الأميركية.

{{العالم العربي واستحكام الخارج}}

تمر الدول العربية مجتمعة، وكل دولة عربية على حدة، في لحظة سياسية بالغة الدقة: تمزق وتنافر، ضعف وترهل بلغ في بعض الحالات حد الإنهاك وفي أخرى حد الدول الفاشلة. فقد قاد تنفيذ الاستراتيجية الأميركية الجديدة في المنطقة العربية ومفاعيلها، والقائمة على عدة أسس أهمها: منع قيام أي دولة عربية بدور إقليمي وحصر تحرك كل دولة داخل حدودها، والتحكم في مستوى تسلح الدول العربية كما ونوعا، وعرقلة عمل مؤسسات العمل العربي المشترك وخاصة جامعة الدول العربية والتي عبرت عنها مقاطعة الأمين العام للأمم المتحدة، استجابة للموقف الأميركي، لاجتماعات القمة العربية- مقارنة بحضوره قمم المنظمات الإقليمية الأخرى، قمة الآسيان، القمة الإفريقية ..الخ-، مع الهشاشة والضعف البنيوي، إلى انهيار شبه كامل للنظام الإقليمي العربي، حيث بلغ التفكك والتنافر، رغم العقد الدوري للقمة العادية، في السياسات والمصالح درجة غير مسبوقة، تقلص معها العمل العربي المشترك إلى حدود دنيا، وبدأ التركيز على المصلحة الوطنية، بمعنى حماية الأنظمة واستمرارها. وقد تجلى هذا السلوك بوضوح في الموقف من القضية الفلسطينية، حيث تراجع مستوى التعاطي معها إلى حدود دنيا اقتصرت في كثير من الحالات على الوعود، مثل قرار كسر الحصار عن الحكومة الفلسطينية الذي لم ينفذ إلى الآن، وبعض المساعدات الإنسانية الصغيرة. وقد ترتب على ذلك ضعف عام في النظام الإقليمي العربي وخلق حالة فراغ قوة تحركت قوى ودول إقليمية ( إيران، إسرائيل) ومن خارج الإقليم ( الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، روسيا، الصين) لملئه. وقد زاد التطور الذي حدث في العلاقات الدولية لجهة قبول التدخل في شؤون الدول الداخلية لاعتبارات إنسانية وانعكاس العولمة على طبيعة السيادة الوطنية، إذ لم تعد السيادة تحدد بأرض وحدود واستقلال القرار داخل حدود الوطن بل غدت تقاس بنسبة التأثير في الخارج مقابل نسبة تأثير الخارج في الداخل الوطني عبر الاقتصاد وميزان المدفوعات وإنتاج المعرفة والإشعاع الثقافي والسياسي والفني،ناهيك عن الردع العسكري، الوضع العربي هشاشة وجعله أكثر انكشافا على الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية وأكثر قابلية للاستتباع.

كما قاد احتلال العراق وتطابق سياسة الإدارة الأميركية شبه الكامل مع سياسة إسرائيل إلى خلق بيئة إقليمية ضاغطة على الدول العربية بعامة ودول المشرق العربي بخاصة، حيث وجدت نفسها بين المطرقة الأميركية والسندان الإسرائيلي من جهة والتمدد الإيراني من جهة ثانية.

فالعراق ينزلق نحو مواجهة مذهبية مدمرة تغذيها ذهنية الانتقام والرغبة في الانفراد بالسلطة أو تقسيم الدولة العراقية إلى دول كي تفسح لأصحاب النزوع السلطوي الإمساك بجزء كبير من كعكة العراق الدسمة، ناهيك عن سعي إيراني واضح وصريح لوضع اليد على العراق بكامله أو أقله على الجزء الشيعي منه، ما وضع ليس فقط أرواح ملايين العراقيين تحت السكين بل والدولة العراقية ذاتها في مهب الريح. وقد زاد من خطورة ما يجري في العراق أن تداعياته لم تقف عند حدود العراق بل امتد الصراع المذهبي إلى دول عربية وإسلامية أخرى حيثما يتجاور سنة وشيعة وغدا التوتر المذهبي مسيطرا على المزاج الشعبي وأخذ يتقدم على الصراعات الأخرى، بما فيها الصراع العربي الإسرائيلي، جسده انتشار وتداول مفردات عنصرية مثل شيعة ومجوس وفرس وصفويين في الحديث السياسي العربي والإسلامي.

أما لبنان فالوضع فيه ليس أقل سوءا، فغياب اتفاق على مستقبل الدولة اللبنانية والصيغة الأنسب لإدارة الدولة ونمط النظام السياسي المناسب والعلاقات اللبنانية السورية قد هدد ليس مستقبل الدولة اللبنانية فحسب بل وبقاءها. وهذا ضّيع المكاسب التي انطوى عليها نجاح حزب الله في صد العدوان الإسرائيلي في حرب الـ 33 يوما، وأجج الصراع الداخلي الذي تلون بألوان طائفية ومذهبية على خلفية المكونات المذهبية التي تجسدها الأحزاب اللبنانية من جهة والتدخل الإيراني والسوري المؤيد لحزب الله وحلفائه من جهة أخرى، وقد غذى الموقف السوري الرافض لتشكيل محكمة ذات طابع دولي وعرقلته لها عبر حلفائه اللبنانيين (حزب الله وحركة أمل) الانقسام والتوتر السياسي والمذهبي.
والوضع في فلسطين ليس أقل سوءا حيث الخطر الذي تعيشه القضية الفلسطينية أقرب إلى الخطر الوجودي منه إلى الخطر السياسي، ذلك أن الانقسام

الداخلي لا ينذر باندلاع حرب أهلية ماحقة وحسب بل وبإعادة القضية الفلسطينية إلى مرحلة ما قبل تكوّن الحركة الوطنية الفلسطينية ونجاحها بتجسيد هوية وطنية ووضع الشعب الفلسطيني وحقوقه على أجندة المجتمع الدولي – الذي أقر بوجود هذا الشعب وبحقوقه السياسية- بعودة الحديث عن إعادة الضفة الغربية إلى الأردن وقطاع غزة إلى مصر أو الذهاب إلى تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى كيانين فلسطينيين واحد في غزة تحت سيطرة حركة حماس وآخر في الضفة الغربية تحت سيطرة حركة فتح.

والسودان الذي قادته السياسة القصيرة النظر لجبهة الإنقاذ إلى حالة تفكك وتفتيت حيث تكرس الجبهة الشعبية لتحرير السودان انفصال الجنوب قبل مرور الفترة المتفق عليها لإجراء استفتاء حول مستقبل العلاقة بين الشمال والجنوب، وشرق السودان يطالب باتفاق شبيه باتفاق نيفاشا ودار فور تدوّل بسبب عجز السلطة عن تحقيق الوفاق والأمن فيه. والصومال ليس بعيدا عن هذا الوضع المأساوي حيث توجت الحرب الأهلية المدمرة،التي امتدت لأكثر من عقد ونصف العقد ،باحتلال أثيوبي بمباركة أمريكية وصمت عربي.هذا دون أن ننسى انتشار دائرة الإرهاب الذي تنفذه منظمات جهادية وانعكاساته المدمرة على البنى المجتمعية العربية الهشة التي يمكن أن تنزلق نحو حرب أهلية تغذيها أوهام عقائدية دينية وسياسية. مع ملاحظة إن نجاح السعودية في تجميد التصعيد في لبنان،عبر الحوار مع إيران،وفي توقيع اتفاق مكة بين حركتي فتح وحماس،واستضافتها لقمة عربية ،بعد طول تمنع،لم يؤدي إلى بعث آمال في تفعيل النظام الإقليمي العربي وبعثه من سباته العميق والمديد بسبب المواقف الملتبسة التي أعلنتها القمة خاصة لجهة تفعيل مبادرة السلام العربية ومخاطر الانزلاق نحو تطبيع دون ثمن مع إسرائيل.

{{سوريا… حدود المناورة}}

تعيش سورية اليوم في ظل معادلة سياسية مركبة وخطرة. فالسياسة الرسمية للنظام التي تتحرك بدلالة بقاء النظام، حتى لو قاد ذلك إلى تدمير البلاد، أدخلت البلاد في عنق زجاجة عبر إعادة إنتاج سياسة استخدمها النظام قبل المتغيرات التي شهدها الوضع الدولي ( انتهاء الحرب الباردة، انهيار الإتحاد السوفياتي، احتلال العراق، صدور القرار 1559 واغتيال الحريري..الخ.) والتي تعتمد تكتيك تجميع أوراق إقليمية واستخدامها كأرصدة تفاوضية في المساومات الإقليمية والدولية، دون أخذ التغيرات التي حصلت في البيئة الإقليمية والدولية، وفي البيئة الداخلية للنظام نفسه، بعين الاعتبار، ما جعل سورية عرضة لمخاطر كبيرة.

فالعودة إلى الاستراتيجية السابقة والترقب وانتظار أن يقع الخصم في أخطاء أو ينشغل بهموم أخرى، بحثا عن لحظة يكون ممكنا فيها عقد صفقة مقبولة معه، ورفض إعادة تكييف ورسم السياسات الداخلية والخارجية لتتواءم مع متغيرات الوضع الإقليمي والدولي، وعدم البحث عن خيارات أخرى خارج نطاق ثنائية الممانعة والتفريط المفتعلة، أوقعت النظام في أخطاء استراتيجية، وأدخلت البلاد في مآزق كبيرة وخطيرة، من العزلة العربية والدولية إلى مخاطر الانزلاق إلى مواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية القوة العظمى المهيمنة على النظام الدولي، خاصة في ظل قانون محاسبة سورية والحديث عن قانون تحرير سورية والقرارات الدولية التي صدرت ضد النظام : 1559 و 1636و1680والقرار 1701 ….الخ.

انطلقت السلطة في مقاربتها للضغوط الدولية من فرضية أساسية ومجموعة فرضيات فرعية. الفرضية الأساسية هي استثمار خوف المحيطين الإقليمي والدولي من الانزلاق إلى حالة تزيد حدة الفوضى التي أطلقها الاحتلال الأميركي للعراق في الإقليم. ومفرضيات فرعية تبدأ من استثمار حاجة الإدارة الأميركية لمناخ يفسح المجال لوضع استراتيجية خروج من العراق، إلى استثمار نجاح الحليف الوحيد (إيران) في اختراقه للساحة العراقية عبر قوى وتجمعات سياسية شيعية، مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحركة الدعوة، إلى توظيف نفوذها في الساحتين اللبنانية والفلسطينية بوضع عقبات أمام الحكومة اللبنانية عبر حركة أمل وحزب الله ودفع الوضع في لبنان إلى حالة استعصاء سياسي، ودفع حركة حماس إلى التشدد في التعاطي مع مطالب الرباعية… الخ، مرورا باستثمار الموقف الإسرائيلي الذي يرى المحافظة على الاستاتيكو القائم وإبقاء ملف المفاوضات السورية الإسرائيلية، رغم العروض السورية السخية، مغلقا ريثما تنتهي إسرائيل من الملف الفلسطيني.

في هذا السياق، يمكن اعتبار خطاب رئيس الجمهورية السورية يوم (10/11/2005) وحصره الخيارات الممكنة بـ “البقاء أو الفوضى” ومهاجمة القيادة السياسية اللبنانية والمعارضة السورية، التي اتهمها في وطنيتها، على خلفية ما اعتبره تصعيدا داخليا بالتوازي مع الضغوط الخارجية- علما إن مطالب المعارضة الديمقراطية السورية،التي تجاهلها النظام واتهم أطرافها بشتى التهم، سبقت الضغوط الخارجية وأصبحت بهذه الضغوط أكثر راهنيه وإلحاحا- والتصريح بأن عملية الإصلاح لن تكون سريعة، وتسخيف دعوة المصالحة الوطنية، تجسيدا منطقيا لهذه الإستراتيجية.

لقد ترتب على تكتيك خيار شمشون (عليّ وعلى أعدائي) الذي تبنته السلطة، والذي دفعها إلى إغلاق المسرح السياسي حولها وتخويف المحيط الإقليمي والدولي من الفوضى وعدم الاستقرار الذي سيترتب على أية مواجهة معها (توسعت السلطة السورية في اعتقال مواطنين سوريين بتهم السلفية والجهادية و”جند الشام”…الخ في سعي واضح لتأكيد مقولة المخاطر التي تنتظر الوضع الدولي إذا ما أسقط السلطة السورية أو دفعها نحو الانهيار بسبب العزل والحصار لان البديل لن يكون سوى المتشددين )، واللعب بالأوراق الإقليمية، التي لا تزال تملك فرص التحرك داخلها، جعل ظهر السلطة السورية إلى الجدار، أغلق أبواب المناورة أمامها وقيد حركتها، ولكنه لم ولن يفسح المجال لتحقيق نجاح في خلق فرص للخروج من المأزق.

لن تُعرف صورة الوضع الدولي والعربي والسوري قبل أن يظهر أثر المأزق الأميركي في العراق وأفغانستان، وقدرة الدول الكبرى على إقناع الولايات المتحدة بالقبول بالتعددية القطبية والتخلي عن سياسة الهيمنة والضربات الاستباقية، وقدرة الدول العربية، التي تنفست الصعداء بعد أن قاد المأزق الأميركي إلى تراجع الضغوط وتلاشي دعوات الإصلاح الأميركية، على التملص من الضغط الأميركي وتبني سياسة عربية مستقلة، وقبل أن يأخذ الوضع في كل من العراق وفلسطين ولبنان شكله النهائي، وقبل أن يتضح الحل في الملف الإيراني ويتحدد مستقبل التمدد الإيراني. فالإدارة الأميركية، وبسبب بنيتها العقائدية، لا تقبل أنصاف حلول. والمثال الليبي مازال ماثلا حيث لم ترفع هذه الإدارة العقوبات عن ليبيا بشكل كامل رغم كل الهدايا المجانية التي قدمتها الأخيرة. صحيح أن الإدارة الأميركية ليست في وارد استخدام القوة العسكرية في التعامل مع النظام السوري، الآن على الأقل، كي لا تزيد تعقيد المشهد السياسي في المنطقة بعد التطورات التي حدثت في العراق والمأزق الذي تواجهه هناك، ولكنها في الوقت ذاته ليست في وارد المساومة معه، حيث عكس مؤتمر بغداد استمرار التشدد الأميركي ضد إيران وسورية رغم حاجة واشنطن لمناخات التهدئة لطمأنة الكونغرس والشعب الأميركيين. وقبل أن تتضح خيارات المواجهة الأميركية الإيرانية، إن بشأن الملف النووي الإيراني أو الدور الإقليمي لإيران، فإن إيران المسكونة بالهواجس والمخاوف على نظامها السياسي من الولايات المتحدة الأميركية نجحت من خلال التعاطي الإيجابي والفعال مع ملفات المنطقة وأزماتها في الإمساك ببعض الأوراق في العراق ولبنان وفلسطين وسعت لاستخدامها في مساومات ومفاوضات مع الولايات المتحدة من أجل إيجاد مخرج للمواجهة القائمة بين الطرفين، غير أن أسلوبها في إدارة هذه الملفات قد قاد إلى تصعيد التوتر المذهبي بين السنة والشيعة وإلى استفزاز دول عربية شعرت أن الصعود الإيراني يأكل من حصتها ودورها العربي والإسلامي فتحركت لمواجهته وردعه واحتواء تحركه (التصدي لإيران في لبنان وقمة إسلام أباد) بالتوازي مع الضغط الأميركي والدولي (قرارا مجلس الأمن )، ما اضطرالجمهورية الإسلامية إلى الانكفاء والدخول في حوار ومساومات بشأن ملفات كانت بيدها، خاصة بعد بروز خلاف مع روسيا حول سبل إدارة الملف النووي، وهو أظهر حدود القوة الذاتية الإيرانية من جهة وعدم استحالة تجاهل الأخيرة لمصالح حليفتها سورية في سبيل تحقيق مصالحها وأمنها القومي من جهة ثانية.

وقبل ظهور نتائج تحرك السلطة السورية في لبنان وفلسطين ومدى نجاح سياسة شفير الهاوية في تخليصها من المأزق الراهن وكسر العزلة العربية والدولية بالتوصل إلى تفاهمات عربية (لم تثمر محاولاتها لكسر العزلة العربية عبر تحقيق مصالحة مع كل من السعودية ومصر حيث مازال الفتور معهما سيد الموقف بسبب رفض السلطة السورية الخروج من تحت العباءة الإيرانية والكف عن التدخل في الشؤون اللبنانية والفلسطينية) ودولية تضمن فيها بقاءها وتعين حدود دورها وطبيعته في ضوء تجاهلها للعامل الداخلي ورفضها لأي تفاهم مع قوى المعارضة الديمقراطية السورية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق