“رَحِم باريس” الإسلامي

يعيش في أوروبا الغربية في الوقت الحاضر ما بين 15 و24 مليون مسلم. ويتوقع الديمغرافيون أن يتضاعف عدد المسلمين في أوروبا بحلول عام 2015 بسبب مستوى الولادات العالي والهجرات الجماعية من بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وقد نشأت أحياءٌ وضواحٍ إسلامية في باريس وبرلين ولندن ومدن أوروبية أخرى كثيرة.

{{الشريعة في ثوب أوروبيّ}}

وجدت الأفكار الداعية إلى الجمع بين الإسلام والحضارة الأوروبية تعبيراً عنها في ما يسمّى بالإسلام الأوروبي، أي الإسلام الليبرالي المشبّع بالثقافة الأوروبية. والزعيم الروحيّ لهذا التيار هو السويسري، مصري الأصل طارق رمضان، وهو رجل دين مسلم، فرنسيُّ اللغة.

وُلِد طارق رمضان في جنيف، ويعمل الآن أستاذاً في كلية اللاهوت بجامعة أوكسفورد. وقد وصفته مجلة “تايم” عام 2000 بأنه واحد من مائة عالم يُعَدُّون أبرز المجدِّدين في القرن العشرين. ويؤكّد طارق رمضان على ضرورة التقريب بين الثقافة الأوروبية والإسلام، وعلى تصالح المسلمين مع الحضارة الأوروبية، والفصل بين الإسلام والثقافة العربية. كما يؤيّد رمضان فكرة الديمقراطية، ويقف ضدّ انغلاق المسلمين على أنفسهم في “غيتوهات” تخصّهم، ويدعو إلى تلطيف أحكام الشريعة الإسلامية في ظروف أوروبا، ويحثّ المسلمين على تعلّم لغة البلاد التي يعيشون فيها، والاندماج السريع بالمجتمع الأوروبي.

ومن أشهر المؤيدين لأفكار الإسلام الأوروبيّ إمام مسجد باريس الكبير دليل بوبكر. فهو مقتنع بأنه يجب على المسلمين الفرنسيين أن يناصروا الحضارة الأوروبية، مع الحفاظ على هويتهم الإسلامية. ويرى بوبكر أنّ سبب ازدياد نفوذ الإسلام الراديكالي هو التسامح الزائد الذي تبديه السلطات في البلدان الأوروبية. ولا بدّ من وضع حدّ لدعوة المتطرّفين، ودعم أنصار الإسلام الأوروبي. على أنّ هذه الدول لا تفعل شيئاً، وهذا ما يمكِّن الإسلاميين من مواصلة وعظهم في المساجد الأوروبية بيسر يساعد على تزايد عدد أنصار التنظيمات المتطرّفة. وهؤلاء تحديداً، وليس أنصار الإسلام الليبراليّ، هم من يؤثّرون على مشاعر المسلمين وعقولهم في أوروبا. ثم إنّ المسلمات ذوات النزعة الراديكالية يرتدين لباساً خاصاً كوسيلة لاستعراض آرائهنّ المتطرّفة. زِدْ على ذلك أنّ منظر عدد كبير من المسلمات المحجّبات في شوارع العواصم الأوروبية يعطي صورة واضحة عن شعبية أفكارهنّ الراديكالية.

ويُعرب بوبكر عن اقتناعه بأنّ: “التسامح الذي تظهره السلطات إزاء المتطرفين هو السبب في زيادة تمكين الإسلام الراديكالي في فرنسا والدول الأوروبية الأخرى، بينما تحاربه السلطات بقوّة في الجزائر وتونس والمغرب”.

وقد تأسّس عام 2000 في فرنسا “المجلس الفرنسي الخاصّ بالعبادات الإسلامية” من أجل إرساء حوار بين المسلمين والدولة والمجتمع. وأسفرت الانتخابات الحرّة التي أجريت في الجاليات الإسلامية في المدن الفرنسية عن فوز الإمام دليل بوبكر برئاسة هذا المجلس الذي يسعى إلى القضاء على نفوذ الإسلاميين، ويدعو المسلمين إلى احترام المؤسسات الأوروبية ونمط الحياة الغربيّ، والتعامل مع الدين بوصفه مسألة شخصية.

على أنّ أفكار الإسلام الأوروبي لاقت انتشاراً معيناً، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، في دول آسيا الوسطى وفي روسيا أيضاً. ففي عام 2005 دعا نائب رئيس تترستان، مدير معهد التاريخ التتري رَفائيل حكيموف، إلى ضرورة نشر الإسلام الليبراليّ الذي يمثّل أفضل استجابة لنمط الحياة والتقاليد الثقافية في روسيا وأوروبا. ويرى حكيموف أنه لا يجوز اتخاذ القرون الأولى من عمر الإسلام وحدها نموذجاً، ولا القياس على العادات والتقاليد العربية التي لا رابط بينها وبين نمط حياة المسلمين في روسيا.

ويشدِّد أنصار الإسلام الليبرالي على الخطر العالمي الذي يمثله الإسلاميون الراديكاليون، فيقولون: “إن الراديكاليين الإسلاميين يوسِّعون اليوم نفوذهم بشكل ملحوظ، ويحتلون مواقع أكثر رسوخاً في المجتمع الإسلامي. وهم مرتبطون أساساً بالمملكة العربية السعودية ويعتنقون الوهابية. إنّهم ميالون إلى تسييس الدين وتأصيله في الحياة السياسية. وهذه مسألة في غاية الخطورة”. لذلك فهم يناشدون السلطات في فرنسا وفي أوروبا كلِّها أن تمدّ التيار الليبرالي بجميع أنواع المساعدة، بما في ذلك المساعدة المالية، وأن تستفيد من خبرة الدول الإسلامية المدنية في التصدي للراديكاليين الإسلاميين”.

غير أنه في الانتخابات الدورية عام 2008 لاختيار قيادة داخل المجلس الفرنسي الخاصّ بالعبادات الإسلامية احتدم الصراع على السلطة بين الجاليتين “الجزائرية” و”المغربية”. إذ يوجد في فرنسا قرابة مليون ونصف المليون شخص من أصل جزائريّ، ومليون شخص من أصل مغربيّ. وفيما يطمح الجزائريون إلى تولّي رئاسة المجلس بدعوى أنهم الأكثر عدداً، يستند المغاربة إلى تفوّقهم بعدد المسلمين المصلّين بينهم. وقد انتصر المغاربة الذين ينسبون أنفسهم، شأنُهم في ذلك شأن الجزائريين، إلى الإسلام الليبرالي. إلا أنّ سمعة مجلس المسلمين في فرنسا تضرّرت كثيراً، لأنّ الانتخابات المذكورة أظهرت للملأ أنّ مبدأ التضامن الإثني ما يزال، بالنسبة للطرفين، أكثر أهمية ممّا يصرِّحان به من تأييد للديمقراطية الأوروبية والقيم الليبرالية.

{{دولة في الدولة}}

إنّ فكرة اندماج المسلمين بالحضارة الأوروبية لم تصبح بعدُ فكرة مهيمنة في أوساط المسلمين. بالعكس، وخلافاً للسنوات الماضية، يزداد عدد المسلمين المهاجرين وأبنائهم الذين يرفضون أصلاً الاندماج بالمجتمع الأوروبي، ويُظهرون مزيداً من التعصّب الديني. فمثلاً، يزداد وقوع حوادث غريبة من نوع قيام المسلمين بمطالبة المؤسسات القضائية بإزالة صور المسيح مصلوباً عن جدران غرف رياض الأطفال والمشافي التي تشرف عليها الكنيسةُ أو الصناديقُ المسيحية، بدعوى أنّ هذه الأماكن الاجتماعية يزورها المسلمون وأولادهم. وقبل مدة قصيرة قام أحد المسلمين في مدينة برغامو الإيطالية بإزالة تماثيل السيدة العذراء واثنين من الملائكة، وهي مفخرة الحيِّ كلِّه، عن جدار أحد البيوت، مؤكِّداً أنّ منظر تلك التماثيل يهين مشاعره الدينية.

أمّا الآراء الأكثر انتشاراً بين المسلمين حول مصير أوروبا في المستقبل، فنستطيع الحكم عليها من خلال تصريحات الشيخ يوسف القرضاوي رئيس مجلس الفتوى الأوروبي، رئيس الرابطة العالمية للعلماء المسلمين، والزعيم الروحي لمنظمات إسلامية أخرى.

يؤيد الشيخ القرضاوي الحوار مع غير المسلمين، غير أنّه يدعو إلى الفصل بين المسلمين الذين يعيشون في أوروبا وبين الحضارة الأوروبية، ويُصرّ على أنّه “يجب أن يكون للمسلمين مجتمعاتهم الصغيرة ضمن المجتمع الكبير، وإلا ذابوا فيه كالملح في الماء”. ويقترح الشيخ القرضاوي على المسلمين أن يستفيدوا من خبرة اليهود التاريخية، إذ يقول: “ما الذي حافظ على الخصوصية اليهودية طيلة القرون الأخيرة؟ إنّ ما حافظ على الأفكار والعادات هو الطائفة الصغيرة التي تسمّى “الغيتو اليهودي”. فلتسعوا إلى إقامة “الغيتو الإسلامي” الخاص بكم”.

ويعتقد القرضاوي أنّ الإدارة الداخلية في “الغيتو الإسلامي” يجب أن تقوم على أساس مبادئ الشريعة، ويجب أن يكون لـ”جُزُر الإسلام” هذه علماء خاصّون بها يجيبون على الأسئلة التي تطرحها حياة المسلمين اليومية”.

إنّ معظم أئمة المساجد في كثير من مدن أوروبا إنّما تلقّوا تعليمهم الديني في الدول العربية، وكثيراً ما تجدهم لا يعرفون اللغات الأوروبية. غير أنّ تلقِّي العلم في أوروبا لا يضمن ولاء رجال الدين لنمط الحياة الأوروبية. والمثال الجليّ على ذلك هو أبو حمزة (مصطفى كامل مصطفى) المولود في مصر عام 1958. فقد سافر إلى بريطانيا عام 1979 وحصل على إجازة في الهندسة المدنية. ثم سافر عام 1992 “ليقاتل الكفّار” في أفغانستان. وعاد بعد خمس سنوات إلى لندن لينتخبه المصلّون إماماً لمسجد فينسبِري بارك فيها.

وأكسبته خطبه شعبية كبيرة بين الشباب المسلمين في لندن. وعملياً صار ذلك المسجد فرعاً محلياً “للقاعدة”، يجمع الأموال “للجهاد”، ويجنِّد متطوِّعين يرسلهم إلى البوسنة والشيشان. ومن بين روّاد مسجد فينسبِري بارك كلٌّ من زكريا موسوي الذي اتُّهم بالإعداد لعمليات 11 أيلول/سبتمبر 2001 في نيويورك، وريتشارد ريد الذي أعتقل عام 2001 بسبب محاولته تهريب مواد متفجرة في نعل حذائه إلى الطائرة. وكان أبو حمزة قد اعتقل أوّل مرّة في أيار/مايو 2004 بطلب من الولايات المتحدة الأمريكية، بتهمة التعاون مع “القاعدة”. وأُطلِق سراحه بعد شهر لأنّ بريطانيا كعضو في الاتحاد الأوروبي لا تملك حق تسليم مواطنيها إلى بلدان تسمح قوانينها بإصدار أحكام بالإعدام. وفي تشرين الأول/أكتوبر عام 2004 أيضاً أعيد اعتقال أبو حمزة بتهمة التحريض على الإرهاب. إذ اتّهمته المحكمة بالتحريض المنظم على القتل وإثارة النعرات العرقية، وحيازة تعليمات حول القيام بأعمال إرهابية.

والداعية الدينيّ الآخر بين المسلمين في بريطانيا هو أبو قتادة الذي حصل على حقّ اللجوء عام 1994، وكان قبل ذلك متّهماً بالإرهاب، أصدرت المحكمة الأردنية بحقّه حكماً بالسجن المؤبّد مدى الحياة. وكان أبو قتادة ممثلاً “للقاعدة” في مصر، و”اليد اليمنى” لأسامة بن لادن في أوروبا. وجاء اعتقاله عام 2002 بعد أن اكتشفت الشرطة في شقق الإٌرهابيين الذين قاموا بتفجيرات 11 أيلول أشرطة فيديو تتضمن خطبه التي يدعو فيها المسلمين إلى الجهاد. وقد أودِع أبو قتادة سجن بيلمارش ذا النظام القاسي في لندن، فأمضى فيه ثلاث سنوات أُطلِق بعدها سراحه لمدة قصيرة، ثم أعيد اعتقاله من جديد بعد سلسلة الأعمال الإرهابية في لندن عام 2005 بتهمة تقديم العون للإرهابيين. وبعد ثلاث سنوات أطلق سراحه بكفالة مالية ليتجدد اعتقاله بعد محاولته مغادرة بريطانيا. وفي شباط/فبراير 2009 وافق أعضاء مجلس اللوردات البريطاني على ترحيل أبو قتادة إلى الأردن. وصرّحت وزيرة الداخلية البريطانية جيكي سميث أنها تعتزم ترحيله بأسرع ما يمكن نظراً لأنّه يشكل خطراً على البلاد. غير أنّ الترحيل قد يتأخر ريثما تنظر المحكمة الأوروبية الخاصة بحقوق الإنسان في قضية أبو قتادة الذي يؤكّد أنّه مهدّد بسوء المعاملة في الأردن.

وقدّمت الحكومة الأردنية لبريطانيا ضمانات بأنّ أبو قتادة لن يتعرّض للتعذيب أو الإعدام في الأردن. ولكنّ المحكمة الأوروبية الخاصة بحقوق الإنسان لم تقل بعدُ كلمتها بشأن ترحيل أبو قتادة إلى الأردن، وبدلاً من ذلك قضت يوم 19/2/2009 بإلزام السلطات البريطانية على إعطائه 2500 جنيه استرليني تعويضاً عن اعتقاله في السجن دون محاكمة مكتفية بالاستناد إلى القانون البريطاني الخاصّ بالإرهاب. وهذا ما تعدُّه المحكمة انتهاكاً فظاً لحقوق الإنسان. وقرار المحكمة قطعيّ غير قابل للطعن.

وقد فرضت المحكمة الأوروبية الخاصّة بحقوق الإنسان على بريطانيا دفع تعويض ماليّ يتراوح ما بين 1500 و 3400 جنيه استرليني لعشرة مسلمين آخرين أوقفوا في السجون البريطانية بعد 11 أيلول 2001 بتهمة الإرهاب والتعاون مع “القاعدة”. فقد رأى القضاة أن تعامل السلطات مع السجناء يخالف ثلاث مواد في الاتفاقية الأوروبية الخاصة بحقوق الإنسان، هي: حقّ الحرية، والحقّ في محاكمة عادلة، والتعويض عن الاعتقال غير الشرعيّ.

{{بالوعظ لا بالسيف}}

يتنبّأ الشيخ يوسف القرضاوي بأنّ تزايد عدد المسلمين في أوروبا سيجعل “جُزُرَ الإسلام” تطوِّق السكان غير المسلمين تدريجياً. وهو لا يشكّ في أنّ الإسلام “سيعود إلى أوروبا فاتحاً ومنتصراً بعد طرده من هناك مرّتين، إلا أنّ هذا الفتح سيكون بالوعظ، لا بالسيف”.

وتشهد مجرَيات الأمور في أوروبا على أنّ آراء الشيخ القرضاوي تلاقي بين المسلمين هناك رواجاً يفوق كثيراً رواج أفكار الإسلام الليبرالي. ثم إنّ مستوى رفض الواقع المحيط يزداد تصاعداً باستمرار بين أبناء المهاجرين من الجيلين الثاني والثالث، ويتخذ أشكالاً راديكالية أكثر فأكثر.

على أن الواقع الديموغرافي القائم يعزّز يقين المسلمين في أنّ أوروبا الغربية ستصبح، إن عاجلاً أم آجلاً، جزءاً من العالم الإسلامي. وهناك اعتقاد على نطاق واسع بأن “رَحِمَ الأمّ المسلمة هو أكثر الوسائل الفعالة في أسلمة أوروبا والعالم كلِّه”. ويؤمن كثيرون من أنصار الإسلام الراديكاليّ بأنهم سيأخذون في أقرب وقتٍ “ثأرهم التاريخيّ”، وبأنّ فرنسا ستكون أوّل دولة في أوروبا الغربية، ومنها سيبدأ الإسلام مسيرته الظافرة إلى باقي بلدان القارة والعالم بأسره.

فهل سيؤدي تزايد عدد السكان المسلمين إلى أسلمة أوروبا؟ إنّ كثيرين من الزعماء المسلمين لا يشكّون في ذلك. فمثلاً، إمام مسجد أكاديمية الملك فهد العسكرية في العاصمة السعودية، الشيخ محمد بن عبد الرحمن العارفي، أعلن بعد وفاة البابا يوحنا بولس الثاني: “سنتحتلّ الفاتيكان، وسنحتلّ روما وننشر الإسلام هناك، ولن يبقى أمام النصارى إلا خيار واحد هو اعتناق الإسلام، أو دفع الجزية”.

يستطيع الساسة الأوروبيون مواصلة التظاهر بأنهم لا يرون المسلمين يختلفون بشيء عن الأقليات الأخرى. غير أنّ مواصلة السير الميكانيكية على طريق الديمقراطية والليبرالية ليست حلاً لمشكلة واضحة للعيان. ولن يقود ذلك إلا إلى مزيد من عزلة المسلمين في أوروبا، وزيادة نفوذ الإسلام الراديكالي في أوساطهم، الأمر الذي قد ينقلب في وقت قريب إلى خطر حقيقيّ يهدّد الاستقرار الداخليّ. على أنَّ تمادي السلطات والمجتمع في غضّ النظر عن مشكلة تنامي نفوذ الإسلام الراديكالي في أوروبا سيزيد من صعوبة إيجاد الطرق المناسبة والفعالة لحلِّ هذه المشكلة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق