زلزال استراتيجى يضرب أركان العالم / العربى صديقى

 ما يجتاح العالم اليوم من أقصاه إلى أدناه هو حركة احتجاجية كبيرة، يصدق عليها تسمية “المد الاحتجاجي”، فخلال أقل من عام، كانت الاحتجاجات تنتشر في أكثر من 001 مدينة حول العالم، مما جعل منها ظاهرة عالمية، لها قواسم مشتركة تتقاطع فيها جميع حركات الاحتجاج في العالم. وتستطيع القراءة في السياق الزماني والمكاني (الزمكانية) لهذه الظاهرة أن تعطينا مؤشرات مهمة تقول إنها لم تقف فقط عند الدول التي لم تعرف الديمقراطية قط، بل تعدتها لتصل إلى العواصم الأغني في العالم، “عواصم المال والأعمال”، بالإضافة إلى عواصم عدد من دول العالم الثالث. وهنا، يتداخل المحلي مع الكوني في هذا “المد الاحتجاجي”، والذي كانت الثورات العربية ملهمة ومؤثرة فيه علي أكثر من صعيد.

 

خلفية تاريخية:

 

إن السخط هو ظاهرة ملتصقة بالشأن العام وليست جديدة، تجسدت في أماكن وفترات عدة عبر التاريخ. فعربيا، عرفت الشعوب العربية العديد من هذه الحركات الاحتجاجية، وانتفاضات الفلاحين والعمال. وأوروبيا، شهدت أوروبا موجات من السخط الاجتماعي الذي أنتج ثورات عارمة أطاحت بالعديد من الأنظمة الاستبدادية. وهو ما نجد انعكاساته في الأدب، ويمكن ملاحظته بقوة من خلال كتابات فيكتور هوجو، خاصة في كتابه البؤساء(1)، وكذلك كتابات إيميل زولا(2). كذلك، عاشت أمريكا الشمالية والجنوبية حركات احتجاج اجتماعية غيرت مجرى الحياة السياسية، وليس بعيدا الحركة الاحتجاجية للسود في أمريكا الشمالية التي أدت إلى إعطائهم الحقوق السياسة والمدنية.

 

وفي كل هذه الاحتجاجات، فإن لنا أن نلاحظ وجود قواسم مشتركة. فحركة السخط هي ردة فعل علي التهميش والظلم، وعدم توافر آليات التمثيل والمحاسبة وتوزيع الثروة، وهي الشروط التي تشكل أبرز مكونات الحكم الرشيد. وبشكل عام، نجد أن السخط في العصر الحديث يمكن تصنيفه إلى:

 

– سخط سياسي: وهذا النوع مرتبط بصورة أساسية بنضالات سياسية منبثقة من الاهتمام بشأن أحادي، مثل الحركات المناوئة للتسلح النووي، وحركة السلم العالمية، وهذه تذكرنا بالمد الاحتجاجي الذي نشأ في قلب أوربا خلال الحرب الباردة، ولا تزال هذه الحركة الاحتجاجية مستمرة إلى يومنا هذا. وأبرز دليل علي ذلك هو محاولة الآلاف من المحتجين قطع الطريق أمام قطار يحمل النفايات النووية في ألمانيا في نوفمبر 2011 .

 

سخط أيديولوجي: وأبرز وجه لهذا السخط هو الاحتجاجات التي شهدها المعسكر السوفيتي المنحل. وهنا، يمكن أن نورد احتجاجات المجر، التي شهدتها بودابست في الخمسينيات من القرن الماضي كردة فعل علي السيطرة السوفيتية والهيمنة الشيوعية.

 

أما في العالم العربي، فقد جاء السخط العربي مركبا، يشتمل علي شق يتعلق بالدوافع ذات العلاقة بالعدالة الاجتماعية، وشق آخر يتعلق بالدوافع ذات العلاقة بالكرامة والحرية السياسية. كما يمكن القول إن الاحتجاجات العربية مرتبطة بغياب العدالة التوزيعية في كنف العولمة الجديدة، وهي إلى حد ما تحاكي التراشق بين الشمال والجنوب. وقد كان هذا البعد واضحا في احتجاجات المحلة الكبري في مصر، والحوض المنجمي في تونس، وهي مدن الجنوب المهمش، وبخاصة قطاع الصناعات التقليدية التي تعرضت إلي تقويض وتهميش، في ظل انغماس هذه الدول في ظاهرة العولمة الاقتصادية (3).

 

إن موجة السخط العالمي التي تجتاح العالم حاليا هي أيضا موجة مركبة من مزيج يتعلق باستحقاقات اقتصادية توزيعية، وأخري تصب في وعاء الاستحقاق السياسي والحرية والكرامة.

 

من الاحتجاج إلى الثورة:

 

في تعريفه لمفهوم الثورة، يقول “أيرك هوبزباوم” إن الثورة هي تحول كبير في بنية المجتمع. ويركز الكاتب علي فكرة التحول في إطار الأوضاع الأوروبية ما بين عامي 1789 و 1848(4). ويشير هذا التحليل إلى أربعة عناصر تجذب إليها النظر عند الحديث عن الثورة:

 

العنصر الأول: الخصوصية، وهنا يركز هوبزباوم علي أن لكل ثورة خصوصيتها من حيث الزمان والمكان، وليس هناك تشابه أو تطابق بين ثورتين.

وينطبق ذلك علي السياق العربي، حيث لكل بلد خصوصيته من التكوين الديموغرافي والطبيعية الجغرافية وحتي الطبائع البشرية. فتونس تختلف بتركيبتها الديموغرافية وطبيعتها الجغرافية وطبائع شعبها عن الشعوب المجاورة، فلها خصوصيتها التي تميزها عن الآخرين.

 

العنصر الثاني: هو انتصار منظومة جديدة علي منظومة قديمة. وفي الإطار العربي، يمكن الحديث عن غلبة منظومة قيمية عربية جديدة بكافة جوانبها علي منظومة قيمية قديمة. وهنا بيت القصيد، وهو أن في الحالة العربية هناك قطيعة بين منظومتين تختلفان عن بعضهما بعضا.

 

العنصر الثالث: البعد الجغرافي للثورة، حيث يشير هوبزباوم إلى تأثير الثورات في مناطق دول الجوار، وفي صيرورة التحول فيها (في إشارة منه إلى أوربا وأمريكا الشمالية).

 

وفي السياق العربي، يبرز هذا البعد بصورة جلية في انتقال الثورة من دولة إلى أخري، وذلك نظرا للتقارب الجغرافي، ووحدة الدين واللغة، والتاريخ المشترك، والتقارب في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لأغلب الدول العربية. وثورة تونس يجب أن تفهم ضمن هذا السياق، حيث امتدت موجات الثورة إلى مناطق جغرافية مجاورة في اتجاه الشرق والغرب. وهذا ما عبر عنه المفكر العربي عزمي بشارة، في مقال نشر عقب اندلاع ثورة تونس(5).

 

العنصر الرابع: التراكمية، وهنا يرجع هوبزباوم تفجر الثورة إلى عوامل متراكمة عبر عدد من السنين أحدثت ضغطا علي القاعدة، فولدت الانفجار الذي يجسد حالة الثورة.وفي السياق العربي، يمكن القول إن الثورات العربية هي نتاج تراكم عوامل ضغط اجتماعي واقتصادي وسياسي علي القاعدة الشعبية، مما أدي إلى تفجر الثورة، وهذا ينسحب علي العديد من الدول العربية التي شهدت وستشهد ثورات مشابهة.

 

وفي السياق الأوروبي، تحدث هوبزباوم عن أزمات الأنظمة البائدة شمال وغرب العالم، وعن فقدان الشرعية واستفحال الاستبداد ومصادرة الحرية، بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية. وهذه الأزمات تمثل القاسم المشترك مع الواقع العربي، حيث توالي في السنوات الأخيرة عدد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وأزمات حقوق الإنسان والحريات، والتي أسهمت بشكل رئيسي في تفجر هذه الثورات العربية.

 

وقد حاول روجربيترسن، مؤلف كتاب المقاومة والتمرد(6)، عند دراسته لسلوك ثورات في أوروبا الشرقية، الإجابة علي سؤال: كيف يستطيع الناس العاديون التمرد علي أنظمة قوية ووحشية عنيفة؟ يقول الكاتب في تفسيره النظري لذلك: “إن الثورة تبدأ علي شكل احتجاجات، وهذه الاحتجاجات تأخذ بعدا شعبيا، فتكسر حاجز الخوف، أو ينسي الناس الخوف، ومن ثم تتحول إلى غضب شعبي عارم يطلق علية “ثورة”.

 

وبالإشارة إلى الاحتجاجات العربية، يتم تداول عدة مصطلحات، منها مصطلح “انتفاضة”، والذي نحته الفلسطينيون في مواجهة آلة القمع والبطش الإسرائيلية بصدورهم العارية، وسطروا بنضالهم نموذجا يحتذي به، ومصدر إلهام للتحرر من الاستبداد والظلم (7). وفي ورقة علمية بعنوان “نحو حكم عربي رشيد .. من ديمقراطية الخبز إلى ديمقراطية الانتخاب”، حاول الباحث الربط بن الانتفاضة الفلسطينية وانتفاضات الخبز في السياق العربي من أجل الوصول إلى فهم دينامكية الحراك الشعبي في الوطن العربي(8).

 

وسوف نستخدم هنا مصطلح الثورة في وصف الاحتجاجات العربية، وذلك حسب توصيف هوبزباوم للثورة بكونها قطيعه بين منظومة قديمة ومنظومة حديثة.

وقد تميزت الثورات العربية بالحضور الملحوظ لـ “سلطة الشعب” في شوارع تونس، والقاهرة، وبنغازي، وصنعاء، وعواصم أخري كثيرة، حيث صوت الناس بأقدامهم و أيديهم لتأكيد رفضهم الكامل والمطلق للنظم الاستبدادية وألاعيبها.

 

وعلى الرغم من أن مسار هذه الثورات والنتيجة النهائية لها غير معروفة حتي الآن، كما لا يمكن التنبؤ بها، فإن ما هو واضح تماما هو أنها ستكون إرهاصات لإعادة تشكيل الحياة السياسية في منطقة الشرق الأوسط العربية من أسفل إلى أعلى، وسيكون من شأنها تمكين المجتمع المدني من أجل مواجهة الظروف السياسية في وجودها بشكل مباشر أكثر من أي وقت مضي.

 

وبرأيي، فإن قراءة تداعيات هذه الثورات يجب ألا تقف عند انهيار هذه الأنظمة علي أساس هذه الثورات الاجتماعية، ولكن يجب أن يمتد أيضا لدورها في صياغة أطروحة لديمقراطية تقوم على القوة التحويلية لهذه الانتفاضات.ولذلك، فإنني أرى ضرورة الوقوف بقوة ضد الرؤية السلبية لكثير من الباحثين، الذين يتحدثون عن الانتفاضات من الأسفل إلى الأعلى، وكذلك ما نطلق عليه “انتفاضات الخبز”، في ضوء تحذيرات من احتمال الانزلاق إلى فوضي لا يمكن السيطرة عليها، أو مزيد من التسلط، أو تسهيل ظهور الأصوليين الدينيين.

 

وعلى العكس من ذلك، فإنني أنادي بإصرار بأن هذه الصيحات من الغضب الشعبي هي فضاءات للتحول الاجتماعي والسياسي تستطيع أن تهز الأسس السياسية للأنظمة القمعية، بل أراها مثل إعطاء الأكسجين و الحياة لعمليات التحرر السياسي، وللديمقراطية.

 

في أطروحة سابقة للثورات العربية، ناقشت الأبعاد الديمقراطية لـ “انتفاضات الخبز”، أو الاحتجاجات الاقتصادية ضد انتهاك العقد الاقتصادي بين الحكام والمحكومين من قبل السلطة(9). لقد أصبحت الاحتجاجات العربية مدخلا لمقارعة الزعم بأنها مجرد “تمرد لبطون جائعة”، أو نوبات غضب عفوية وغير سياسية، وذلك لأنها تعيد صياغة الوعي السياسي للمحتجين، وتمثل نضالهم من أجل العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية التي تجد لها أسسا داخل الاقتصاد الأخلاقي للإسلام. فالعديد من النصوص القرآنية تصف العلاقة المبدئية والضميرية للفرد مع العالم المادي، بحيث توجب الأخذ بعين الاعتبار أوجه التفاوت المادي في المجتمع، خاصة فيما يخص أضعف أعضائه(01).

 

وقد ركزت في قراءاتي للانتفاضات من أسفل إلى أعلى – والتي تأتي بدافع عدم الرضا والغضب من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية – على اثنتين من جماعات المصالح، هما: “الخبزيست” – والتي تأتي من الكلمة العربية الخبز – وهو الذي يخرج عن حالة اللامبالاة، ويثور عندما تتعرض معيشته اليومية للتهديد. ثانيا: “الحيطيست” – وهو حرفيا الذي يتكئ إلى الجدار – وبعبارة أخري هو الشاب القانط والعاطل عن العمل .

 

وإذا كانت المجموعة الأولي قد جرى تحييدها مرارا من قبل الأنظمة الاستبدادية، من خلال الحفاظ علي مكانها داخل النظام الاجتماعي والاقتصادي لأمد قصير الأجل، فإن “الحيطيست” تمثل الفئات والطبقات الاجتماعية الفقيرة والأكثر تقلبا، وهي ترجح بصورة أكبر اندلاع الثورة الاجتماعية بسبب الكبت والإحباط، وعدم قدرتهم على تحقيق أي نوع من الكرامة والمستقبل الهادف.

 

ونظريتي التي أقدمها هنا تفيد بأن هذه الفئات الاجتماعية يدخل صراعها مع قوي السلطة في منعطف حاسم، عندما تنهار المفاوضات لإبقائهم في حالة من التبعية، وهو ما أطلق عليه مصطلح (ديمقراطية الخبز). وبالتالي، لا ينبغي النظر إلى هذه الانتفاضات في إطار المدي القصير، والقول إنها تندلع بدافع اقتصادي فقط. بل هي صرخات ضد الإحباط، وتعبيرات سياسية واعية من الغضب والاحتجاج ضد الفروق الاجتماعية، والفساد والمحسوبية والتسلط، وعدم كفاءة نظام.

 

ومع تزايد تكلفة المعيشة بالنسبة لغالبية السكان، على خلفية الركود الاقتصادي والإلغاء المطرد والتدريجي للدعم الحكومي للسلع الضرورية، تعجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها، ويصبح العقد بينها وبين هذه الجماعات هشا ،وتفقد السلطة القمعية شرعيتها الوظيفية. وتدفع الضائقة الاقتصادية “الخبزيست” وغيرهم من قوي الرفض إلى النزول إلى الشوارع بكثافة.

 

في هذه الاحتجاجات الشعبية، يتذوق الناس طعم المشاركة السياسية، ويقومون علي رعايتها، ويطلقون العنان للانشقاق عن طريق تحدي السلطة السياسية مباشرة. ويصبح الشارع الثائر رابطا يجمع المعارضين السياسيين، والمهمشين، والعاطلين عن العمل، والشباب المحبطين في تضامن عفوي. وفي وعيهم المشترك، هم ضحايا فعليون أو محتملون للنظام، ويوجهون غضبهم إلى مستويات عليا هي رموز النظام.

 

ومع الحذر في تعيين وجود علاقة سببية نهائية بين الاضطرابات والدوافع الاقتصادية، فإنني أرى أنها تقود إلى وعي سياسي اجتماعي، تتبعه ديناميات الديمقراطية السياسية. ولنا هنا أن نعود بالذاكرة إلى انهيار نظام جعفر النميري في السودان عام 1985، والإصلاحات السياسية التي تم تقديمها في الجزائر والأردن في أواخر عقد الثمانينيات من القرن الماضي، بعد احتجاجات الخبز الشعبية، علي الرغم من النكوص عن هذه الإصلاحات في نهاية المطاف.

 

ويمكن أن يضاف الانهيار الاخير للأنظمة المصرية والتونسية إلى هذه القائمة في الوقت الراهن، مع احتمال قوي لانضمام أنظمة أخري لها في وقت قريب جدا. ومع أن هذا نادر، لكنه يركز علي ديناميات التحول الديمقراطي المدني من أسفل إلى أعلي. والمجتمع المدني الديمقراطي الذي تحويه الاحتجاجات الاجتماعية يوفر عدسة فريدة من نوعها، يمكن من خلالها تفسير وتأطير التطورات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط.

 

الربيع العربي والعلاقات الدولية:

 

يمكننا أن نلاحظ بسهولة أن ميدان دراسة العلاقات الدولية يعيش حالة إرباك، حيث انهارت الصورة الذهنية الغربية عن العالم العربي، والتي وصمته بالسلبية، والركون إلى الواقع، وعدم القدرة علي التحرك. وبذلك، أصبح النموذج الاستشراقي بحاجة إلى مراجعة. من ناحية أخري، ركزت مدارس العلاقات الدولية علي الواقعية والليبرالية، وعلى قضية الأمن الذي أصبح هاجس الدول في علاقاتها المتبادلة، و أصبح الشغل الشاغل للمؤسسات الأكاديمية الممولة للبحث العلمي في شمال أمريكا وبريطانيا وأوروبا.

 

إن ما يقارب 90 ٪ من الدعم المتوافر للبحث العلمي، بعد أحداث 11 سبتمبر، جرى توجيهه إلى التركيز علي القضايا الأمنية كمحرك للعلاقات الدولية، وحماية الدولة من المصادر التي تهدد الأمن القومي. ويعد هذا إلى حد ما نكسة للبحث العلمي، ولتنوع النموذج (البرادايم) لدراسة العلاقات الدولية. لقد عادت مدرسة الواقعية، ومعها منطق السيادة الترابية وميزان القوى (11)، إلى حلبة هندسة العلاقات الدولية من منطلق الأمن القومي. وهي رافعة خطيرة، لأنها أفرزت نوعا من النرجسية الغربية الجديدة، مثل مقولات “نهاية التاريخ، وتصادم الحضارات”، وصولا إلى المحافظين الجدد، كما حطمت بروز منطلقات جديدة في تنظيم العلاقات الدولية، أبرزها التبعية المتبادلة (12)، وتعدد أقطاب التأثير السياسي من قوي ضغط عالمية، مثل الحركات الاجتماعية(13)، والتي تتعلق بالسلم، ومكافحة التسلح النووي، ومناوأة العنصرية، كما جري في “قمة دربن” بجنوب إفريقيا، وبروز العنصر النسوي في هذه الحركات الاجتماعية العالمية، ونموذج المدرسة الماركسية التي تهتم بالعدالة الاجتماعية والبيئة والسلم وحقوق الإنسان.

 

هنا، يمكن أن نقول إن الربيع العربي يواكب شتاء أوروبيا – أمريكيا، مرده إلى الأزمة المالية العالمية. وقد فضح الربيع العربي تواطؤ أنبياء الديمقراطية والدمقرطة مع الديكتاتوريات العربية في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، والبحرين، وغيرها من دول العالم، من منطلق مصلحي بحت، ضاربا بعرض الحائط قيم المدرسة الليبرالية التي تتبني قيم الإنسانية المشتركة.

 

كما فضح الشتاء الأوروبي والأمريكي النخب الغربية، بناء علي فشلها الذريع في حل الأزمات، وابتعادها عن قيم الديمقراطية، وتغول سيطرة طبقة رجال الأعمال علي الحياة السياسية (مثل نموذج بيرلسكوني في إيطاليا)، والتي أصبحت هي المستفيد الرئيسي من المنظومة الاقتصادية العالمية، وصولا إلى الفقر الأخلاقي لممثلي الشعوب الغربية، متمثلا في فضيحة البرلمانيين في بريطانيا وتهربهم من دفع الضرائب، والمبالغة في تكاليف الحياة المعيشية، مما أثقل كاهل الميزانية ودافع الضرائب.

 

تغيير المسارات:

 

كان من المعتاد أن تنشأ الظواهر السياسية في العالم الغربي، ثم تنتشر في العالم العربي، ولكننا هنا – وفي حالة الربيع العربي – نجد أن الظاهرة خرجت من البيئة العربية، وتم تعميمها وانتشارها في العالم الغربي في العديد من مدن المال والأعمال والعواصم السياسية. ووجدنا بصورة تستحق التأمل أن ساحات القصبة بتونس، والتحرير بمصر، والتغيير والحرية باليمن، والشهداء بليبيا، قد حطت برحالها وهمومها بساحات عالمية: من وول ستريت بنيويورك، مرورا بساحة بويرتا ديل سول (بوابة الشمس) بإسبانيا، وصولا إلى سان بول بلندن.

 

وبينما نجد ساحات السخط العربي تعمل على طرد شبح التهميش والظلم المركب من فقر واستبداد سياسي واجتماعي واقتصادي، فإن ساحات الغرب تعمل علي طرد شبح التهميش الاقتصادي، وسيطرة النفوذ المالي لمؤسسات المال والأعمال الدولية. وهنا، يمكن القول إن ظاهرة السخط هي زلزال جيواستراتيجي وسياسي بكل ما تحمله الكلمة من معني، وبخاصة في صورته العربية التي أسقطت مشروع الدمقرطة الغربي، بأحاديته في طرح المسألة، والترويج لها، واختيار الأنصار والآليات، وتناقضاته من اللامبالاة بمشاريع التوريث اللاأخلاقية إلى التعامل مع نخب غير شرعية.

 

من ناحية أخري، قوضت موجة السخط العربي العلاقة الجيواستراتيجية بين الديكتاتوريات العربية -المصنفة أمريكيا ضمن محور الاعتدال- وإسرائيل. وهذا يلقي بظلاله علي مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة كثقل مركزي في هندسة علاقات التطبيع مع إسرائيل.

 

إن القضية الأبرز هنا هي أن موجة السخط هذه تعمل علي إعادة القضية إلى بعدها العربي، وبروز تأثير الشعوب العربية في دوائر صنع القرار العليا في الكثير من العواصم العربية. وما سوف يتمخض عنه التحول الديمقراطي في مصر سوف ينسف أو يثبت خريطة ضوابط العلاقات الحالية مع إسرائيل. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن العلاقات مع إسرائيل مرشحة لإرباك مستقبلي متزايد، علي خلفية بروز الحركات الإسلامية كلاعب رئيسي في الحياة السياسية والاقتصادية العربية في دول الربيع العربي الأولي: تونس، وليبيا، ومصر.

 

خلاصة القول إن هذه اللحظة بالنسبة للأمة العربية هي لحظة استعادة تقرير المصير، والاستقلال عن النموذج الديمقراطي المفروض من الغرب، و كذلك في الجوار العربي، والمبالغة في الحديث عن النموذج التركي الذي يصطدم بمحك عربي إصلاحي واعد، وإعادة ترتيب البيت العربي ديمقراطيا. ولا أجد من الصعب بروز نموذج عربي للتحول الديمقراطي بخصوصية عربية.

 

 

الهوامش :

 

 

1- Victor Hugo, 1802-1885, is one of the best well-known French novelists of all time. His novel, Les Miserables”, captures the essence of marginalization, and was published in 1862.

2- In 1885 the famous French writer Emile Zola (1840-1902) published his masterpiece “Germinal” to capture the fervor and social conditions during which seeds of change and rebellion were being sown in reference to the coal-minersstrike of the 1860s.

3- Larbi Sadiki “Tunisia: A democratic roadmap”, Al Jazeera, 18 Jan. 2011.

http://english.aljazeera.net/indept…

4- Eric Hobsbawm, The Age of Revolution: 1789-1848, London: Vintage Books, 1996, pp. 2-17.

5- عزمي بشارة، “زمن الثورات وسرعة الضوء وتونسة العرب”، الجزيرة نت، 24 يناير ١١٠٢.

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/…

6- Roger Petersen, Resistance and Rebellion: Lessons from Eastern Europe, Cambridge: Cmbridge University Press, 2001.

7- Larbi Sadiki, “Popular Uprisings and Arab Democratization”,International Journal of Middle East Studies 32, 1, 2000 pp. 71-95.

8- Larbi Sadiki, “Toward Arab Liberal Governance: From the Democracy of Bread to the Democracy of the Vote”, Third World Quartetly, 1997, Vol18., No. 1, pp, 127-148.

9- Larbi Sadiki, “Popular Uprisings and Arab Democratization”, op.cit.

10- Larbi Sadiki, Rethinking Arab Democratization: Elections Without Democracy, Oxford University Press, 2009, p. 202.

11- Territorial sovereignty and balance of power are important assumptions of the realist school in International Relations; see Jack Donnelly, Realism and International Relations, Cambridge University Press, 2000.

12- On “interdependency” and “complex interdependence” see Jospeph Nye and Robert Keohane, Power and Interdependence: World Politics in Transition, Little, Brown and Company, 1977.

13- On new social movements see Enrique Larana et al., eds. New Social Movements: From Ideology to Identity, Temple University Press, 1994.

 

(*) من ملف ” التحولات الانتقالية المؤثرة في النظام العالمي” ، العدد 187 ، مجلة السياسة الدولية ، العدد 187 ، يناير 2012

 

عن مجلة السياسة الدولية

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This