زمن الغِلْمان / حلمى النمنم

زمن الغِلْمان / حلمى النمنم

ما وقع فى جمعية «الطفولة السعيدة» ليس معزولاً عن أحداث مشابهة، وقد نشرت «المصرى اليوم» الكثير من التفاصيل عن الاعتداء الجنسى الكامل على أطفال معاقين يقيمون بالقسم الداخلى بالجمعية، واستعمل المعتدى المطواة للأطفال حتى يرضخوا للاغتصاب.. قبل اكتشاف ما يجرى فى تلك الجمعية قام د. أحمد زكى بدر، وزير التربية والتعليم، بمعاقبة إخصائى اجتماعى وأحد المدرسين بإحدى مدارس السيدة زينب، ذلك أن المدرسة نظمت رحلة للطلاب إلى الإسماعيلية،

 

ومن هناك انطلقوا إلى قرية سياحية، وقام طالبان بتقييد زميل ثالث لهما وهم فى حمام السباحة وخلعا عنه، عنوة، المايوه، وقاما بتصويره على «الموبايل» وتبادل الطلاب معاً صورة زميلهم عارياً.. ولا نعرف ما هو الإجراء الذى اتخذ بحق هذين الطالبين، ولا كيف تم التعامل مع الطالب المسكين ضحية الاعتداء من زميليه..

 

المشهد هنا يكشف أن هؤلاء الشباب الذين على أعتاب المراهقة وتتفتح عواطفهم ورغباتهم وكذلك نزواتهم، صار المثير العاطفى والجنسى لديهم هو «جسد» زميلهم- ذكر مثلهم- وليس جسد الأنثى. كانت العادة أن الشباب فى هذه السن يحتفون بصور بعض الفنانات أو نجمات الإثارة.. أما أن تكون صورة زميل لهم، قاموا بخلع ملابسه عنوة فى حمام السباحة، فهو الشذوذ بعينه أو الوقوف على أعتابه، وهى حالة لا يجوز التعامل معها بالمنطق العقابى فقط.

 

هناك حوادث شذوذ كاملة تقع فى بعض المدارس سواء مدارس البنين أو مدارس البنات، ولا فارق كبيراً بين مناطق عشوائية وأخرى من تلك التى يطلق عليها راقية.. إدارات المدارس تتكتم أو تكتفى بالعقاب والتوبيخ وإبلاغ الأسر.. الأسر من جانبها تخشى العار والفضيحة، لكن بالتأكيد هناك بين التربويين والأطباء النفسيين من يرون ذلك وعلى علم تام به.. وأظن أن هناك بين المتابعين عموماً لأحوال المجتمع من يشعر بما يجرى، لكن الكل يلتزم الصمت مدعياً عدم الانتباه، وقد يرى البعض فيما يحدث مجرد نزوات مراهقين أو «لعب عيال» لن يلبث أن يتبدد مع الوقت وبمرور الأيام.

 

الشذوذ موجود طوال التاريخ، وفى كل المجتمعات تقريباً، ومن بينها مجتمعنا، ووجوده كحالات فردية أمر مفهوم، أما أن ينحو منحى الظاهرة فهو المقلق الذى يدعونا إلى التوقف عنده وأمامه.

 

وفى العالم الآن، موجة من الحديث عن الاعتراف بالمثلية الجنسية، واعتبار ذلك حقاً من حقوق الإنسان، وفى بعض المجتمعات الغربية تحقق ذلك، وصار ما يعرف بالزواج المثلى معترفاً به ولا غضاضة فيه، وهناك مساعٍ كى تقر الكنيسة ذلك الزواج وتباركه، وبعض من هذا المناخ أخذ ينتقل فى بعض الأوساط الشبابية داخل مصر وعدد من المجتمعات العربية، وصار هناك من يحاول التنظير لها على طريقة رسالة الجاحظ فى المفاضلة بين الغلمان والجوارى.

 

ويجب القول بأن العلاقة فى مصر بين الجنسين لم تعد سوية وتكاد تكون معطلة، هناك أزمة زواج طاحنة والإحصائيات الرسمية حول العنوسة مخيفة، صار عادياً أن تتزوج فتاة فى سن الأربعين، وأن ترتفع السن فوق ذلك بالنسبة للشاب، والأزمة سببها اقتصادى بالأساس، يرافق تلك الأزمة خطاب شعبوى لدى الرجال فى تحقير وتسفيه الجنس الآخر، ولدى النساء يعتبر الرجال مجرد «همّ»، وسوف نجد هذا الخطاب يتردد أكثر بين الذين لم يتمكنوا من الزواج فى الجنسين، وهناك مخزون كبير من الأمثال الشعبية فى ذلك، إلى جوار خطاب دينى تحريمى فى التعامل بين الجنسين.

 

وفى مثل هذه الظروف نجد أنفسنا إزاء حالتين بائستين- الأولى هى التحرش، وصار أقصى ما يتمناه بعض الشبان من الفتاة لحظة تحرش فى الشارع أو فى وسائل المواصلات وغيرها من أماكن ومناسبات الزحام، أو أن يتحرش بعض الكبار بطفلة هنا أو هناك، وهناك تحرش مقابل من بعض السيدات والفتيات بالشباب، صحيح أنها لم تصل إلى حالة جماعية كما يحدث من بعض الشباب، لكنها موجودة. التحرش يعنى انسداد الطريق الطبيعى للتواصل والتعامل بين الجنسين أو عدم الرغبة فى ذلك.

 

فى مثل هذا المناخ وتلك الظروف الاقتصادية يتوجه أفراد الجنس الواحد إلى بعضهم البعض وليس إلى الجنس الآخر، وبهذا المعنى يمكن أن نرى الكثير من الوقائع التى تقع باستمرار، متناثرة هنا وهناك، ونكرر أن ما يكشف وما يعلن عنه هو أقل القليل، أو ما يصعب السكوت عنه.

 

الأخطر من هذه الوقائع، هو طريقة التعامل معها، بعضنا سيتجه إلى مقولة إن المجتمع المصرى مجتمع «متدين بالفطرة» وإننا إزاء حالات فردية (شاذة) لا يصح الوقوف أمامها.

 

الصحيح أن المجتمع المصرى مجتمع إنسانى يستجيب للأزمات ويقع فى أسرها أحياناً، وفى التاريخ الفرعونى عرفت مصر هذه الظواهر، وفى العصر المملوكى عرفناها كذلك، وكان يتم التعامل معها بجدية؛ لذا لم يكن غريباً أن الكتب فى التراث الإسلامى والعربى حول الجنس والعلاقة بين الرجل والمرأة، أقصد العلاقة الجسدية، كان كبار الفقهاء هم الذين يقومون بكتابتها ووصفها، مثل «رجوع الشيخ إلى صباه» ومثل «تاج العروس» ولنتذكر أسماء مثل الإمام الفقيه ابن حزم وجلال الدين السيوطى.

 

التعامل تربوياً ونفسياً مع حالات الشذوذ واغتصاب الأطفال مطلوب بنفس درجة التعامل القانونى أو حتى العقابى، لكن الأصل هو أن نعيد للعلاقة وللتعامل بين الجنسين قدسيتها واحترامها، لقد أشعنا مناخاً مسمماً من كراهية المرأة ورفضها واحتقارها، وأظن أن لديها رد فعل مساوياً لتلك الكراهية وذلك الاحتقار، وهى قضية ثقافية فى المقام الأول يجب أن تتضافر فيها العديد من المؤسسات بالمجتمع: دينياً يجب أن نضع حداً لخطاب أن المرأة هى باب جهنم وأنها أحبولة الشيطان وأنها وأنها.. فنياً وأدبياً يجب التخلى عن مصطلحات زائفة ملأت حياتنا باسم الأدب النظيف والسينما النظيفة و…!!

 

وبات ضرورياً التوقف عن مطاردة الأعمال الإبداعية التى لا تتوافق مع تلك المصطلحات، ولنكف عن النفاق الاجتماعى الذى يجعلنا نقول فى العلن إننا المجتمع المتدين على مستوى العالم وإننا مجتمع القيم والفضيلة بينما الرذيلة تمرح بيننا والنهم الشاذ إلى ملذات الحياة ونزواتها يسيطر علينا.

 

وقبل كل هذا وبعده لابد من البحث عن حل لأزمة الزواج، فمؤسسة الزواج هى المؤسسة الوحيدة فى المجتمع التى تتيح التعامل الكامل بين أفراد الجنسين، وإذا لم نتمكن من حل هذه الأزمة فى الأطر المعروفة، فعلينا أن نبحث عن وسائل جديدة.. وليتسامح المجتمع قليلاً. لقد توصل الشباب يوماً إلى صيغة اسمها الزواج العرفى، فأقمنا الدنيا ولم نقعدها، لا نحن يسرنا المباح ولا تسامحنا مع الممكن، وهذه هى النتيجة.

 

ما حدث فى جمعية «الطفولة السعيدة» وقبلها مدرسة السيدة زينب وقبلها وقبلها، ينبئ بكارثة اجتماعية، والإنسان لا يعيش وحيداً، هو كائن مدنى واجتماعى كما قال أرسطو، قبل أكثر من عشرين قرناً، وإذا لم يتواصل أفراد الجنسين، فإن التواصل يتم بين أفراد الجنس الواحد.. ولنقرر لأنفسنا ما نريد ونكف عن دفن الرأس فى الرمال.

 

عن جريدة المصري اليوم 6/5/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق