زواج القاصرات… مخاطر ومآسٍ / عبد الحميد الأنصاري

زواج القاصرات… مخاطر ومآسٍ / عبد الحميد الأنصاري

يلاحق العنف المرأة العربية منذ قدومها إلى هذه الحياة، ذنبها أنها ولدت أنثى في مجتمعات تحكمها الثقافة الذكورية، تفضل الذكر على الأنثى وتعطيه كافة الامتيازات لإحكام سلطته وفرض وصايته عليها، سواء أكان أباً أو زوجاً أو أخاً. قدر المرأة العربية أن تتحمل صابرة العنف الواقع عليها من الأسرة والمجتمع ومن كافة المصادر التي تنتج العنف بسائر أشكاله ومظاهره ودرجاته. ثقافة العنف ضد المرأة عميقة الجذور في التربة المجتمعية، ولها امتداداتها التاريخية إلى عصر الجاهلية، عصر الغارات والسلب والسبي. كانت المرأة تُسبى فتُشترى وتُباع وتعيش جارية مشردة محرومة من أولادها وأهلها. كان الرجل يفخر بوأد الأنثى كونها جالبة للعار والفضيحة للأهل والقبيلة. وامتد هذا المفهوم المتوارث حتى عصرنا في تقبّل مجتمعاتنا لأشكال من العنف المعاصر ضد المرأة، منها "العنف التشريعي" المتمثل في ممارسة التمييز ضد المرأة في حرمانها من بعض حقوقها المشروعة، إسلامياً وإنسانياً وعالمياً، إذ لازالت معظم التشريعات العربية تحرم المرأة من حق نقل جنسيتها إلى أولادها وزوجها، كونها تزوجت من غير مواطنها.

 

على أن أحدث صور العنف المعاصر ضد المرأة وأقساها، تزويجها وهي صغيرة، قاصر، دون السن المؤهلة للزواج. فزواج القاصرات ممارسة سائدة ومستمرة في بعض المجتمعات العربية والإسلامية، وقد تحولت إلى تجارة مربحة عبر صفقات يتم فيها بيع القاصرات لكبار السن من الميسورين تحت مسمى الزواج. وأظهرت آخر الإحصائيات أن 3000 فتاة سعودية تقل أعمارهن عن 13 تزوجن من رجال يكبروهن بأكثر من 25 عاماً!

 

 

 

أما في اليمن فتزويج الفتيات، وهن في سن الطفولة، أمر شائع وثقافة راسخة في المناطق الريفية، وقد توفيت فتاة يمنية في الثالثة عشرة وذلك بعد أربعة أيام من تزويجها وفق نظام "زواج البدل". وقال "منتدى الشقائق العربي لحقوق الإنسان" في بيان له إن الطفلة إلهام مهدي توفيت في الثاني من أبريل الجاري، وكانت قد زُوِّجت إلى زوجها الثلاثيني مقابل تزويج أخت زوجها إلى أحد أفراد عائلتها. أما الفتاة نجود محمد علي فكانت محظوظة إذ زوجها والدها عنوة وهي في الثامنة لرجل يكبرها بعشرين سنة، لكنها استطاعت أن تلجأ إلى المحكمة لتحصل على حكم بتطليقها قبل سنتين، وقد وثّقت قصتها في كتاب.

 

لكن هناك في اليمن ألف نجود وألف معاناة، لقد تحولت قضية الطفلة إلهام التي دخلت منزل الزوجية وخرجت منه جثة هامدة، إلى قضية رأي عام وأصبحت أمام القضاء اليمني. ولا زالت قضية زواج القاصرات تتفاعل في اليمن، وقد تظاهرت مئات النساء الشهر الماضي أمام البرلمان اليمني لدعم مشروع قانون يحدد سن الزواج وذلك رداً على تظاهرة أخرى شاركت فيها آلاف النساء بدعوة من الأوساط الإسلامية ضد مشروع القانون. وكان البرلمان اليمني قد أقرّ العام الماضي مشروع قانون يحدد 17 عاماً كحد أدنى لزواج الفتيات و18 عاماً للرجال. وقد أصدر التيار المتشدد بياناً يقول فيه: "يحرم على أي مسلم أو أي جهة تنفيذية أو تشريعية تبني هذا التقنين وأي تقنين آخر مخالف للشريعة ويعارض الكتاب والسنة ويخالف إجماع الأمة"، ووجهوا دعوة إلى أبناء اليمن لرفض مشروع القانون من خلال البرقيات والعرائض إلى الجهات المعنية.

 

 

 

ومما يؤسف له أن يوظف الدين في هذه القضية، والأكثر أسفاً أن تنخدع النساء، وهن أمهات عانين من قبل هذا العنف فيخرجن متظاهرات ضد التشريع الذي يستهدف حماية بناتهن من مصير بائس وتعس! لكن تزييف الوعي الديني، لعبة تجيدها الجماعات والأحزاب الدينية المسيّسة والتي توظف وتستثمر فتاوى مشايخ متشددين لصالح طرحها الظلامي ضد توجه السلطة. دعونا نتساءل: هل يعقل أن تحرم الشريعة قانوناً يهدف إلى حماية الصغيرات من المضار المترتبة على تزويجهن؟ هل تقف الشريعة في وجه تشريع يجرم انتهاك الطفولة وحقوقها النفسية والمعنوية والجسدية؟ زواج الصغيرات، نوع من "الاغتصاب" كما يؤكد خبير علم نفس الطفولة، الدكتور عبدالرحمن الصبيحي، والطفلة التي تتعرض للاغتصاب وتصاب بأمراض نفسية عميقة جداً، فهل الشريعة تجوّز هذه الممارسة الخطيرة؟ من قال ذلك لا يعي أهداف الزواج الإسلامي الذي وصفه القرآن بالميثاق الغليظ وجعله مسكناً ومودة ومحضناً لتربية الأجيال. لقد أظهرت الإحصائيات أن ظاهرة تزويج الصغيرات متفشية في اليمن وقد أدت إلى وفيات، كما أنها مسؤولة عن ارتفاع معدلات الطلاق وتشرّد الأولاد. هؤلاء الذين يتحججون بالشريعة وبأنها لم تحدد سناً للزواج وإنما اشترطت البلوغ والعقل، نقول لهم: هل منعت الشريعة تحديد سن الزواج؟ هل هناك نص يحرم على ولي الأمر تحديد سن الزواج بناء على ما يراه من المصلحة المحققة لأهداف الزواج السليم؟ الشريعة براء مما يقولون ويتظاهرون لأجله، لكنه "التضليل" و"التسييس" اللذان يجيدهما أنصار ورموز التيار المتشدد، تضاف إلى ذلك جملة من الأوهام المهيمنة على نفوس وعقول لم تستوعب بعد حكمة وأهداف تشريع الزواج في الإسلام، منها:

 

 

 

1- سوء الظن المترسخ في نفوسهم ضد المرأة، فالمرأة معرضة للانحراف وجلب العار لذلك يجب تزويجها وهي صغيرة!

 

 

 

2- تحديد سن الزواج، بدعة غربية مستوردة أو إملاء أجنبي لا يريد الخير لنسائنا بل هو تآمر لإفساد المرأة العربية!

 

 

 

طالبت الأميرة حصة بنت سلمان -الناشطة في حقوق الإنسان- بسن تشريع يجرّم الأب إذا زوج طفلته، وكذلك المأذون الموثق لهذا الزواج، كما أيّد الشيخ محمد الدحيم -القاضي السعودي- ذلك وقال: إن زيجات القاصرات لا يمكن تبريرها إلا تحت المتاجرة المرفوضة شرعاً. وتساءلت الأميرة عادلة ابنة العاهل السعودي الملك عبدالله: أين حرية الاختيار للزواج؟ وهل القاصر عندها الإرادة الحقيقية المدركة للزواج؟ وهل هي قادرة على تحمل مسؤولية الزواج؟ أين ركنا الزواج؛ الإيجاب والقبول؟!

 

 

 

عن جريدة الاتحاد 28/4/2010

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق