زواج متعة بين الفن الحديث والسياسة في أميركا / بلال خبيز

في لوس انجلس، كما في كل مدينة اميركية كبرى، ثمة صراع خفي احياناً وظاهر في احيان أخرى بين الديموقراطيين والجمهوريين حول سبل التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة. وغير خاف أن إدارة اوباما الديموقراطية تتجه إلى تشريع وقوننة اوضاع هؤلاء المهاجرين، وهم يشكلون في لوس انجلس عملياً نسبة مهمة من سكانها، وتتراوح تقديرات المكاتب الرسمية ومنظمات المجتمع المدني حيال اعدادهم بين رقمين: مليونان او مليونان ونصف المليون يعيشون من دون اي اوراق ثبوتية ويعملون في «الأسود» ولا يصرحون تالياً عن مداخيلهم ولا يدفعون ضرائب عما يحصّلونه.

الخلاف بين الديموقراطيين والجمهوريين له ابعاد إثنية واضحة، لكنه من ناحية ثانية يتصل اتصالاً مباشراً بحرارة الانتخابات الأخيرة التي لم تخمد نارها بعد. فالديموقراطيون متيقنون من ان نسبة كبيرة من هؤلاء ستصوّت حكماً لصالح الديموقراطيين حال حصولهم على الجنسية الأميركية، فيما يخاف الجمهوريون من اتجاهات هؤلاء السياسية ومن احداثهم انقلابات دراماتيكية في ديموغرافيا الانتخابات الأميركية.

لا شك ان اتجاهات الديموقراطيين في اميركا تناسب الفنون الحديثة ايما مناسبة، إذ لطالما حاولت هذه الفنون معالجة هذه القضايا الشائكة في المجتمعات المتقدمة وفي انحاء العالم ايضاً، وابدت تضامنها مع هؤلاء في صورة واضحة ولا يرقى إليها الشك. وربما تكون اللحظة السياسية التي تعيشها اميركا اليوم من اللحظات النادرة التي تجد فيها الفنون الحديثة نفسها متناغمة مع اصحاب السلطات السياسية، لكنها ايضاً اللحظة المناسبة لسؤالها عما انتجته فعلاً وعن معنى الاتجاهات التي ذهبت إليها في نهاية المطاف.

في محترف جوليا ملتزر ودافيد ثورن قدّم فنان وسياسي عرضين عن اعمالهما التي تتعلق بالمهاجرين غير الشرعيين في لوس انجلس في زواج متعة بين السياسة والفنون نادراً ما تحين لحظته. فقدم دان فليمنغ عرضاً لوقائع مذهلة عن تجمعات هؤلاء واعمالهم وسبل تحصيل عيشهم وثقافاتهم في العيش والحياة، فيما عرض ماريو يابارا جونيور نماذج من اعماله التي صورها وحققها في تلك المناطق.

ان يصور فنان حياً شعبياً في لوس انجلس، نشأ فيه، وربما عايش كل تحولاته، عنفاً وحرارة، ثم يفترض ان مثل هذا السعي في نشر صور هذه الامكنة والناس التي يعيشون فيها هو في معنى من المعاني رسالة تضامن مع الذين لا يزالون هناك، يعني بداهة ان الفنان نفسه الذي يوصل الرسالة خرج من المكان الملعون وهو الآن يتذكر اقرانه الذين لم يواتهم الحظ ولا اسعفهم الاجتهاد في الخروج. مع ذلك ثمة في اعادة نشر الصور ما يشبه الالتصاق الحميم بصورة المكان لا بطبيعته. وعلى جاري عادة الفن في الإيهام، يمكن لصورة الحي الشعبي ان تشبه ديكوراً مناسباً لأحد افلام امير كوستاريكا، مثلما كان عابر سبيل يمكن ان يشبه النبي موسى في تمثال مايكل انجلو. بهذا المعنى يخسر عابر السبيل صورته ولا يربح في المقابل النبوة.

والحال لا يفوت أياً كان ان يلاحظ حدود اهتمام الجمهور الفني بهذه الأعمال. فمن ناحية اولى هو جمهور يفترض ان الصورة قادرة على التضامن لكنها غير قادرة على الإيذاء او القتل. ذلك ان الجمهور المتضامن يتضامن مع الناجي والخارج من الحي الشعبي الملطخ بكل ما نعجز عن فهمه وتقبله، إلى فضاء الفنون النقي والمحاط بكل العنايات اللازمة وادوات الحفظ، من الصابون المعطر الذي يعفينا من اختبار جنون الروائح إلى برادات حفظ الأطعمة وصولاً إلى رغبتنا في تصوير احبتنا قبل موتهم او قبل ان يهاجمهم الكبر وتضعفهم الشيخوخة. والفنان في هذه الحال لا يستطيع، حتماً، ان يتضامن مع اولئك الذين يعيشون في تلك الأحياء من دون اوراق ثبوتية او اذونات عمل، ويخضعون على نحو مباشر لتسلط البوليس في غياب تمتعهم بالحقوق القانونية التي تتيح لهم، نظرياً على الأقل، الخروج من الثقب الذي يعيشون فيه إلى هواء المدينة المترف.

الجمهور الذي يهتم كثيراً بمثل هذه الأعمال الفنية، يطالب من دون شك بتأهيل هذه المجتمعات ويحض السلطات السياسية والقانونية على فعل ما يتوجب عليها فعله لتشريع وقوننة اوضاع هؤلاء. لكننا في نهاية المطاف نعرف ان الفنون لا تحسن تخليص الجماعات، وانها على نحو ما تشبه في ما تشبه حضن اللاجئ الغريب والمفرد الذي يجعله متميزاً، اكثر من شبهها باتساع القانون وشموله وقدرته على ادعاء المساواة. فالقاطن في تلك الاماكن محكوم بأن يكون في جماعة، يجوز عليه ما يحوز على الجماعة عموماً، ويقبع منتظراً حلاً عاماً وشاملاً هو من اختصاص السلطات السياسية والتشريعية اولاً وآخراً. لكن المجال الفني يتسع من دون شك، وهو لطالما كان متسعاً لأفراد يخرجون من لدن هذا الجمهور ويعرضون قضيته في المجال الفني دون غيره ويقبلون كلاجئين او منفيين من اجتماع لا يحوز الشروط المناسبة للعيش فيه.

عن جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق