سؤال التمدّن بين التقليد الاجتهاد عند ابن ابي الضياف

{{التمهيد: 1) مدخل مفهومي عام:}}

{{أ- مفهوم الاجتهاد (عن مقال اجتهاد من دائرة المعارف الإسلاميّة)}}

الاجتهاد هو بذل الوسع في طلب المقصود لغة. واصطلاحا هو استفراغ الفقيه الوُسع ليحصل له ظنّ» بقضية أو حكم فقهيّ، ويكون ذلك بالقياس على القرآن والسنّة.

وقد استعمل لفظ الاجتهاد في أوّل الأمر بمعنى القياس وخاصة في رسائل الشافعي الذي يذكر الآية 148 من سورة البقرة: «ولكلٍّ وجهةٌ هو مُوَلِّيهَا فاستبقُوا الخيراتِ» وفيها دلالة على وجوب اتباع كلّ فرد رأيه الخاصّ في تعيين وضع القبلة.

الاجتهاد هنا في الحقيقة يعني «الرأي» والمجتهد هنا عكس المُقلِّد الذي يعرّفه السّبكي في كتابه «جمع الجوامع»: هو من يَأْخُذُْ بمذهب غيره دون دليل».
والاجتهاد لا يقتضي عدم الوُقوع في الخطأ.

ونتيجة الاجتهاد دائما «ظنّ»، ولذلك كان الخطأ في الاجتهاد محتملاً، ولا يُصبح الاجتهاد معصومًا عن الخطأ إلاّ إذا كان محلّ إجماع.

وسرعان ما ضَاقَ هذا المعنى الواسع للاجتهاد فأصبح يدلّ على معنى خاصّ هو اجتهاد أولئك الذين لهم الحقّ في تقرير أحكام «فقهيّة» يجب أن يأخذ بها غيرهم.
وقد انخرط الفقهاء منذ قرون عديدة في دائرة التقليد وإن تفاوتوا في درجة التقليد. ونعني بالتقليد هنا اجتهادهم المحصور في مدونة فقهية معيّنة.

فقد كانوا في اجتهادهم «مقلّدين» باعتبارهم متّبعين لمذهب من المذاهب الأربعة وكان اجتهادهم مقيّدًا لاَ مُطْلَقًا.
أصبح الاجتهاد مسموحًا به في الفروع لا في الأصول وكان مجتهدو المذهب يُطلقون كلمة «وجه» على المعنى الذي يُفيده ضمنًا نصّ الإمام (صاحب المذهب)، ثمّ جاء من هم أقلّ شأنا وهم أولئك الذين سُمّوا «المجتهدين بالفتوى»، وكلّ مجتهد هو مفتٍ على نحو ما، إلاّ أنّ المجتهد بالفتوى ليس إلاّ مُفْتيًا فحسب.

وقد حاول ابن تيميّة (ت128) والسيوطي (ت91) الرجوع بالاجتهاد إلى معناه الأوّل وقد اجتمعت فيهما صفتا الاجتهاد والتجديد. وسُمّي السيوطي مُجدِّدًا لعصْرِهِ، فقد ذهب إلى أنّه «لا يجب أن يَخْلُوَ زَمَنٌ مِنْ مُجْتَهِدٍ واحد على الأقلّ، كما أنّه يجب أن يكون على رأس كلّ مائة سنة مجدّد».

ونجد من المجتهدين السلطان أكبر، الذي اعتبر زنديقًا، ولا يزال يوجد إلى يومنا هذا عند الشيعة «مجتهدون بالإطلاق» لأنّهم يُعتبرون دعاة للإمام المنتظر، ولأنّ شأنهم يختلف في علاقتهم بالحكم عن شأن علماء السنّة (عن المجلّد الأوّل د.م إ بالعربية ماكدونالد MacDonald D.B.).
{{
ب- مفهوم التقليد عن مقال التقليد (د.م أ بالعربية) (Schacht) لـ«شاخت»:}}

التقليد لغة: جعل الشيء في العنق أو في المنكبين. وله في الاصطلاح ثلاثة معانٍ:

1- التقليد: نشأ بين العرب أيام الجاهلية وبقي في شعائر الإسلام القديمة وفي الفقه، وهي جعل أشياء بعينها في رقاب الهدايا التي يضحّي بها في حرم مكة (سمي قلادة ج قلائد). (المادة 2/98) والقلائد والهدي من بين مناسك الحجّ التي شرّعها اللّه.

2- التقليد: التولية في منصب من مناصب الجيش ويكون بإلباس المُقلَّد السيف ومنه تقليد الولاّة الأعمال ويدخل القضاء فيها.

3- قبول قول الغير في مسائل الدّين بلا دليل واتّباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل معتدّا للحقيقة فيه من غير نظر أو تأمّل في الدّليل.

وقد خطّأ شاخت (Schacht) القول بأنّ الاستعمال الاصطلاحي للتقليد مأخوذ من القلادة.
ونشأ مفهوم التقليد في الزمن الذي تبلورت فيه المذاهب الأربعة. ويستعمل الشافعي لفظ «التقليد» بمعنى قريب جدّا من معناه الاصطلاحي المتأخّر، وهو توقّف الاجتهاد بإطلاق منذ القرن الثالث. والاجتهاد تدرّج من الإطلاق إلى التقيّد بمذهب إلى الفتوى بحسب المذهب…

والتزم العلماء والعامّة بتقليد غيرهم من السابقين ويذهب أهل السنّة إلى أنّ كلّ شخص مُلْزَمٌ بما قرّره السَّلَفُ مسندا، ولا يحقُّ لأحدٍ بعد ذلك أن يؤهّل نفسه للاجتهاد من غير أن يرجع إلى حكم من سبقه من المجتهدين.

فالتقليد يكرّس نظرة تقليديّة وتقديسيّة لعلماء القرون الأولى. وقد أثّر التقليد في تعزيز الخلاف بين المذاهب لكنه لم يكن السبب في خمود الحافز إلى التوسّع في الفقه في الأزمنة المتأخّرة.

وقد تمّ الإجماع على أنّ العامّي ملزم بالتّقليد كالفقيه أحيانا بتبيّن صحّة اجتهاد المجتهد بدليله. وإذا ما تعدّد المجتهدون فللمُقَلِّدِ أَنْ يُقلّد من يَخْتَارُ، ما لم يَخرج عن الإجماع أي من دائرة السنّة. وإن كان التقليد فطريّا من الممكن للمقلّد أن يختار اجتهادًا جديدًا كلّما عرضت له مسألة من المسائل فإنّه من الجاري والمتتّبع عمليا التزام المقلّد كليّا بمذهب من المذاهب الأربعة المقرّرة.

وقد عارض التقليد الفقهي عند السنة الفقيه ابن دقيق العيد (ت702هـ- 1302م) والسّيوطي (ت911هـ- 1505م). وقد زعم السيوطي مثل الجُويني (ت 478هـ- 1085م) تطبيق الاجتهاد المطلق.

وهناك من قال بوجوب اجتهاد الفقهاء المتأخّرين وذمّ المقلّدين منهم مثل داود بن علي وابن حزم وغيرهما من الظاهريّة إلى جانب بعض الحنابلة مثل ابن تيميّة، وابن قيّم الجوزية اللّذين كانا من متشدّدي أهل السنّة.

وقد فهم ابن تيميّة وابن قيم الجوزيّة وهما من السّلفيّة التقليد بما هو ابتعاد عن ظاهر النصّ نجده عند الصوفية ونجده أيضا في الاعتقادات الشعبية الطرقية.

ومن هذه الزاوية في النظر يكون التجديد عند السلفيّة نوعا من التقليد بما هو عودة إلى النصّ وإلى السنّة وإلى الأثر والسّلف الصالح…
ومن هنا يتعقّد مفهوم الاجتهاد وذلك انطلاقا من تطوّره تاريخيا وانطلاقا من استعمالاته المتنوّعة.
فقد فهم السّلفيون الاجتهاد فهما يجعله اجتهادا في التقليد!.
ويذكر الوهابيّة التقليد مثل أصحاب الفكر «السّلفي». وكما أنكر الحنابلة التقليد، أنكره أشدّ معارضيهم، وهم دعاة التّجديد في الإسلام. والحقّ أنّ الحنابلة هم الذين مهّدوا لهم الطريق بالدّعوة إلى الاجتهاد ليتحرّر من بعض القيود المذهبيّة بالعودة إلى السّلف.

وقد رفض الإباضية كذلك التّقليد لأسباب تشابه أسباب الحنابلة الوهابيّة أمّا الشيعة، الاثنا عشريّة، فهم يقولون بوجود مجتهدين في غيبة الإمام المستتر. ومهمة هؤلاء المجتهدين تتمثّل في هداية المؤمنين. وهم لا يجوّزون تقليد الميّت لأنّ لهؤلاء المجتهدين في كلّ زمن أئمة أحياء يأتمّون بهم في مسائل الدّين.

وخلاصة القول أنّ التقليد كان غلقا لباب الاجتهاد، كما أنّ باب الاجتهاد انتهى إلى نوع من الانغلاق بسبب تقييده بمذهب دون إعمال الرأي فيه، وأنّ التجديد أصبح في فهمنا الحديث هو المتكفّل بقوى الجدّة وبملكة الرأي لا الاجتهاد ولا التقليد.

{{2) مدخل خاصّ بالمسألة يتنزّل ضمن ثنائية التقليد والاجتهاد في تعالقها مع مفهوم التمدّن.}}

إنّ هدف هذه الدراسة هو البحث في مسألة التمدّن بين التقليد والاجتهاد، من خلال الجزء الرابع من كتاب الإتحاف لابن أبي الضياف أساسا. (في الجزء الرابع من النشرة الثانية بطبعة الدار التونسية للنشر وقد حقّقها أحمد الطويلي وهي التي اعتمدناها في مبحثنا هذا…)

ولا يخفى أنّ الاشتغال على قضيّة من قضايا الفكر الإصلاحي عند ابن أبي الضيّاف، من خلال جزء مفرد من كتابه يثير جُملةً من الإشكاليات التي تجعلنا نعي حدود عملنا. ونبادر إلى التنبيه إلى مظاهر تلك المحدوديّة من خلال محاولة تبيان جملة من الاعتراضات التي يمكن أن تُوجَّهُ إلينا.

فنحن لا ندّعي أنّنا سنحيط من خلال جزء واحد بجملة المسائل أو القضايا التي أثارها كتاب الإتحاف، كما أنّنا واعون «بنسبيّة» الأحكام والاستنتاجات التي سترد في هذا العمل والتي نراها لا محالة قابلة للتعديل أو التعميق من خلال نظرة كليّة في جملة الأثر المدروس وموقعه في الفكر الإصلاحي التونسي وكذلك العربي الإسلامي في القرن التاسع عشر.

ويوافق الجزء الرابع البابين السادس والسابع من الإتحاف، وفيهما يؤرّخ ابن أبي الضّياف لحكم اثنين من بايات الدولة الحسينية وهما المشير أحمد باشا باي (1221 -1271هـ / 1806 -1855م) والمشير محمّد باي (1226- 1275هـ / 1811- 1859م). (بعد أن تحدّث في الجزء الثالث وقد وقع في خمسة أبواب جاء أوّلهما متعلّقا بفترة حكم حمّودة باشا أي منذ 31 ماي 1782 إلى وفاة الباي مصطفى في 10 أكتوبر 1837، وقد استأثر حمّودة باشا بنصيب «الأسد» بالنسبة إلى هذه الفترة فقد شغل حيّزا يمثل (33 سنة و3أشهر).

ونحن لن نتابع المؤلف في تأريخيّته الخطّية المحكومة بنمط في الكتابة التاريخية «مُقَلِّد»… لا يعقل التحوّلات التاريخيّة إلا من خلال ربطها بالأسر الحاكمة وبتاريخ أفرادها المتولّين لـ«زمام السلطة» بل سنعمد إلى تجاوز هذه «الخطّة» المؤطرة التي ينتظم وفقها الكتاب.

وما يتأسّس عليه من «خطيّة» وتجزيئيّة في إيراد الأحداث مُولين اهتمامنا شطر تلك الملاحظات أم الآراء المتفرقة المبثوثة طيّ المُؤَلَّف، قاصدين من وراء ذلك التأليف بينها تأليفا موضوعيا (thématique) يحاول رصد قضيّة التمدّن في مستوياتها المختلفة وفي الآليّات الذهنيّة والمرجعيات المعرفية الفاعلة في تشكيل بنية الخطاب لدى ابن أبي الضيّاف.

كما أنّنا لن نفرد بحثا خاصّا لكلّ فترة من الفترات التي حكمها أحد هذين البايين اللّذين أرّخ لهما ابن أبي الضيّاف في الفصلين السادس والسابع، بل سنعمد إلى الجمع بينهما انطلاقا من وعينا بأنّ اختلاف الحكّام، أو اختلاف الحوادث والوقائع المؤرّخ لها لا يعكس آليا أو ضرورة تغيّرا في بنية المؤلّف الذهنيّة وفي خصائص نظرته إلى ظاهرة التمدّن، من حيث هي ظاهرة «غائية» في فضاء الأنا الجمعي (تونس – البلاد العربيّة الإسلاميّة)… وكذلك من حيث هي «نموذج» تاريخيّ متعدّد في الاجتماع الغربي يفرض نمطا على التعامل مع النصّ ومع الآخر من منطلق جدلية الاجتهاد والتقليد.

وهو ما سنحاول البحث فيه، ومحاولة إنشاء مقاربة أوليّة له انطلاقا من النّظر في الجزء الرابع من الإتحاف.
إنّنا في هذا العمل أمام ثلاثة مفاهيم «مؤطّرة» ينبغي علينا البدء بعملية تفكيكها وتعيين دلالاتها من خارج الأثر المدروس، وذلك للإحاطة بطبيعة حضورها النصّي فيه، حيث هو مجال لعمليات ذهنية متعدّدة في التعامل مع المفاهيم ذات المرجعيات التراثية الإسلاميّة أو الحداثيّة الغربيّة.
{{
3) مسألة التمدّن وجدلية التقليد والاجتهاد:}}

{{ أ) مفهوم التمدّن}}:

لقد عرف مفهوم «التمدّن» الخلدوني تحيينا (actualisation) مكثّفا من لَدُن دُعاة الإصلاح في القرن التاسع عشر وكان ابن أبي الضّياف من بينهم. وقد تمّ توظيفه نصّيا من أجل التعبير عن الحاجة إلى الخروج من دائرة الاجتماع المنزاح عن قوانين الشرع والعقل والمتخلّف عن العمران الغربي. لذلك لم يعد مفهوم التمدّن كما جاء في النسق الخلدوني في نظريته للعمران البشري مُرادفًا للتحوّل من البداوة إلى الحضارة، بل أصبح عند روّاد الإصلاح ومنهم صاحب «إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان»، دالاّ على نمط من السلوك العقلي والتحضّر العمراني المُشَاهد فيما أسماه ابن خلدون ببلاد «العُجْمَة» أو «العُدْوَةِ الأخرى».

إنّ ما يميّز التمدّن الإصلاحي عنده عن الطّرح الخلدوني هو كونه لم يعد يُطرح باعتباره تجسيدا لقوانين العقل المتحكمة في العمران نشوءً وزوالا، أوّلا باعتباره «مقصدًا» يمكن بلوغه بالمبادئ الشرعية المنظِّمة لحياة المسلم، بل أصبح التمدّن يُطرح باعتباره تعبيرا عن خلل داخليّ وعن كمال عقلي وعمراني خارجيين، لذلك لا يمكن عقل قضية التمدّن إلاّ بربطها «بنيويا» بالحضور الغربي سواء المباشر منه أو «المتخيّل» إذ أصبح هذا الغرب «إطارًا مرجعيّا» فاعلا في توجيه الخطاب وانبناء دلالاته. أما جدليّة الاجتهاد والتقليد أو الإبداع والاتباع فلم يَعُد من الممكن فهمها ذلك الفهم «التقليدي» الذي ساد في الأدبيات الفقهية والأصوليّة وفي كتب الأحكام السلطانية؛ حيث كانت ثنائية الاجتهاد والتقليد منحصرة في قطبين أحدهما نصّي (القرآن أو السنّة أو آراء أئمة المذاهب)، والآخر هو الواقع «المُتعيّن» أو الحاضن لزمن التصنيف، فقد كان الاجتهاد أساسا عملا فقهيّا، وكان المُتَصَدُّون له أهل العلم من داخل المؤسسة الدينيّة.

كما أنّ هذا الفضاء التقليدي ما قبل الاتصال الصِّدامي بالغرب، في تقنيته وتمدّنه العمراني وأجهزته المفهوميّة، لم يكن مضطرّا إلى تلمّس مرجعية خارجية لتنظيم الفضاء الإسلامي. وذلك لغياب هذه المرجعيّة إذ لم تكن بلاد «الفرنجة»، أثناء الحروب الصليبيّة مثلا، قد بلغت مرحلة التمدّن العمراني القادر على خلخلة «الوعي» الإسلامي وحمله على الخروج من دائرته المرجعيّة إلى مرجعيّة أخرى.

أمّا في العصر الحديث، فقد استطاع الحضور «الغربي» الضّاغط بعنفه وتقنيته ومفاهيمه أن يوجّه وعي المفكّرين المسلمين نحو التنبّه إلى محدوديّة المرجعيّة التراثية والبنى الذهنيّة أو الاجتماعيّة السائدة في مواجهة «التمدّن» الغربي. خاصّة وأنّ الفقه أداة تنظيم المجتمع قد أصبح عاجزًا عن التحكّم في الوجود الفردي أو الجماعي للمسلمين، وذلك لغياب الاجتهاد من جهة ولضغط المفاهيم والمؤسسات الحديثة الخارجة عن المرجعيّة الإسلاميّة من جهة أخرى.

فلم يعد الاجتهاد ولا التقليد في القرن التاسع عشر يحملان نفس الدّلالات أو يَنْشَدَّان إلى نفس المرجعيّات، أو يحيلان على نفس القطاع المعرفي الذي كان لهما قبل الاتصال المباشر بالغرب الحديث. ودليلنا على ذلك أنّ ابن أبي الضّياف لم يكن يتحدّث من داخل المؤسسة الدينيّة ولم يكن، في نفس الوقت، قادرا على تجاوز الحضور الغربيّ مرجعيّا أو مفهوميّا بطريقة مخصوصة، وهي طريقة علينا أن نتبيّن أهمّ ملامحها من خلال قضيّة التمدّن وجدلية الاجتهاد والتقليد في الجزء الرابع من الإتحاف…

{{ب- مفهوم التمدّن في علاقته بجدليّة الاجتهاد والتقليد:}}

لقد عرف ابن أبي الضياف فترة «تكثّف» فيها الوعي لدى ممثلي الثقافة العالمة، على اختلاف أطروحاتهم ومرجعيّاتهم (ليبرالية/ سلفية) «بالتفاوت التاريخي» بين العرب – المسلمين بالحضارة الأروبية والفرنسية منها خاصّة.
وحملهم هذا الوعي على إنشاء خطابات إصلاحيّة تحاول الخروج بالعرب المسلمين من تخلّفهم عن «الآخر» الذي استطاع أن يستعمر بعض ديار الإسلام (الجزائر…) وأن يُكثّف من تدخّله السياسي عبر «المَنْفَذِ» المالي أساسا وذلك في باقي البلاد الإسلامية ومن بينها الإيالة التونسية.

إنّ قضية التمدّن عند ابن أبي الضياف لا يمكن أن تُفهم إلاّ من خلال ربطها بأهمّية البُعد السياسي. ذلك أنّ مفكّري الإصلاح عامة قد ربطوا التقدّم والتأخّر بالسلطة السياسية، ولعلّ ذلك راجع إلى هيمنة الحضور السلطوي في «الملك المستبدّ» أو إلى خلفيّة نظريّة تجد جذورها عند فلاسفة الأنوار (القرن الثامن عشر) حيث ربطوا بين تخلّف الشرق وبين طبيعة السلطة «المطلقة» فيه.

وأيّا يكن المحدِّدُ لهذا الفهم «السياسي» لقضية التمدّن، فقد كان لهذه الرّؤية أثرها البالغ في كيفيّة تعامل أبي العباس (ابن الحاج بالضياف بن عمر بن أحمد بن نصر بن محمّد المجدوب الولي ابن العباس سيدي أحمد الباهي العوني) مع «التقاليد» السلطوية في تونس، وعلاقتها بوضعية البلاد من جهة تأثيرها في «خراب» العمران، أو في ظهور بعض بوادر التمدّن فيه.

ولا يخفى علينا علاقة السلطوي بالسياسي في آثار مفكّري الإصلاح وخاصة عند ابن أبي الضياف الذي كان ينقد السياسة من داخل المنظومة السياسية فقد شغل على التوالي خطّة العدالة (1822)، فالكتابة (1827) فخطّة “آلاي أميني” ثم قائم مقام ثمّ “أمير لواء” وقُلّد في 1849 نيشان الافتخار من الصنف الأكبر، ثم سُمّي أمير أمراء ووزير… ولعلّ ولاء ابن أبي الضياف للبايات وللسلطان العثماني وتكوينه التقليدي كانا من بين حدود عمله النّقدي وإن لم يقصد بشكل واعٍ التواطؤ مع مصالح السلطة…

ولقد رصد ابن أبي الضياف الواقع السلطوي والمجتمعي في عهد أحمد باي ومحمد باي.
وقد حاول الكاتب – «المؤرّخ» من موقع المراقب المشارك في المؤسسة السلطوية أن يبين مواطن الخلل والضعف في إدارة الإيالة التونسية، وهي جميعها ترتد أساسا إلى قانون «الشهرة الملكيّة» التي تجعل من إرادة الحاكم المطلق السلطة الوحيدة في «تسيير» البلاد وأهلها…

وقد رأينا أنّه يمكن التمثيل لخطاب التمدّن عند ابن أبي الضياف في علاقته بالجذور السياسي وبجدلية الاجتهاد والتقليد، باختيار بعض النماذج التي ستجعلنا نقارب آليات إنتاج المعنى في هذا الخطاب ومرجعياته وطموحاته وحدوده أو عوائقه. وهي أبعاد مركزية تمكننا من الوقوف على أهم خصائص الخطاب «الضيافي» وطبيعة تعامله مع موضوعنا واستيعابه ذهنيا أو مفهوميا دون أن نهمل الوضعية التاريخية التي مارست إكراهاتها الواعية واللاواعية على تشكّل رؤية المؤلف، أي مهتمين ببقية «الفاعلين» الاجتماعيين الذين يمثلون مواقع طبقية أو سلطوية مختلفة (les acteurs sociaux) بل متصارعة أحيانا، مثل رجال السلطة (الباي ووزرائه) والمؤسسة الدينية (شيوخ الإسلام من المالكية والحنفية) وقناصل الدول الغربيّة (خاصة فرنسا وإنكلترا) والفئات المكوّنة للمجتمع التونسي في تلك الفترة (الرعيّة).
كما لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أثر علاقة التبعية للسلطة العثمانية ولو صوريّا في «بَنْيَنَةِ» خطاب أحمد بن أبي الضياف عن التمدّن وتحديد رؤيته الاجتهادية (التحديثية) أو التقليدية له.

{{II) التمدّن أو اللاّتمدّن بمختلف أبعاده ومجالاته أو جدلية التقليد والاجتهاد:}}

{{ 1) التمدّن – اللاتمدّن السياسي أو جدلية الاستبداد والإصلاح:}}

إنّه من اللازم، لفهم خصائص الرؤية السياسية لأحمد بن أبي الضياف من خلال الجزء الرابع من الإتحاف أن نضع في اعتبارنا طبيعة الواقع السلطوي في الإيالة التونسية، من حيث الأطراف الفاعلة فيه، وهي في رأينا ثلاثة أطراف تهيمن على المجال السياسي.
1- الباي
2- الدولة العثمانية
3- قناصل الدول الأوربية وخاصة فرنسا وانكلترا.
لقد رأى ابن أبي الضياف في مقدّمة كتابه أنّ الشكل السياسي الصالح للبلاد التونسية هو المُلْكُ المُقَيَّدُ بدستور ويمكن اعتبار هذا المبدأ المؤسس للبلاد التونسية أو الجذر الذي تنبثق مجمل آرائه المتصلة بنظام الحكم.
فأن تتمركز السلطة في يد حاكم – فرد وهو شأن الملك المستبدِّ يعني ألا تخضع تلك السلطة إلاّ لدافع الشهوة والمصلحة الخاصة التي يتم تبريرها أيديولوجيا في الخطاب السلطوي باعتبارها مطابقة أو معبّرة عن المصلحة العامة.
إنّ الشأن السياسي كما يبدو في الجزء الرابع، لم يخرج عن مجال «الاستعارة الرّعويّة» (الراعي، الرّعية)
لكننا لا نجد أنفسنا أمام هذه الاستعارة، مثلما جسّدها نظام الخلافة في صدر الإسلام، بغضّ النظر عن تاريخية التمثل الجمعي لتلك الفترة، بل أمام واقع سلطوي قد انزاح عن مبادئ الشرع وقوانين العقل مجسّدا سلطة الحاكم الفرد الجارية على مقتضى «الشهوة الملكيّة» (ص163). فالرّعايا وما يملكون هم مجال إجراء طبائع الاستبداد المتمكّنة في نفوس ولاة أمورهم. بل التي قد تمّ استبطانها من قبل اللاّوعي الجمعي إلى درجة جعلت ابن أبي الضياف نفسه يستنكر كلام الباي – أحمد باي – حين قال لمهنئيه على شفائه: «أشكر اللّه الذي أحياني لخدمتكم» (ص33) وهو أمر استعظمه الناس رغم انحصاره في مستوى «الخطاب».
«إذ لم يكن مألوفا من ملوك الإطلاق لرعاياهم، لأنّ غالب رعايا المسلمين يومئذ لا يعرفون من ملوكهم إلاّ الاستعباد» (ص33).

لقد اتّسم المجال السياسي في هذا الجزء شأنه في ذلك شأن بقية الأجزاء، بتمركز السلطة بين يدي البايات الذين ساهموا بنزعتهم الاستبداديّة في تفشّي الفساد داخل جهاز الحكم على مختلف مرتباته، حيث لا يستطيع الوعي النقدي حتّى عند أولئك الذين تهمّهم المصلحة العامة، أن يخرج من طور القوّة إلى طور الفعل، وذلك لأنّ آراءهم لا تمتلك مشروعيتها أو نفاذها إلاّ من خلال موافقتها لإرادة الباي، فاستشاراتهم في مهمّات الأمور تظلّ صوريّة لفقدانها الصفة الإلزامية أو بالأحرى لخلوّ النظام العباسي من مفهوم «المؤسسة» الذي يجعل الفاعل السياسي – ولو كان الباي نفسه – خاضعا لمساءلة. وآية ذلك موقف رجال الدولة من جلب ماء زغوان للعاصمة، هذا المشروع الذي شبّهه الكاتب «بأضغاث الأحلام» لكنّهم عجزوا عن إقناع الباي بخلاف ما استقرّ عليه رأيه قبل الاجتماع بهم لأنهم لم يحضروا في الحقيقة إلاّ «للسّماع لا للمشورة الحقيقية» (ص290).

يبدو ابن أبي الضياف في هذا الجزء من الإتحاف مدافعا عن ضرورة الارتباط بالخلافة العثمانية ويجعل من أعظم مزايا أحمد باي «وقوفه في استمرار وعادات وطنه مع الدولة العليّة» (ص191.

إنّ موقف مؤلّف الإتحاف من سياسة الدولة العثمانية لم ينحصر في إطار الرّغبة في المحافظة على أواصر «الرابطة الإسلاميّة» بل نجده حذرا من تطبيق التنظيمات الخيرية التي أراد الباب العالي إجراءها في الإيالات التابعة له. وقد يكون هذا الحذر معبّرا عن الموقع السلطوي للمؤلّف، إذ كان أحمد باي يخشى أن يفرض عليه مركز الخلافة التطبيق الحرفي لما جاء في «التنظيمات» وهو خوف تمّ تبريره في الخطاب السلطوي بالتشكيك في جدوى تلك التنظيمات.
لكنّ ابن أبي الضياف استطاع التخارج عن الإكراهات التي يمارسها عليه موقعه السلطوي من خلال معايشته لأحمد عارف في الأستانة حيث تمكّن هذا المصلح من إقناع المؤلف بجدوى الإصلاحات، وذلك من منطلق ديني مداره تأسيس التنظيمات على قاعدة العدل الذي هو «أعظم أصول ملّتنا» (ص68).

قد يكون من المتعذّر مقاربة الواقع السلطوي على عهد ابن أبي الضياف من غير الالتفات إلى «مركزية» دور القناصل في توجيه مسار الحكم وتكثيف تبعيته السياسية والاقتصادية للغرب وخاصة فرنسا، حيث نجد تدخّلا مكثّفا من لدُن القناصل في تحديد سياسة الدولة مع الباب العالي (استشارة القناصل في طبيعة الرد على رسول السلطان (ص95) وذلك بسبب أزمة الحملة العثمانية الموهومة على جربة).

وكذلك في التشجيع الرمزي أو المادّي للدولة التونسية في انتهاج سياسة إصلاحية كما يُعبّر عن ذلك موقف الدول الغربيّة من إلغاء أحمد باب للرقّ أو من إعلان محمّد باي لقانون عهد الأمان، وقد يتحوّل هذا المنحى «السياسي» في التعامل إلى مستوى تهديد عسكري مباشر يهدف إلى التشريع لتلك الإصلاحات خاصّة إذا ما تعلّقت بالمساواة بين التونسيين وغيرهم من أهل الملل الأخرى (اليهود خاصّة)، أو تعلّقت بجملة الامتيازات الاقتصادية التي توفّرها بعض القوانين وخاصة عهد الأمان “للرّساميل” الغربيّة قصد السيطرة على الاقتصاد التونسي.

{{2) المسألة الاجتماعيّة أو جدلية المُنْغَلِقة والانفتاح الحداثي:}}

إنه من العسير أن نُحيط بكلّ القضايا الاجتماعيّة التي يثيرها الجزء الرابع من الإتحاف. لذلك فضّلنا أن نشتغل على بعض المسائل التي سنحاول من خلالها تقديم مقاربة للرؤية الاجتماعيّة عند ابن أبي الضياف، مع وعينا بأنّها مقاربة مبدئية لا يمكنها أن تزعم الإلمام بمختلف جوانب الفكر الاجتماعي عند مؤلّف الإتحاف.
يبدو المجتمع التونسي في هذا الجزء كيانا «فسيفسائيا» تتجاوز فيه أنماط متباينة من المرجعيات الدينية والمذهبية وتتعايش فيه «إثنيات» مختلفة استطاعت بدرجات متفاوتة الاقتراب من مركز السلطة السياسية الذي ظلّ يميل إلى صَالح «الأتراك».

لقد كان بايات تونس من الناحية المذهبية أتباعا للحنفية، المذهب الرسمي للخلافة العثمانية، لكننا في هذا الجزء نجد رغبة سياسية خاصّة لدى أحمد باي في المساواة بين علماء المذهب الحنفي – وهو مذهب الحكّام – وبين المذهب المالكي الذي يدين به سواد الرّعية ومنهم العسكر النظامي.

ولئن كانت هذه التسوية تعبيرا عن خروج جهاز الدولة عن سياسة التفاضل المذهبي، فإنّها تبين عن التركيبة الاجتماعية في البلاد من حيث انشطارها إلى قطبين أحدهما تركي والآخر أهلي وهو انشطار لا يجد تجسيده في المؤسسة العسكرية فحسب، بل في العديد من المؤسسات الأخرى حيث لم تستطع البلاد تجاوز المحدّد الطرقي أو المذهبي وتحقيق دمج اجتماعي حقيقي بين مختلف الفئات المكوّنة للمجتمع التونسي.

إنّنا في الإتحاف أمام مجتمع تتداخل فيه مرجعيات مختلفة لعلّ أهمها المرجعية المذهبية والمرجعية الطرقيّة حيث لا يمكننا في هذا المستوى أن نُقيم تمييزًا حقيقيا بين الوعي الجمعي خارج المجال السلطوي وبين وعي وُلاة الأمور.

إذ نجد أن أحمد باي كان من أتباع الطريقة الشاذلية (ص126) وهو مُعْطى ذو دلالة بالغة يبين عن مدى تغلغل العقليّة الطرقية في المجتمع التونسي ونفوذها في كل الطبقات. لكنّ هذا لم يكن «اتباعيّا» خالصًا، بل حاول الاجتهاد في إدارة بعض الطقوس الاحتفاليّة وتبديل مراسمها على حسب طريقة تجعلها أقرب إلى روح الممارسة الدينية العالمة منها إلى الممارسة الشعبية السائدة.

إذ نجده يبطل الاحتفال المعتاد ليلة العيد (استعمال الآلات الموسيقية) ويبدله بما رآه ابن أبي الضياف وغيره من ممثلي الثقافة العالمة «مناسبا»، أي بقراءة القرآن وشيء من أحاديث البخاري (ص-ص 30-31).

يمكن عند استقراء هذه الحادثة وغيرها أن نرى عند ابن أبي الضياف موقفا «نقديا» تجاه بعض الممارسات والطقوس الاجتماعيّة ولكنه موقف يظلّ متجذّرا داخل الفضاء الإسلامي محكوما بمرجعيّة تراثية تحاول تحيين التجربة الدينية. لكنّ البحث في الفكر الاجتماعي عند ابن أبي الضياف يظلّ ناقصا ما لم نُولّ وجوهنا شطر تلك القضايا التي غادر فيها المرجعية التراثية إلى حدّ ما، أو استطاع البقاء فيها لكن مع قراءتها قراءة مقاصديّة جديدة أكسبتها معاني طارئة وأدمجتها ضمن خطاب تمدّني مستحدث.

يمكن لمقاربة هذا البُعد من أبعاد التفكير الاجتماعي «الضيافي» أن نستحضر نموذجين دالّين على مدى انفتاح الفكر عنده وقدرته على الانعتاق من المرجعية التراثية الأحادية. أمّا النموذج، أو المثل الأوّل فهو إلغاء أحمد باي لنظام الرق سنة 1846 قبل بعض الدول الأوربية نفسها كفرنسا (1848) أو حتّى الولايات المتحدة الأمريكية (1865) (ص97).

ويبدو ابن أبي الضياف مناصرا لهذا التوجّه السلطوي «الإنساني»، مثله في ذلك مثل المؤسسة الدينية (موقف القاضي الحنفي محمّد والقاضي المالكي إبراهيم الرياحي) (ص- ص 99-100)، حيث عمد هذان العالمان إلى إعطاء الشرعية الاجتماعيّة لهذا القرار السياسي من منطلق شرعي مقاصديّ.

ولكن أولئك الذين تضرّروا من منطلق «مصلحيّ» بهذا القرار، «كأهل جربة وغالب العربان وأهل الفلاحة» (ص100) فإنهم لم يرضوا به متعلّقين ببعض أقوال العلماء التي يرى ابن أبي الضياف أنها لا تقوى على بلوغ النظرة الإنسانيّة التي يعبّر عنها قرار الباي إذ يقول «نحن ننظر إلى الحنان والرأفة وما يقتضيه حال الوقت في السياسة التي لا تنافيها القواعد الشرعية أطال لسانه بالمدح» (ص10).

إننا أمام ثلاثة محدّدات تجعل من هذا القرار حدثا تاريخيا في نظر كاتب الإتحاف، وهي بعده الإنساني والسياسي والشرعي. هذه البعاد التي تجعل الحكم يتأسّس على قاعدة المصلحة والتأويل المقاصدي للمباحثات الشرعية.

أمّا النموذج الثاني الذي نراه دالا على مدى انفصال وعي المؤلف عن الوعي الجمعي، أو بالأحرى عن قطاع كبير فيه. فهو قانون عهد الأمان الذي جاء نتيجة استبداد محمّد باي بالحكم المطلق وعدم تقيّده بقانون شرعي أو وضعي ممّا مهّد السبل أمام القوى الغربيّة لإرغامه على إنشاء هذا القانون الحافل بالامتيازات والممهّد إلى حدّ ما للتدخل الاستعماري المباشر في تونس.

إنّ ابن أبي الضياف يعرض بأمانة تاريخية لا جدال فيها الأسباب «المباشرة» التي أجبرت الباي على إقرار عهد الأمان لكلّ رعاياه والحدّ من سلطته المطلقة، ويقف مؤلف الإتحاف موقفا نقديا من الفقهاء الذين استعفوا من حضور مجلس تفسير قواعد عهد الأمان (ص275). وكذلك من «جهّال الحاضرة وغيرها» (ص287) الذين رفضوا تسوية اليهود بغيرهم من المواطنين ورأوا في ذلك أمارة على «أشراط الساعة» (ص288)، وقد تأسّس هذا الموقف النقدي سواء لممثلي الثقافة العالمة (الفقهاء) أو أولئك الذين يعبّرون عن الوعي الشعبي، على رؤية مقاصديّة للشريعة وهي رؤية تتجذّر في التجربة النبوية من جهة، وفي الوعي بضغط الواقع وعدم قدسيّة الممارسة التاريخية لمتأخّري المسلمين من جهة أخرى، ممّا يجعلنا نتساءل عن مدى تأثير المرجعية الحداثية أو المدنية الغربيّة في تشكّل الخطاب لدى مؤلّف الإتحاف وفي تجديد آلياته وطبيعة الطّرح الإشكالي لقضايا الإصلاح فيه.

{{
3) المسألة المالية، أو الواقع الاقتصادي المتأزّم بين الضغط الجبائي وظهور الحاجة إلى إحداث إصلاحات مالية:}}

هل يمكن تمثّل التمدّن خارج المحدّد الاقتصادي؟ ذلك المظهر المركزي من المظاهر المحسومة – العيانية لطبيعة نظام الإنتاج وعلاقة السلطوي بالمعيش، وإلى أيّ مدى بدا أحمد بن أبي الضياف واعيا بأهمية هذا المستوى «المادّي» من مستويات التمدّن؟

وهل يمكننا الحديث عن طرح نسقي للبُعد الاقتصادي في إطار علاقته بالأبعاد الأخرى المؤطّرة للوجود الاجتماعي، وما هي محدّدات النظرة الضيافيّة لهذه المسألة؟ إنّها بعض الأسئلة الإطارية التي يمكن اتخاذها مدخلا لمقاربة قضية الخطاب الاقتصادي في الإتحاف من خلال الجزء الرابع من الإتحاف.

يبدو الاقتصاد التونسي على عهد ابن أبي الضياف، في أزمة خانقة تتجذّر في طبيعة الممارسة السلطوية المنظّمة لهذا القطاع.

فالفلاحة وهي الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات التقليدية المنظّمة لهذا القطاع. فالفلاحة وهي الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات التقليدية ومنها الإيالة التونسية قد صارت سبب فقر السكان (ص163) نتيجة النظام الجبائي غير المنظّم والخاضع لاختيارات الحكّام «العسكرية» وفساد الإدارة بمختلف ممثليها، إذ نجد أحمد باي ينتهج سياسة مدارها التكثير من العسكر لتجنب التدخل المباشر من قبل الخلافة العثمانية لإلزامه بإدخال الإصلاحات (التنظيمات). فيعمد إلى زيادة الضرائب والمكوس التي كانت تُحصّل بطريقة لا تخلو من جور «الملتزمين» (ص28).

ويبدو ابن أبي الضياف واعيا بمحدّدات السلوك السلطوي هذا، إذ نجده يصرّح بأن «نفقة العسكر ألجأت الباي إلى المكوس وغيرها» (ص73). إنّ لفظة المكوس تأخذ أهميتها في الخطاب الاقتصادي عند ابن أبي الضياف من حيث تعبيرها عن «المرجعية الفقهية» المتحكّمة في هذا الخطاب.

وهي مرجعيّة يتقاسمها مع الوعي الجمعي السائد في القرن التاسع عشر. فقد حنق السكان على السياسة الاقتصادية للدولة التي تجعلهم يعون وجودهم الاجتماعي كما لو كانوا من أهل الذمّة. إذ بدت الجباية أو القوانين المنظمة لها مخالفة «لصريح الشريعة الإسلاميّة وحالة البلاد» (ص153) أي خالية من الاعتبارين الشرعي والمصلحي العمراني، ولم تستطع الإصلاحات الجزئية مثل إسقاط بعض الضرائب (ص51) أن تخرج البلاد من حالة العجز.

وذلك لأنها لا تدخل ضمن تصوّر كلّي للإصلاح ولخضوعها لمشيئة الحاكم المُطلق الذي له التراجع عنها متى أراد ذلك.

لقد كانت السياسة الاقتصادية للبايات عاملا مركزيا في خراب عمران البلاد وتكثّف المديونية وبالتالي التبعية للبلاد الأوربية بل إننا نجد فيها المقدّمات الضرورية التي جعلت الاستعمار المباشر حالة تاريخيّة لا فكاك منها. وآية ذلك لجوء بعض الموظفين من الوزراء والقضاة إلى القنصليات وطلب الاحتماء بها، كما فعل محمّد بن عيّاد الذي احتمى بالفرنسيين (ص168) ومحمد بن عيّاد والقاضي محمّد العنّابي اللذان طلبا حماية القنصل الانكليزي (ص-ص130-131).

إننا أمام وضع تزايد فيه تدخل الدول الغربيّة، أو الاستعانة بها في حلّ الأزمة السلطوية ولكن ما يثير استغرابنا هو تبرير ابن أبي الضياف لهذا السلوك الذي رأى فيه مظهرا من مظاهر الخوف من حكم الباي المطلق (ص131). بل إنّ المؤسسة الدينية «الرسمية» ممثلة في إبراهيم الرياحي تعمد إلى إصدار فتوى دينية تجعل من طلب الاحتماء بغير المسلم فعلا شرعيّا إذ نجده يقول للمؤلف «وأتتني أسئلة في ذلك فأفتيت فيها بالجواز» (ص132).

ألا نستطيع أن نرى في هذه الفتوى لسلوك بعض الأفراد سابقة فقهيّة تمهّد لواقع الحماية «الجماعية» التي سُتجبَر عليها البلاد على عهد محمّد الصادق باي؟

إن حال محمّد باي لم يكن بأحسن من حال أحمد باي، بل إنه قد زاد من مديونيّة البلاد الخارجية وذلك بمحاولة جلب ماء زغوان إلى العاصمة، ذلك المشروع الاستعماري الفرنسي الذي لم يكن نتيجة لحاجة اقتصادية حقيقيّة بقدر ما كان مشروعا شخصيّا سيستفيد منه بعض الأوربيين أساسا وبعض المتواطئين معهم من الجهاز السلطوي، الذين سوّلوا للباي هذا المشروع بمقدّمات «خطابية» كنموّ العمران والتخفيف من الجباية الموظفة على الرؤوس (ص290) وغير ذلك من الدّوافع التي تحجب الدافع الحقيقي ألا وهو إثقال كاهل الدولة بديون جديدة وتكثيف تبعيتها لفرنسا.

لقد كان حال البايَيْن الذي خُصّص الجزء الرابع للتأريخ لهما معبّرا عن عقلية اقتصادية «متخلّفة» عن الأسئلة الراهنة لا تستطيع الانفلات من أسر الواقع المتعيّن والتفكير من منطلق «استراتيجي استشرافي» يمكنه معاينة المصلحة الآجلة وجعلها غاية التخطيط الاقتصادي إذ «طبائع ملوك هذا المغرب تميل إلى الفائدة الذريعة المعجّلة الحاصلة من غير التفات إلى المستقبل بخلاف أمم الفرنجة… وهذا من أعظم أسباب العمران والثروة».

إننا أمام رؤيتين متناقضتين للتخطيط الاقتصادي، رؤية شرقية تنغرس في المصلحة العاجلة. مصلحة الحاكم ورؤية غربية محكومة بالمصلحة الآجلة – الدائمة. وهي على الأغلب راجعة بالنّفع على آحاد الأمّة لا مجموعها. و يظلّ الفكر الاقتصادي عند مفكّري الإصلاح، كما هو الشأن عند ابن أبي الضياف فكرًا تتجاذبه مرجعيّتان فكريّتان إحداهما تنهل من مفردات «الفقه» وتعبّر عن بنية المجتمع التقليدي والأخرى تنشد إلى واقع الاقتصاد الليبرالي في الغرب حيث استطاعت الطبقة البرجوازية توظيف الجهاز السلطوي لمصلحتها في استثمار رساميلها المتراكمة داخل الفضاء الأوروبي وخارجه من الدول الدائرة في فلك نفوذها السياسي والعسكري، ونجد غيابا كليّا للرؤية الاشتراكية التي تنامى حضورها إيديولوجيا في أواخر القرن التاسع عشر، لكنه حضور فكر لا نجد صداه في فكر ابن أبي الضياف. ممّا يجعلنا نتساءل عن أسباب هذا الغياب.

هل هي راجعة إلى موقف إيديولوجي أم أنها تعبير عن عدم اطلاع الكاتب على التيارات الفكرية في الغرب فتكون بالتالي مكرسة في تلك «الفراغات» النصّية أو من المسكوت عنه الذي يميّز الخطاب الإصلاحي في قضية التمدّن عند ابن أبي الضياف.

{{III) الخاتمة}}

لقد اتّسم خطاب ابن أبي الضياف عن التمدّن بجملة من الخصائص التي يمكن ردّها إلى عوامل ذاتية وأخرى موضوعية، أي إلى جملة من «الإكراهات» الفاعلة في تشكّل «مقالته» في التمدّن.

فابن أبي الضياف اختار نمطا في الكتابة جعله أقرب إلى إخباري منه إلى المؤرّخ (chroniqueur) ولا يخفى علينا أنّ شكل الكتابة يعبّر عن ثقل «التقليد التاريخي» في الثقافة العربيّة الإسلاميّة حيث لم تستطع الكتابة التاريخية أن توجد خلفيّة نظريّة، أو قاعدة فلسفيّة موحّدة تتجاوز النظرة «التجزيئيّة» للأحداث، وتخرج بها عن التقييم

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق