سؤال النهضة والبحث عن علة العلل! / عبد الحميد الأنصاري

كان من أبرز تداعيات الصدمة الحضارية المباشرة بالغرب المتقدم في أواخر القرن الثامن عشر صدمة الحداثة، وما جلبه الغازي المتفوق في ركابه من مظاهر تحديث، أبرزها دخول المطبعة، وعلوم ومعارف وخبرات ونظم وتقنيات علمية وعسكرية لم يعرفها العرب من قبل إلى دنياهم ومجتمعاتهم، أن أفاقوا من سباتهم الطويل ليكتشفوا واقعهم المتردي – وقد كانوا يتوهمون أنهم السادة وأصحاب القوة والمنعة – وليدركوا حجم الفجوة الواسعة التي تفصل العالم العربي والإسلامي عن العالم المتقدم، ومن ثم ليتساءلوا: كيف ولماذا تقدم الغرب وتراجعنا؟! لماذا تفوقوا علينا علمياً وتكنولوجياً وعسكرياً؟! ماهي المقومات التي تحقق ازدهار المجتمعات؟! ماهي عوامل الخلل؟!

 

هذه التساؤلات الوليدة في بدايات القرن التاسع عشر، هي بداية تساؤلات فكر النهضة، والتي شغلت نخبنا الفكرية والثقافية على امتداد القرنين التاسع عشر والعشرين وصولاً إلى يومنا، انشغل رواد الفكر النهضوي: الطهطاوي، التونسي، الكواكبي، العطار وابن باديس والأفغاني وعبده بتشخيص الخلل، كما انشغل به المفكرون العرب والمسلمون في القرن العشرين، قاسم أمين وطه حسين والعقاد وابن عاشور والوردي وباقر الصدر والبنّا وعلي شريعي ومحمد إقبال وأحمد أمين، وظهر أصحاب المشاريع النهضوية كالجابري وطرابيشي والعروي ومروة وحنفي وأبو زيد والفيهوم وطه عبدالرحمن وأركون وأبوشقة وزكي محمود وفؤاد زكريا وجمال البنا، وفي الخليج برز مفكرون كأحمد البغدادي ومحمد جابر الأنصاري وعبدالله الحامد وراشد المبارك وإبراهيم البليهي وعلي الكواري والقصيبي وتركي الحمد وغيرهم، وبنظرة عامة على مجمل محاولات تشخيص عوامل الإخفاق العربي فإن أبرزها:

 

(1) العامل الديني: لا صلاح للعرب والمسلمين إلا بالعودة إلى تعاليم دينهم، باجتهاد جديد وفهم متحرر من قيود الخرافات والتقاليد، فلا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وهو الإسلام الذي وحّد العرب وعليه قامت حضارتهم، وقد تبلورت مضامين هذه الدعوة في الشعار الذي اتخذته بعض الحركات الإسلامية “الإسلام هو الحل” وإن لم يبينوا لنا بالتحديد كيف؟ وأين؟

 

(2) العامل السياسي: ويقصد به تجذر بنية الاستبداد ورسوخها التاريخي في المجتمعات العربية، وهو ما أشار إليه الكواكبي في “طبائع الاستبداد” عندما قال إن الاستبداد السياسي أصل الداء وأساس البلاء، ولا حل إلا بتفكيك بنية الاستبداد وترسيخ الفكر والثقافة الديمقراطية.

 

(3) العامل الفكري: أصحاب هذه المدرسة من نقاد الفكر العربي يرون أن العلة الأساسية في الإخفاق العربي، “العقلية العربية” المحكومة بأوهام الماضي الزاهر، لا تعيش عصرها، تعيد إنتاج مقولات القدماء وتبحث في الماضي حلولاً لمشكلات الحاضر، لا تؤمن بالتعددية فتقصي الآخر وتضيق برأيه ظناً بتملك الحقيقة الكاملة والصواب المطلق، كما أن هذه العقلية تنزع إلى تمجيد الذات وتعظيم محاسنها في مقابل الانتقاص من الآخر والمغالاة في إظهار سلبياته!

 

(4) العامل التربوي: يشكو التربويون من أن نظامنا التربوي لا يؤهل الأفراد للبناء والتنمية والإنتاج وأبرز من تصدى لهذه المشكلة هشام شرابي في دراسته للمجتمع العربي.

 

(5) العامل التعليمي: شخَّص خبراء التعليم نظامنا التعليمي بأنه لا يؤهل الخريجين للانفتاح على معطيات العصر والتفكير العلمي الناقد بسبب آفتي التلقين والرأي الأحادي.

 

(6) العامل العلمي التقني: يرى أنطوان زحلان أن التحديات التي واجهت العرب خلال الخمسة قرون الماضية تحديات علمية تقنية لم تجد استجابة مناسبة من العرب بدءاً من سنة 1498 ومن خلال 5 سفن حاملة للمدافع تمكنت البرتغال من السيطرة على الخليج.

 

(7) العامل الاجتماعي: ويقصد به هامشية دور المرأة المجتمعي في ظل سيادة النظام الأبوي، والمستقر في أدبيات التنمية: أن النهضة مرتبطة بوضعية المرأة المجتمعية ارتقاء أو نزولاً.

 

(8) العامل الاقتصادي الريعي: اليساريون يرون أن علة الإخفاق كامنة في بنية المجتمعات العربية القائمة على الدخل الريعي وعلى العقلية الريعية المتغلبة على مراكز الإنتاج في الوطن العربي، والريع يمثل نوعاً من الدخل غير المرتبط بقيم الإنتاج وبذل الجهد وتحمل المخاطر والحضارات السابقة ومنها العربية والإسلامية كانت ريعية وغير تنموية لا تعرف أساليب نماء الثروة إلا بما تأخذه من غيرها عبر أساليب الغزو والتغالب والتوسع وجموع الأسرى الذين يتجولون إلى أرجاء يباعون كالبضائع والبهائم وتُسبى النساء وتُباع كالأغنام.

 

(9) العامل الخارجي: المتمثل في التآمر الغربي الصهيوني ضد وحدة الأمة العربية وتقسيم أوطانها وتعطيل تنميتها واستنزاف ثرواتها والتحكم في مُقدَّراتها.

 

(10) عامل التأزم السياسي: كما يراه المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري في كتابه “العرب والسياسة: أين الخلل؟” فعلة العلل تكمن في “الإخفاق المستمر في إدارة الأزمة السياسية في الانتقال السلمي للسلطة منذ انتهاء الخلافة الراشدة” بسبب 3 محددات: عامل التجزئة السياسية بفعل الاجتياح الرعوي والفراغ الصحراوي وعامل الانفصال بين مجتمع ينتج الحضارة وسلطة رعوية حاكمة تنتج السلطة، وعامل الرفض والإدانة للدولة القُطْرية من قبل القوميين باعتبارها مؤامرة استعمارية.

 

(11) العامل الثقافي: وأخيراً فإن المفكر السعودي إبراهيم البليهي يرى أن المعوق الثقافي هو المعوق الأم، ويشرح البليهي ذلك بقوله: “الثقافة العربية كسائر الثقافات التقليدية يتشربها الأفراد – تلقائياً – من بيئاتهم ويتبرمجوا بها منذ الطفولة، فتحتل عقولهم وتصوغ عواطفهم وتوجه سلوكهم ثم يأت التعليم ليرسخ قناعاتهم ويشحن عواطفهم وتوهمهم بأن ما هم فيه من أوضاع وتقاليد وثقافة هي الأفضل مقارنة بالثقافات الأخرى، فتشكل حاجزاً نفسياً منيعاً ضد إرادة التغيير، فهم قد امتصوا أوهام الامتياز وشحنوا به عقولهم، فلا يخضعونه للفحص والتمحيص ولا يغيرون طريقة تفكيرهم ولا يتقبلون الأفكار الجديدة، لأن العقل يحتله الأسبق إليه وهذا الأسبق غالباً الثقافة التلقائية المعروفة، وهكذا تواصل الثقافة التقليدية الدوران في نفس مساراتها وتعيد إنتاج ذاتها، وتجهل أسباب الإعاقة الحضارية لمجتمعاتها وتكتفي باستهلاك المنجزات الحضارية التي أبدعتها المجتمعات المزدهرة، فعجز الثقافة المغلقة عن رؤية أسباب الإبداع الجديد ومعوقات الخلل وعوامل الإخفاق، يمثل عجزاً بنيوياً لا عرضياً، وهذا ما يثبته عجز مجتمعاتنا على مدى قرنين وهي تحاول النهوض وقد أنفقت الكثير من المال والجهد لتحقيق التقدم لكنها أخفقت ومع ذلك فهي مغتبطة بأوضاعها توهُّماً أنها خير أمة!

عن جريدة الاتحاد الإماراتية 17/8/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق