سؤال الهويّة وسط تشظي الواقع السّياسي مصر نموذجا

يطرح الواقع المصري بتعقيداته بعد ثورة 25 يناير 2011، وما فجّرته من أحداث لا تزال تتفاعل، ضرورة التّجاوب مع طرح الهويّة بعد أن كشف الصّراع السّياسي المحمّل بدلالات أيديولوجيّة عن البون الواسع في الرّؤية لمفهوم الهويّة وتحديد أبعاده بين التيارات السياسيّة الفاعلة في الشّارع المصري بمختلف توجّهاتها، ما دمّر الهويّة المصريّة التي تم تشظيتها بين مختلف التيارات السياسية المتصارعة، التي قدمت رؤيتها الخاصة والمحدودة جدّا كمحاولة لفرضها كتحديد للهوية المصرية، وهي حالة لا تقتصر على الواقع المصري فالمجتمعات العربية من المغرب غربا إلى العراق شرقا، الذي اكتوي بنار غياب الهوية الوطنيّة الجامعة تشترك في غياب الإجابة، إن لم يكن تهربا من الإجابة، عن سؤال الهوية. وإن كنا سنركز الحديث عن مصر، فإن كل مجتمع عربي لديه إشكاليّة عميقة في مفهوم الهوية، قد نعود إليها بالتفصيل فيما بعد.
سؤال الهويّة قديم في مصر، لكنه ظل معلقًا في سماء اللا جواب، فكل جماعة أو تيّار قدّم رؤيته ومفهومه عن الهويّة لا باعتبارها وعاء يضم التنوع الطبيعي بحكم ميراث تراكم الثقافات، بل من خلال تأكيد الأطروحات الأيديولوجيّة في المقام الأوّل، فسؤال الهويّة تحوّل إلى ساحة قتال لا إلى منطلق للبناء، باختصار؛ تحوّلت الهويّة إلى ورقة في يد السّياسيين يتم استحضارها وقت الحاجة بغرض التوظيف الأيديولوجي لا بغرض الاستجلاء التاريخي المؤسّس على الحقيقية وحدها، في ظل خصام سياسي وصراع بين أبناء الوطن والهوية الواحدة.
ما العمل؟ لماذا لا نعترف بالتّاريخ بما يحمله من تراث متراكم، كما كان لا كما نريد؟ كيف يقدم كل تيّار في مصر تصوره عن الهوية من خلال مفاهيمه الضيقة؟ إذا ما لم تتمّ الإجابة عن تلك الأسئلة بكلّ واقعيّة لتصالح التاريخ، وتعترف بماضيها، وتنظر إلى المستقبل بعين الحاضر وتحوّل خصوماتها المنقضية بحكم التطور من خانة الفعل المتجدّد إلى خانة الأحفورة المتحفيّة.
الإشكاليّة في جوهرها نابعة من الحكم العاطفي في تحديد الهويّة، ما جعل الأخيرة تستباح من قبل الأهواء، في ظل تنحية العقل وتغييبه، باعتباره الأداة الفعالة التي تحدد اتجاه الأمّة واختياراتها في مثل هذه الموضوعات الأساسيّة المؤصّلة لواقعها ومستقبلها، فالعاطفة تجعلنا نقرأ الهوية (باعتبارها فعل تراكم تاريخي) من خلال أزمة اللحظة الرّاهنة، أيّ قراءة تاريخ الأمّة المصريّة قراءة معكوسة محملة بصراعات الحاضر وانكسارته وانتصارته –إن وجدت-، وتعيد صياغة الماضي بظروفه وملابساته (المفهومة في سياقها) وفقا لإشكالية الواقع المعايش، والنتيجة إعادة صياغة انتقائيّة قائمة على التّأويل غير المنضبط.
من هذه القراءات المغلوطة النّظرة إلى دخول العرب مصر باعتباره فتحا، وهذا غير صحيح ولا يمكن فهمه إلا من خلال رؤية الغازي، حتّى وإن كان يحمل الهويّة الإسلاميّة، فما حدث عندما قاد عمرو بن العاص الجيش العربي كان غزوا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهناك أمة محملة بلغة ودين وثقافة جديدة قامت باحتلال أرض شعب يحمل بدوره موروثا ثقافيّا موغلا في القدم، فالعرب عندما دخلوا مصر لم يجدوها خالية من البشر والحجر.
أما أنّ الشّعب المصري تحوّل إلى قيم الغازي ودخل في الدّين الوافد (كما حدث من قبل عند اعتناقه للمسيحيّة باعتبارها دينا وافدا)، واستخدم لغة العرب حتّى داخل الكنيسة المصريّة فهذا شأن آخر، فالمجتمع المصري تحوّل خلال أربعة قرون من التفاعل التاريخي من وضع اجتماعي معين إلى تركيبة اجتماعيّة مبتكرة، ما أنتج مصر جديدة غير مقطوعة عن سياق ماضيها لكن مع إعادة موضعتها في سياق العالم الإسلامي الفسيح، وتم استبدال المنظومة اليونانية- الرومانية- القبطية بالمنظومة العربيّة-الإسلاميّة، وهو تطوّر لا يمكن العودة عنه الآن تحت أيّ مبرّر، بعد انصهار العرب بسكّان مصر على اختلاف أعراقهم وما نتج عن هذه العمليّة هو أحد مكوّنات الشخصيّة المصريّة وعلم على هويتها حاليا، كما حدث في إنجلترا التي تعرضت للغزو النورماندي الذي يعد أحد أهم مكونات الشخصيّة الإنجليزيّة ولا يمكن الحط منه من قبل الإنجليز أنفسهم، كذلك لا حديث اليوم في أوروبا عن إعادة المسيحيّة إلى الشرق باعتبارها وافدة، فالمسيحية مكوّن أساسي في الثقافة الأوروبيّة سواء بالحضور أو النفي، لكن مثل هذه القراءة التي نقدمها هنا، والتي تضع منهجا لا يحيد عن استخدام المصطلحات وعلى رأسها مصطلحيّ “الغزو” و”الفتح”، قراءة لا يقرها العقل المصري الإسلامي المعاصر الذي يقرأ التاريخ لا من منطلق الواقع التاريخي بل من منظور العربي الإسلامي.
في مقابل الموقف الإسلامي نجد الموقف المسيحي، الذي ينظر إلى التاريخ من خلال رؤية ذاتية تعتبر التاريخ ملكية شخصيّة مؤسّس على الدّين ووهم النقاء الجنسي، فالديانة لا تكفي وحدها لتحديد هوية أمة بحجم الأمة المصريّة، فضلا عن أن الأمة المصريّة كانت الدّيانة الوضعيّة عنوانها الأبرز على مدار أكثر من أربعة آلاف سنة من إجمالي عمر الحضارة المصريّة البالغ ستة آلاف سنة تقريبا، فعن أي دين لمصر يتحدّثون؟
في مصر، الجميع ينظر للهويّة من خلال إطار الأيديولوجيّة، فالأصولي يبدأ التاريخ المصري انطلاقا من فرعون موسى، ما يجعله ينظر بسلبيّة إلى تاريخ ما قبل “الفتح الإسلامي لمصر”. أما المسيحي فالتاريخ المصري عنده يتمحور حول مرتكز “تاريخ الآباء البطاركة”، بمعنى أن تاريخ البلاد محصور في تاريخ الكنيسة المصريّة، أمّا ما قبل ذلك فيعد مقدمة وما تلى ذلك مجرّد سرد لتاريخ الكنيسة باعتبارها “مدينة الله”، كما نَظّر لها القديس أوغسطين، سواء كانت الكنيسة هي محور الحدث باعتبارها القيّمة على التقاليد المصريّة والحامية لها في فترة معينة، أو من خلال أحداث بات يعرف بعصر الشهداء الذي أنزل بمسيحيّ مصر من قبل قوى الاحتلال في العصر البيزنطي، وهو ما يتخذ كبداية للتقويم القبطي في مصر.
أمّا القوميون، فلديهم مشكلة أساسيّة في تنظيرهم للتّاريخ المصري فهم يفتّشون في التّاريخ عمّا يؤكد الفكر القومي لذلك لم يكن غريبا أن يركزوا على تجربة صلاح الدّين الأيوبي قديما وتجربة محمد علي حديثا، باعتبارهما الأصل التّاريخي لتجربة جمال عبد الناصر، إنّها عمليّة استعادة للتاريخ لا بغرض الانتصار للحقيقة التاريخيّة بقدر التوظيف الأيديولوجي.
وتتراوح النظرة القومية بانقسامها بين الإفراط والتفريط في نظرتها لتاريخ مصر وتراثها.
حتّى أنصار الثقافة الفرنكوفونيّة يوظّفون التّاريخ للانتصار للثقافة الفرنسيّة حتّى ولو جاء ذلك على حساب الهويّة الوطنيّة، يركّزون أنظارهم وأبحاثهم وحديثهم عن الفترة الفرعونية مع عناية خاصة بـ”الغزو الفرنسي” الذي سعى أنصار تلك المدرسة إلى طمس معالمه وتسميته بـ”الحملة الفرنسية” وإلصاق قيم التنوير بها، وطمس معالمها الاستعماريّة، واستغلال هالة نابليون في إضافة الكثير من الإنجازات المزعومة للغزو الفرنسي، حتّى ولو ألجأتهم الحقيقة إلى انتحال وقائع وإنجازات عصر محمد علي وسحبها على فترة الغزو الفرنسي التي لم تتجاوز الثلاثة أعوام، وهي محاولة مفهومة في إطار الصّراع الفكري الثقافي المحتدم في مصر بين أنصار المدرسة الفرنكوفونيّة وبين أنصار المدرسة الأنجلو-سكسونية في النّصف الأول من القرن العشرين، أحد تجلياته السياسيّة كانت ولاشك تصريح السّياسيّ المصريّ أمين عثمان بضرورة بقاء الاحتلال الإنجليزيّ في مصر، ومن اللّافت أن أمينا كان رئيسا لـ”جمعية الصداقة المصريّة- البريطانيّة” وقتها.
في المقابل، ركّز أنصار التيّار الليبرالي على الرّبط بين الهويّة المصريّة والهويّة الأوروبيّة في إطار وحدة عالم البحر المتوسط وهو ما عبر عنه طه حسين في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر”، وهي دعوة زادها المفكر لويس عوض عندما تبنى دعوة سلامة موسى لكتابة اللغة العربيّة بالحروف اللاتينيّة كما فعلت تركيا- أتاتورك، في إطار دعوتهما للهويّة الفرعونية المقروءة من خلال المنظور الغربي والمركزيّة الأوروبيّة، وهي دعاوي ردّ عليها المفكر الإسلامي محمود شاكر، وهو أحد أشهر المدافعين عن الهوية العربية-الإسلاميّة في مواجهة التغريب، الذي كان موسى وعوض من دعاته بلا تحفّظ، وحارب شاكر بوضوح الدّعوة إلى كتابة العربيّة بحروف لاتينيّة.
إن التيار التنويري، بقيادة أحمد لطفي السيد صك مصطلح “مصر للمصريين” منذ مطلع القرن العشرين في مواجهة دعاة الجامعة الإسلاميّة بزعامة مصطفى كامل، وكان ذلك بتأثير من فورة تيارات القومية الأوروبيّة، لا نتيجة تطور حقيقي وطبيعي في الوعي الجمعي للشعب المصري، كان تعبيرا في حقيقته عن تطوّر النّخبة ونضوجها في مقابلة عموم الشّعب الذي لا يزال يحيا في منظومة العصور الوسطى ما جعل مشروع مصطفى كامل الإسلامي، المرتبط بفكرة “الخلافة”، أكثر ثباتًا وبقاءً فلم يكن من الصّعب استعادته من جديد على يد حسن البنا مؤسّس جماعة الإخوان المسلمين لكن في غير سياقه الأصلي الذي أراده مصطفى كامل.
لا يختلف الوضع مع الاشتراكيين والشيوعيين الذين نظروا إلى التاريخ المصري من داخل منظومة الأفكار الماركسيّة، فتحوّل التاريخ المصري إلى جزء من التّاريخ العالمي لصراع الطبقات والتطور الحتمي للتاريخ نحو انتصار طبقة البروليتاريا (العمال الكادحون) لتأسيس الأممية الدولية، والتفتيش عن القيم الماديّة في التراث المصري وتضخيمها واختلاقها؛ أحيانا، في حال عدم وجودها، إنّ قراءة كتاب المؤرخ الأكاديمي محمد أنيس “تطور المجتمع المصري من الإقطاع إلى ثورة 23 يوليو” قد يكون مفيدا في هذا السّياق.
يدعم هذا العرض السّريع والموجز، (لوجهات نظر التيارات السياسية والفكريّة والدينيّة في تحديد مفهوم الهويّة المتعدّدة بتعدّد تلك التيّارات)، الدّلالة الرمزيّة لعدم وجود متحف قومي لمصر، في مقابلة المتحف المصري للآثار الفرعونية، و”متحف الفن الإسلامي”، و”المتحف القبطي”، و”المتحف اليوناني- الروماني”، و”متحف النوبة”، إنّها مجموعة من الهوّيات السّابحة في غير إطار يجمعها ويمزج بينها ومن هنا تكمن الخطورة.
تشظي الهويّة أساسي ومفهوم طالما ظلت أسئلة المستقبل لا جواب عنها في الحاضر المسكون بتعقيدات التّاريخ المحكوم بالجغرافية، ويرجع هذا بالأساس إلى استعارة نماذج تاريخيّة في لحظات معيّنة واستقطاعها من سياقها وتعميمها على “الكل التاريخي”، ما أدّى إلى نتائج كارثيّة على مفهوم الهويّة، لأنّها قراءة مبتسرة مبنية على أحادية تيّار يحاول إدعاء احتكار الحقيقة، وهذا الاتهام موجه لجميع التيارات الموجودة على السّاحة السياسيّة والفكريّة في مصر مطلع القرن الواحد والعشرين.
تحوّلت الهويّة إذن إلى ساحة معركة بدلا من أن تتحوّل إلى إطار جامع للتنوّع داخل الشخصيّة المصريّة، فأبناء التيّارات المصريّة على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم يسعى كل منهم إلى اختطاف بطاقة الهويّة وتطبيعها بأيديولوجيته، وهو أمر خطير ينذر بعمق الأزمة التي تعانيها النّخبة المصريّة المنقسمة والمنعزلة في جزر منفصلة تسعى في الحقيقة إلى صناعة هويّات مشوّهة تُجزّئ مفهوم الهويّة، والأخطر مفهوم الدّولة الجامعة، فالبعض سعيد بحالة السّكون الفكري، التي يتحصّن داخلها رافضا فتح المجال أمام حوار حقيقي يقرب المسافات ويسمح بتقارب وجهات النّظر، هذا الصّمت والتّجاهل المتعمد لتحديد الهويّة يأتي في وقت تتصاعد فيه صوت الجنوب النوبي وتتفاقم الأزمة الطائفيّة وانفجار الوضع في سيناء كعوامل مضادة للهويّة الجامعة، فضلا عن الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، التي تقضي على الانتماء داخل طبقات تعاني في ظل ظروف صعبة، في وقت تهب وبقوّة ريح الغرب حاملة معها هويّة تدعي لنفسها العالميّة مسلحة بثقافة منتصرة تعيش قمّة تطوّرها الحضاري.
كلّها عوامل تنخر كالسّوس في مفهوم الهويّة، ما يعمق الشّعور بعدم الانتماء في لحظة فارقة في تاريخ هذه الأمّة ما قد يفتح أبواب الجحيم على الجميع فأمّة بلا هويّة لا تحتاج إلى عدوّ يتربّص بها الدّوائر، هي كفيلة بنفسها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق