سؤال علماء البيولوجيا الاجتماعية: “آلهة جديدة” أم مجرد جينات؟

 ما قدمه داروين من علم بكشفه عن فكرة التطور لم يكن فقط تغييرا ثوريا في المفاهيم العلمية، ولم يكن مجرد إقصاء للنص الديني في أسباب الأنواع ووجودها. لقد فتح داروين قمقماً أخرج منه فكراً جديداُ ومفاهيم جديدة عن وجودنا وأخلاقنا وأنار طرقاً هي في الواقع أغرب مما نعتقد. لا يمكن أن تأتي العبارة التالية بشكل أقل مباشرة أو وضوحا مما سأقوله: بعض العلماء يعتقدون أن علم التطور فتح الطريق نحو دين جديد يشابه زاوية مهمة من الدين القديم. هذا الطريق سار على خطاه أحدث العلوم المتفرعة عن فكرة التطور، وهو علم البيولوجيا الاجتماعية. مما دعا البعض إلى إطلاق اسم أنبياء دين الجينات عليهم.

أصبح من المعروف الآن أن الدلافين والعديد من الحيوانات الأخرى أكثر ذكاء مما كنا نعتقد، والحواسب في أيامنا هذه قادرة على تحقيق أشياء مذهلة، ومع ذلك إذا أردنا أن نسأل: ما هي أكثر الموجودات ذكاء على الأرض فإن الإجابة ستكون حتماً “البشر”. اسأل فئة مؤمنة بدين ما وسيقولون أن الآلهة أو الملائكة أو الشياطين (بأي شكل أو دين) هي موجودات أكثر ذكاء من البشر. ذلك هو تماما ما يعتقده علماء البيولوجيا الاجتماعية (1) عن الجينات أيضاً. وهو ما يدعو البعض إلى الذهاب بالفكرة إلى أقصاها والقول بأننا أمام دين جديد آلهته هي الجينات.

قد يبدو هذا الاستنتاج مستحيلاً لأن الدين تم إقصاؤه من علوم البيويولوجيا من زمن بعيد. وعلم البيولوجيا الإجتماعية جزء من علوم البيولوجيا (حتى وإن كان علماً حديث العهد). لكن الحقيقة أن بعض علماء البيولوجيا الاجتماعية يعتقدون (وإن بشكل غير صريح) بأن الجينات قريبة جدا من أن تكون آلهة.

قبل الخوض في التفاصيل علينا أن نتفق على بعض المفاهيم ونوضحها. نحن نعرف أن الآلات الحاسبة، السيارات والمفكات وما يشابهها هي أدوات أو أجهزة مصممة ومصنوعة من قبل البشر لغاياتهم فقط. ولا يمكن التسليم بذلك دون أن تكون الجملة السابقة تحوي ضمنيا فكرة أن البشر حتماً أذكى من تلك الأدوات من سيارات وحاسبات… الخ. لأننا إن قمنا بتصميم شيء تصل درجة ذكائه إلى درجة ذكائنا وقدراتنا فلن يكون مجرد أداة لتحقيق غاياتنا، بل سيملك ذلك الشيء غايات بذاته ونهاياتها الخاصة، وسيكون على الأقل قادرا على تحقيق غاياته كما نحن قادرون على تحقيق غاياتنا. بشكل مشابه سنفترض أن البشر وكل الأحياء هي أدوات أو أجهزة مصممة ومصنوعة من قبل شيء ما آخر لتحقيق غاياته أيضاً. هذا الجدل سيقودنا إلى استنتاج أن ذاك الشيء سيكون حتما أذكى وأقدر من البشر.

انطلاقا من تلك الفكرة، نأخذ ما قاله ريتشارد دوكينز “نحن روبوتات، وآلات مبرمجة كي تحافظ على تلك الجزيئات “الأنانية” التي ندعوها الجينات”. يقول دوكينز أيضاً “نحن معالجون بشكل ما لنحافظ على بقاء “جيناتنا”. – “الحقيقة الجوهرية هي أن أي كائن حي هو أداة للـ DNA”. ويعود للقول مجددا أن الكائنات الحية موجودة لأجل تحقيق الفائدة لجيناتها. كما يقول إدوارد أوزبورن ويلسون – عالم آخر كبير في نفس المجال – أن الكائن الحي الفرد هو مجرد عربة، جزء من آلية مصممة كي تحافظ على الجينات وتقوم بنشرها. الكائن الحي هو وسيلة الجينات لإنتاج المزيد من الجينات.

اذا أردنا المقارنة من وجهة نظر دينية فإن البشر وكل المخلوقات الأخرى موجودون لأجل مجد الآلهة العظيم. إذ أن علماء البيولوجيا الإجتماعية يقولون أن البشر (وكل الكائنات الحية) موجودون لنفع وفائدة جيناتها. الحقيقة أن قولنا “جيناتها” ليس قولاً دقيقا كفاية لاننا إن أردنا أن ننظر إلى المعنى من وجهة نظرهم فإن الجينات ليست أداة في يد الكائن الحي بل العكس هو الصحيح (نحن أداة تخدم الجينات). وعلى ما تقدم فإن تشبيه تلك الفكرة بالدين قد يبدو معقولاً.

يجب الإقرار على أي حال بأن علماء البيولوجيا الإجتماعية يقولون أحياناً ما يختلف مع العبارات التي أُوردت عنهم وهم بذلك لا يصرحون “بالدين الجديد” بشكل واضح لكن الهدف مما سنورده هو توضيح الإلتباس والمقارنة. ريتشارد دوكينز يقول أنه لا يؤمن أن الجينات هي عملاء “واعية” قادرة ذات هدف محدد (ويمكن الاتفاق مع وجهة نظره في ذلك في حال اتفاقنا على تعريف الوعي وفقاً للمقياس البشري). “طبعاً فإن تلك الجينات بلا وعي”.

في كتاب ريتشارد دوكينز “النموذج النمطي الموسع” – The Extended Phenotype – فإن تمجيد الجينات قد ذهب أبعد مما يمكن توقعه. المعالجة والتغيير هي فكرة الكتاب الرئيسية (كما يوضح ذلك الكاتب). أو بشكل أدق، التلاعب والتعديل المطبق من قبل الجينات على الكائنات الحية كأفراد. فالجينات هنا تظهر كموجودات تتلاعب وتعدل في الكائن الحي وفقاً لمصلحة وجودها واستمرارها. هي لا تعدل في جسد وسلوك الكائن الحي فقط، بل في كل شيء موجود حولها.

الفكرة المذهلة التي يمكن تبيّنها أن الجينات تستطيع أن تغير في عناصر خارجة عنها أيضاً، فالجينات الموجودة في العنكبوت تستطيع تعديل شباك العنكبوت، وجينات الأرضات تستطيع تعديل الوحل لخلق محيطها الخاص. جينات القنادس تستطيع تعديل الخشب والماء لتصنع منها السدود وبالتالي تقوم بتغيير الظروف البيئية من حولها. إن الأفعال التي قد تبدو مستحيلة أو صعبة جداً تكون في الواقع مهاما سهلة جداً على تلك الجينات. ولا توجد مهمة مستحيلة بالنسبة إليعا. إن جينات القندس استطاعت أن تبني بحيرات عرضها يبلغ عدة كيلومترات. تستطيع الجينات أيضا أن تعدل من سلوك الجينات الأخرى لأنواع أخرى بدون شك، وطائر الوقواق خير مثال على ذلك (2).

إذا أردنا أن نفكر بطريقة نصف بها ما يجري، فنحن هنا لا نتحدث عن مجرد فعل ورد فعل. القمر يؤثر بالبحر ويسبب المد لكن هذا الأثر ليس مقصوداً…. لو وجد شخصين على قارب يتنافسان على جمع أكبر عدد من الأسماك وسقط أحدهما من عنف حركة الآخر فسقوط الثاني ليس مقصودا ولو أنه سؤثر إيجاباً على أداء الأول. نحن نتحدث عن تلاعب مقصود في سلوك الآخر بشكل مميز جداً لا عن سبب مؤثر عرضياً.

معظم علماء البيولوجيا يجدون – في حالة التطفل المذكورة – لا شيء أكثر من مثال معقد للتأثير السببي. وهم يصفون أيضاً جينات الطائر كما يصفها علماء البيولوجيا الإجتماعية. لكن ما يميز علماء البيولوجيا الإجتماعية هو إصرارهم على أن تلك الجينات تتلاعب بشكل واضح بسلوك الطائر المضيف. فالوقواق يحصل على فائدة حقيقية على حساب مضيفه.

لو أن الحالة هي، كما يقول هؤلاء العلماء، فعلاً حالة تلاعب في سلوك الآخر فهي بدون شك حالة ذكية جداً؛ أكثر ذكاءً من قدرات الطائر بحد ذاته. هل يمكن للطائر أن يدرك في دماغه مشكلة صعوبة اطعام صغاره ويقوم بإيجاد الحل؟ هذا أمر أشبه بالمستحيل. لكن وعلى افتراض أن الطائر كان فعلاً يملك ذاك الذكاء لإدراك مشكلته، عليه أن يكون أيضاً ذكياً بما يكفي ليفكر في حل لها ويحقق هدفه؟ الواقع أنه لا يوجد أحد يجرؤ على تقييم طائر بذلك الذكاء. ولو كان كذلك فالأصعب عليه هو تطبيق الفكرة بشكل مدرك وواع. وهو في النهاية أحد الطيور التي فشلت في بناء أعشاش حقيقية!

هذه المعضلة ليست صعبة الحل على الطائر فحسب، بل صعبة علينا أيضاً كبشر. لنفرض أن تلك التقنية لم تتطور بين الطيور وأردنا تطوير تقنية لحماية الطائر من الإنقراض بسبب طريقته الفاشلة في تربية وإطعام فراخه. ما هي احتمالات أن تخطر في بالنا فكرة أن يستضيف طائر آخر فراخ الوقواق. قد يكون الإحتمال وارداً. لكن هناك تتمة. هل سنكون على قدر من الذكاء بحيث نفكر أن ندفع الطائر المضيف لأن يطعم فراخ الوقواق أكثر من فراخه؟ وفي ابتكار الوسيلة؟ مع كل الاحترام لذكاء الإنسان فإن أحداً لم يفكر بتلك الطريقة لحماية أي من أنواع الطيور المهددة. ومع ذلك سنفترض أن الفكرة خطرت على بال أحدهم بأن يجعل فراخ الوقواق تصرخ بصوت أعلى من مضيفيها لتجذب انتباه الأم أكثر أثناء الإطعام.

نأتي للمعضلة الأكبر.. وهي تطبيق تلك الأفكار على أرض الواقع… البشر فعلاً رائدون في تطوير العديد من الآليات التي تساعدهم في وجودهم، والإبداع البشري غني عن التعريف… لكننا حتماً لا نستطيع فعل هذا. لا نستطيع بناء فراخ للطائر وتربيتها أو تعليمها بحيث تعرف ما يجب عليها أن تفعله عندما تكون صغيرة في أعشاش مضيفيها، ولا نستطيع أن نخرج بطائر بسلوك يدفعه إلى وضع بيضه في أعشاش طيور أخرى مضيفة. لا يوجد أي مهندس جينات يستطيع القول أنه يستطيع فعل ذلك بنجاح، على الأقل في المنظور القريب.

إذن فالتعديل السلوكي الهادف والمؤثر في المحيط والذي قام به هذا الطائر ليس فقط أبعد من قدرة الطائر الفكرية والتطبيقية بل أبعد من قدراتنا نحن البشر، أذكى الأحياء. وحسب دوكينز، فإن هذه الآلية قام بتطبيقها الطائر من زمن بعيد جداً. الفكرة الواضحة الآن هي أن جينات الوقواق أكثر ذكاءً وقدرة من البشر. المثال ينطبق على جينات البشر أنفسهم. والأمثلة أقرب مما نعتقد.

“الله” أو الآلهة كما يعتقد المؤمن “كائن” أكثر ذكاء وقوة من البشر، بالإضافة إلى أنه موجود خالد. أيضاً قال دوكينز “الجينات لا تهرم، وهي لا تموت بمجرد مرور بضع مئات من السنين بل تستمر لملايين السنين وتقفز من جسد إلى آخر عبر الأجيال تباعاً وتغير وتعدل في جيل تلو الآخر وفق حاجاتها ولغايات وجودها وأغراضها” لكن هل هذا يعني أننا يمكن أن نطلق عليها صفة “الخلود”؟

العديد من الناس يتمنون لو أن الدين كان صحيحاً. قد يبدو هذا غريباً بعض الشي لأن الدين يحمل رهبة ورعباً في ثناياه، لكن ومع ذلك فهناك العديد من الأمور التي ترجح على الرعب الديني أهمها الإحباط، فإن كان الدين يحمل الرعب في ثناياه فالإلحاد محبط. إنها فكرة محبطة وكئيبة للبشر أن يعتقدوا أن أجمل وأفضل الأشياء في الكون هي مجرد أنواع أخرى لا أكثر. المشكلة أن أي دين (وإن لم يكن خاطئا بشكل واضح) فهو غير قابل للفهم بالشكل العقلي. وعدم فهمنا لشيء ما بشكل منطقي لا يعني خطأه. هذا ما يقوله أصحاب الدين دائما لغيرهم، لكن هذا القول يفتح إحتمال الاعتقاد بأفكار عديدة أخرى غير مفهومة تنتظر قبولنا وإيماننا بها فقط لأننا لا نستطيع تفسيرها.

في علم البيولوجيا الإجتماعية لا شيء غامضا أو ميتافيزيقيا كما الدين، وكل شيء له تفسير علمي وفرضيات ونظريات… وعليه فمن الخطأ أن ندعوه دينا بالمفهوم الكلاسيكي للدين. الجزء الوحيد المقبول هو المبدأ القائل بأن الجينات غير مرئية. وهذا ليس أمرا محصورا بعلم البيولوجيا الإجتماعية. فالكل يتفق على أن الجينات غير مرئية، وبوجود التقنية العالية فإن مشكلة عدم رؤيتها قد انتهت.

حاول علماء البيولوجيا الإجتماعية – ولو بشكل غير مقصود أو مباشر– احياء فكرة الخلود النسبي للجين أو السلالة الجينية. وهي فكرة قام بنشرها أوغست وايزمان من حوالي مئة عام تقريباً. حتى أن دوكينز يصف نفسه بأنه من المتأثرين بـوايزمان، لكن هذا المبدأ الشهير كان ولا زال خاضعاً لأفكار قيد النقد.

إن انقراض النوع (موت آخر أفراده) ظاهرة متكررة بشكل دائم في تاريخ التطور، وفي كل مرة تجدّ فيها هذه الظاهرة فإن السلالة الجينية المرتبطة بهذا النوع تنتهي معه أيضاً. عندما نموت فإن ذلك يعني نهاية الجينات التي نحملها في خلايانا. إن كان الفرد لا يملك أولاداً يحملون جيناته فإن جيناته ستنتهي عند ذلك الحد. وهذا يعني بشكل واضح أن لا خلود حقيقيا في تلك الحالات. واضح تماما أن أفكار دوكينز ووايزمان لا تعبر عن خلود مطلق بل عن خلود نسبي.

خلود الجينات أو سلالة الجينات، وإن لم يكن مفهوماً خاطئا تماما فهو تعبير غير محدد إطلاقاً. حتى في كلمات دوكينز ذاتها نجد أحيانا غموضا في معنى الخلود. إن صلب الحقيقية في موضوع بقاء الجينات هي أنها لا تملك دورة حياة قياسية بمعنى الحياة التي تنتهي بالموت أو لا. في الواقع فإن الجينات ليست كائنات “حية” ولا يمكن التفكير بها على أنها كائنات حية رغم أنها موجودة في جسد الكائن الحي كوسيلة للاستمرار. والكلمة “خالد” تعني “حي لا يموت” وبالتالي فلا يمكن إطلاقها إلا على شيء “حي”.

إن إطلاق صفة “خالد” على أشياء غير حية كسلاسل الـ DNA أمر مربك ويؤدي إلى فهم خاطئ عن طبيعة الجينات لدى الناس. فالجينات تفتقد لخاصة الحياة، وحتى لو اعتبرناها حية فإن ذلك لا يبرر لنا إطلاق كلمة “دين الجينات”.

بكل الأحوال فإن السبب الرئيسي لعدم امكانية وجود “دين الجينات” هو تماماً ما قلناه في البداية. وهو أن الإنسان أكثر الموجودات ذكاء والجينات لا تزال بعيدة عن الوصول إلى مستوى الذكاء الذي ننشده حتى نستطيع أن نطلق عليها صفة “الآلهة”. هي مجرد جزيئات مكونة للـ DNA لا أكثر.. وجزيئات الـ DNA تملك الذكاء ذاته الذي تملكه جزيئات الماء: أي لا ذكاء على الإطلاق. هي فقط تختلف عن البقية في خواص تجعلها تملك ميلاً شديداً لنسخ ذاتها. ونحن نعرف أن ذرية البشر بشر، وذرية الفئران فئران، وأن هناك آلية لنقل صفات الآباء إلى الأبناء. ولو لم تكن تلك الآلية عن طريق الجينات فستكون هناك طريقة أخرى لذلك. إن هذه الآلية التي تقوم بنقل الصفات من الآباء إلى الأبناء أصبحت مفهومة بشكل كبير جداً لكن هذا العلم لم يأت بأي آلهة جديدة أو دين جديد بل على العكس فإنه ككل فروع العلم الأخرى قام بإبعاد تلك الأمور الخارقة بعيداً أكثر وأكثر.

الجينات، وإن كانت حية وامتلكت الذكاء والغاية، لا نستطيع أن نطلق عليها صفة الآلهة لأنها لا تملك الوسائل المطلقة لتغير أو تتلاعب بمحيطها. هي بدون أطراف، بدون أعضاء, بدون أنسجة وبدون أعصاب أو أدمغة. لو كانت قادرة على التغيير (بكل شكلها الإعاقي هذا) عندئذ فهي تستحق أن نطلق عليها لقب “آلهة”.

منطقياً قد أكون مخطئاً، وقد تكون فكرة الجينات-الآلهة التي أشعلها علماء البيولوجيا الإجتماعية صحيحة. وعلم الجينات فجر الرغبة الشديدة لدى البشر في معرفة أصل الحياة وأصل الجينات، لذا فإن صحة الطرح السابق أو عدمها تعتمد بشكل كبير على فهم آليات الحياة منذ بدايتها. ربما كان الهدف في البداية هو بقاء الجينات، لكن أضعف القول أن تلك الجينات أصبحت خاضعة للوسائل التي قامت بتركيبها. وصار السيد هو الكائن الحي والجينات وسائل. أيضا لو أن فكرة “الجينات-الآلهة” صحيحة فسيكون الأمر مفارقة تاريخية كبيرة وطريفة. لقد تم إبعاد الدين من علم الأحياء على يد داروين من حوالي مئة وخمسين عاماً، فهل يعود على أيدي ورثة فروع هذا العلم؟ سيكون من الصعب تصور ذلك لأن العلم دائماً على صراع مع الدين منذ آلاف السنين: فعلاً سيكون هذا العلم قد أتى للبشر بما كانوا يحلمون به دائما، أي الوصول إلى إدراك كائنات خارقة تقود مصيرهم وتحدده، والوصول إلى آلهتهم وإدراكها. أيضاً تكمن صعوبة قبول هذه الفكرة في كون علم البيولوجيا الآن والهندسة الوراثية تحديداً بدأ بفهم الجينات بشكل كبير جداً وبدأ بالتلاعب بها بشكل كبير، لن يطول الأمر حتى يملك الإنسان القدرة على التلاعب بشكل كامل بتلك الجينات وإعادة برمجتها، فهل يُعقل أن يستطيع البشر أن يتلاعبوا بآلهة؟

الهوامش

1- قد تختلف المصادر في ترجمة هذا المصطلح عن اللغة الإنكليزية (Sociobiology) لكني اعتمد “علم البيولوجيا الإجتماعية” في النص ككل. علم البيولوحيا الإجتماعية يدرس الفكرة التي تقول أن سلوك الأحياء على المستوى الفردي والإجتماعي يمكن تفسيره على أنه نتاج لمراحل التطور والإنتخاب الطبيعي. يعتبر هذا العلم فرعا من كل من البيولوجيا وعلم الإجتماع سوية، وينهل أيضاً من علوم أخرى كعلم الحيوان، وعلم التطور، و الأنثروبولوجيا وعلوم الآثار.

2- يقوم طائر الوقواق بوضع بيضه في أعشاش طيور من أنواع أخرى وعندما يفقس البيض تبدأ صغار الوقواق بالصراخ بشكل أكبر من صغار الطائر المضيف وتقوم الأنثى بإطعام صغير الوقواق أكثر من إطعامها لصغارها. وفقاً لدوكينز فإن هذه الحالة هي مثال واضح لتلاعب جينات طائر الوقواق بسلوك طيور أخرى مضيفة (طيور العقعق مثلاً).

المراجع:

The Selfish Gene- Richard Dawkins

– The Extended Phenotype – Richard Dawkins

– The Blind Watchmaker – Richard Dawkins

Sociobiology: the New Synthesis – E. O. Wilson

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق