ساراماغو.. بصيغة الماضي

      بعد الساعة الثانية عشرة والنصف من بعد ظهر الجمعة 18/6/2010 بتوقيت اسبانيا، صار واجباً علينا التحدّث عن خوسيه ساراماغو بصيغة الماضي. ساراماغو كان، كتب، أحبّ، كره، دافع، ناهض، و..عاش.

     في الحديث عن ساراماغو، لا يمكن التسليم كليّاً للفعل الماضي، فهذا الرجل وإن كان لا يؤمن بهذه الفكرة، لكنه "قد" يكون موجوداً في مكان ما هناك، في عالمه المتخيّل الذي اعتاد جرّنا إليه في سرديّاته المدهشة ومعاينته الفريدة للواقع المعاش. لا يستسلم ساراماغو للقوالب الجاهزة كما أنّ الحديث عنه و معه لا يستسلم لصيغة الماضي. يمكننا الحديث عنه بالمضارع وبالمستقبل، فهذا الرجل موجود ليعيش أزمنة كثيرة يبتكر فيها آلهته وأزمنته وعوالمه وثوراته الخاصة، يختلق موتاً يثور على نفسه ذات يوم ويتوقف عن العمل. لماذا لم يأخذ الموت إجازة يوم 18/6؟

في مقابلة منشورة في الأوبزرفر البريطانية بتاريخ 30/4/2006، يقترب من الرابعة والثمانين، نشيط ومليء بحسّ الحياة. كانت راويته "انقطاعات الموت" صادرة للتوّ، وكانت رواية "الابصار" ستنشر في غضون ذلك الأسبوع. يعمل على سيرته الذاتية المعنونة "ذكريات صغيرة".

في لانثاروتي، مكتبة ساراماغو مصممّة هندسيّاً كأنها كاتدرائيّة حديثة. مجلّدات قديمة وحديثة بلغات عديدة، إنه عرش أدبيّ، دين بديل للبرتغالي صاحب نوبل. لانثاروتي التي  يغادرها سنوياً – كما يفعل غالباً- لشهرين من السفر لتسويق رواية جديدة، وبشكل رئيسي لإلقاء محاضرات في السياسة وعلم الاجتماع "ليس لأكثرها ارتباط بالأدب" يشرح "لكنّ هذا جزء من حياتي أعتبره شديد الأهمية، ألاّ أحدّد نفسي بالعمل الأدبي، أحاول أن أنخرط في العالم بأفضل قدراتي وقواي".

هذا المناهض للعولمة الذي تتّخذ العديد من رواياته الرمزية السياسية، هل يعتقد أنّ الفنان مجبر على اتخاذ دور سياسي؟ "إنه ليس دوراً" يقول بحدّة. "الرسام يرسم. الموسيقي ينتج الموسيقى، الروائي يكتب روايات. لكنني أؤمن أنّ لنا جميعاً التأثير ذاته، ليس بسبب حقيقة كون المرء فناناً، لكن بسبب أننا مواطنون. كمواطنين، كلّنا مجبرون على التداخل والانخراط، إنه المواطن الذي يغيّر الأشياء. لا أستطيع تخيّل نفسي خارج أيّ نوع من الحراك السياسيّ أو الاجتماعي. نعم، أنا كاتب. لكنني أعيش في هذا العالم وكتابتي لا تتواجد على مستوى منفصل. إذا كان الناس يعرفون من أنا ويقرؤونني، حسناً..جيّد. بهذه الطريقة إذا كان لديّ المزيد ممّا أريد قوله، فالكلّ يستفيد."

تعود بنا رواية "الإبصار" إلى رواية "العمى" 2005، وقد تكون استكمالاً لها. نعود إلى بلد قد يكون، وقد لا يكون البرتغال، حيث أصيب السكان بداء مؤقّت يقودهم إلى العمى ثمّ التحوّل للبربريّة. تعود رواية "الإبصار" بعد أربع سنوات حيث تختبر البلاد ظاهرةً أخرى غير مسبوقة، فإضافةً إلى الفوضى الهائلة في الانتخابات البلديّة، فعند فرز الأصوات، هناك أكثر من 80 بالمائة من البطاقات التي ردّت فارغة. هذه الحالة من عدم الثقة الكلّي بأيّ من الأحزاب السياسيّة يجعل من العملية الديمقراطية مهزلةً ويجبر القادة على إعلان حال الطوارئ.
"كنت أدلي بحديث حول روايتي “القرين” في برشلونة" يتذكّر ساراماغو "لديّ هذه العادة بالحديث عن كتبي لبضعة دقائق فقط، ثمّ أفضّل قضاء الوقت بالحديث عن العالم الذي نجد أنفسنا فيه، عالم هو أشبه بالكارثة، وعادةً أنتهي بالحديث عن مشكلة الديمقراطيّة، فيما إذا كان لدينا حقّاً نظام ديمقراطي، وأتصوّر أنه ليس لدينا. في برشلونة، سألني أحدهم ماذا أقترح، لأنني كنت أقول إنه، في الحقيقة، العالم محكوم بمؤسّسات غير ديمقراطيّة : البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة الدولية. يعيش الناس بوهم امتلاك نظام ديمقراطي، لكنّه فقط في المظهر الخارجيّ، في الحقيقة، نحن نعيش في عصر تحكّم الأغنياء."
ما كان الحلّ إذاً؟
"أجبت أنه لم يكن عندي حلّ سوى أنّنا، كمواطنين، لدينا حقّ التصويت. لكننا دائماً ما نستخدمه للتصويت لهذا أو ذاك من الأحزاب المتاحة. لكن هناك إمكانية أخرى، وهي الإدلاء بتصويت أبيض" ينحني قليلاً إلى الأمام ويشير بإصبعه "لكن هذا ليس أبداً كالامتناع عن التصويت. الامتناع يعني أنك بقيت في المنزل أو ذهبت إلى الشاطئ. بالإدلاء بتصويت أبيض، فإنك تقول أنك تتفهم مسؤولياتك، وأنّ لديك ضميرا سياسيّا وجئت للتصويت لكنك لا تتفق مع أيّ من الأحزاب الموجودة وهذه هي الطريقة الوحيدة لتقول ما تريد."

"ثمّ فكّرت. فكّرت ماذا سيحصل لو أنّ البطاقات الفارغة ارتفعت إلى نسبة 50 بالمائة أو أكثر. إنها ستكون طريقة للقول إنّ على المجتمع أن يتغيّر لكنّ القوى السياسية التي لدينا حاليّاً غير كافية للتأثير بذلك التغيير، وسيتمّ إعادة التفكير بكل النظام الديمقراطي."

يتحدُث الإسبانيّة بلكنة برتغالية ثقيلة، كلّ جملة مركّبة ببراعة، ليست أبداً كأسلوبه السرديّ المتسارع والطلق الذي أصبح علامةً لرواياته، في شرح هذه النظريّات، يعبّر عن نفسه بشجاعة وحكمة رغم أنه حين يتحدث عن مشاكل الفقر في إفريقيا أو تبخّر فرص العمل، فإنّ غضباً ينتابه، هذا الغضب الذي ملأ التزامه طوال حياته السياسية. تأتي زوجته لتقدّم لنا القهوة، لدى استدارتها عائدةً يفاجئها بإمساك يدها والشدّ عليها بحبّ. أشير إلى أنّ نهاية رواية "الإبصار" لها نهاية فاترة، حيث تتجه السّلطة بكل بساطة إلى العنف. أخبره أن هذا يذكّرني بمظاهرات مناهضة للحرب في لندن.

"نعم، إنها تنتهي بشكل سيّء لأنّ الأمور غير ناضجة"، يقول بحزن، "هنا في اسبانيا كان 90 بالمائة من الشعب ضدّ الحرب ولم يكن أحد من أصحاب السلطة مهتمّاً. لكن ماذا حصل مع قانون التوظيف في فرنسا؟ تمّ سحب القانون لأن الناس تظاهروا في الشوارع. أتصوّر أننا بحاجة لحركة عالمية للناس الذين لا يستسلمون، الذين لن يغادروا الشوارع. في مدريد ولندن، تظاهرنا، قمنا بواجبنا ثم عدنا إلى بيوتنا ولم يفعل أولئك الذين في السلطة شيئاً."

"لكن علينا أن نظلّ متظاهرين ومتظاهرين ومتظاهرين"، يتوقّف هنا لضحكة عميقة "لا يوجد عندي سوى القول إننا لا نريد أن نعيش في عالم مثل هذا، بالحروب، عدم المساواة، الظلم، الإذلال اليومي لملايين الناس الذين ليس لديهم أمل بأنّ الحياة تستحقّ شيئاً. علينا أن نعبّر عن هذا بقوّة وأن نقضي أياماً في الشارع إن كان علينا ذلك، حتى يعرف أولئك الذين في السلطة أنّ الناس غير سعداء."

لماذا قرّر ساراماغو أنّ الرواية هي الشكل الأفضل للأفكار التي أراد التعبير عنها؟
"أظنّ أنّ الرواية ليست –بشكل كبير- نوعاً أدبياً. لكنها فضاء أدبي، مثل البحر المليء بالعديد من الأنهار. تتلقّى الرواية تيارات من العلم، الفلسفة، الشعر وتحتويها جميعاً. إنها ليست مجرّد إخبار قصّة". يوصف ساراماغو بأنه كاتب متفائل، أسأله إن كان يشعر بالتفاؤل أصلاً حول المستقبل أو إن كان يعتقد بوجود أمل لليسار.

" نحن لا نفتقد للحركات التي تدّعي إمكانيّة عالم مختلف"،  يقول بثقل، "ما لم نربطها ضمن حركة عالمية متطوّرة، فإنّ الرأسمالية ستسخر من هذه المنظمات الصغيرة التي لا تقوم بضرر. المشكلة أنّ الغنيّ لا يحتاج أيّة أفكار من أجل أن يحكم. لكنّ اليسار لا يمكنه أن يحكم دون أفكار. هذا صعب جدّاً."

"في الثالثة والثمانين، لا آمل بالكثير، لا أتصوّر أنّ هذه الرواية ستغيّر العالم. أولئك في السلطة موجودون هناك لأنّنا نضعهم هناك، إذا لم يقوموا بالأمور بشكل جيّد، فليخرجوا إذاً ويدعوا الآخرين يجرّبون. هناك الكثير من الأسباب لعدم احتمال العالم كما هو، وإذا كان للكتاب أيّ رسالة، فأعتقد أنها هذه"

للاطلاع على الحوار المشار إليه باللغة الأنجليزية:

http://www.guardian.co.uk/books/2006/apr/30/fiction.features1

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق