سجال الأشاعرة والمعتزلة يتجدد في سورية والمهجر

1

قبل أسابيع كتب ياسين الحاج صالح “قضية محمد حجازي وحرية الاعتقاد الديني” (1) مقالة ماتعة عن حرية الاعتقاد الديني، وضع فيها خلاصة تفكيره في مسألة الإيمان، بأسلوب بالغ الأناقة والتكثيف والدقة العلمية، وأعاد موضعة نظامه الفكري في إطار علم الكلام المعتزلي. وهو استغل قضية تفجرت قبل ذلك في مصر، عندما تحول شاب مسلم وزوجه من الإسلام إلى المسيحية. ولكن هذا البحث الهادئ العميق تعرض إلى رد خطير من قبل مفكرين إسلاميين وقائدين من قادة الإخوان المسلمين في المهجر هما الطاهر إبراهيم ومنير الغضبان. ولئن اختلف أسلوب الرد بين الرجلين، إلا أن المضمون هو واحد: فياسين بالنسبة إليهما خاطئ وناقص الإيمان. وللتذكير، فإن الخاطئ هو مرتكب الكبيرة، وهو عند المسلمين الأشاعرة فاسق ينبغي إقامة الحد عليه.

ورغم أن ياسين لم ينطلق في فهمه لحرية الاعتقاد من أرضية حقوق الأفراد في المجتمعات المدنية، ولم يرجع إلى لائحة حقوق الإنسان والدساتير الديمقراطية، بل إنه اعتمد أرضية إسلامية معتزلية في هذا الفهم، فإن الرد كان حاسما وقويا. وبينما اعتبر الطاهر إبراهيم، بلغة قاطعة لا تقبل الجدل، مقالة ياسين “سقطة كبرى، ما كان لمثله أن يتورط في مثلها”، قام منير الغضبان بلغة لطيفة، ناعمة باستتابة ياسين وطلب إليه العودة إلى الإسلام، بالاعتراف بنبوة محمد.

يرى أن أصل ذلك هو “عبادة الإسلام، أي انعقاد التقديس والعبادة والولاء على الإسلام معرفا كأمة وعقيدة أمة، لا كإخلاص الدين لله”. ويستنتج من ذلك بتسلسل منطقي أن “الله ذاته مقيد بهذه العبادة، متعادل معها، وهو يبدو حاكما سياسيا أكثر مما هو طاقة تعال لا تتناهى، تفيض على الإسلام وكل دين.”

ويضيف ياسين، وهو هنا يتقاطع مع متكلمي المعتزلة في القرن الرابع، أن رفض حرية الاعتقاد متأت من أن الإسلام المعاصر (والأقدم، كما يضيف ياسين) يرفض تنزيه الله تنزيها تاما، وهو بذلك يقع في مطب “الشرك من وجهة نظر التوحيد الإسلامي الصافي بالذات”. ويحدد ياسين ما يقصده بالشرك بـ”عبادة الإسلام مع الله، أو اغتراب الله في “الإسلام”” مستنتجا ببلاغة لافتة أن “تحرير الله ونقض هذا الشرك، الذي لا يختفي إلا وراء فرط ظهوره، هما بعدان جوهريان في أي إصلاح ديني إسلامي. ودون تحرير الله من “الإسلام” أو من “الأمة”، ليغدو معيار مساواة وحرية لا تستنفدان، سيبقى سبيل واحد مفتوح: تحرير الأمة من الله.”

وبعد أن يصف أن فرض الدين نظاما سياسيا (وهو مشروع الإسلاميين بعامة، ودعاة الحاكمية بخاصة، فهو أقرب إلى حرب دينية باسم الله ضد مجتمعاتنا المعاصرة،) يطالب ياسين بإصلاح الدين والدولة، لكي لا يكونان معا “ضد الأمة.”

2

وكما يمكن أن يكون متوقعا، فإن رد الأصولية الإسلامية جاء سريعا وصاعقا. الطاهر إبراهيم بدأ رده كما يلي:

“من دون مقدمات، أقول إن ما أوقع فيه الكاتب السوري “ياسين الحاج صالح” نفسه –في مقال له نشره موقع “الرأي” لسان حال حزب الشعب الديمقراطي السوري بتاريخ 12 أيلول الجاري تحت عنوان قضية محمد حجازي وحرية الاعتقاد الديني– يعتبر سقطة كبرى، ما كان لمثله أن يتورط في مثلها.”

سنرى هنا أن إبراهيم ينطلق من قلق عميق، وخشية من أن يعود الفكر الإسلامي إلى العقلانية، بعد أن نجح التكفيريون والسلفيون والجهاديون في عزل العقل عن الحقل الديني، واعتمدوا أسلوب النقل بديلا عن العقل، ورفعوا سورة التوبة في مواجهة سورة الرحمن. لذلك فسرعان ما يتابع هجومه ليقرر أن حرية الاعتقاد غير قابلة للبحث والنقد والاجتهاد والتحليل، فهي “قد قررها الإسلام كقضية أساسية،” ومن هنا فإنه لا يحق “لكاتب مثل الأستاذ ياسين” أن يناقش هذه القضية أساسا. وهو يحدد حرية الاعتقاد بعدم فرض الإسلام بالقوة، أما حين ننتقل لفكرة التحول من الإسلام إلى ديانة أخرى، فـ”ليس لنا أن نجتهد فيه.” ويستشهد إبراهيم بقراره الذي لا استئناف له بجزء من الآية 217 من سورة البقرة التي تقول: “ومن يرتددْ منكم عن دينه فيمتْ وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون”. وطبعا لم يكلف إبراهيم نفسه عناء ربط هذا الجزء من الآية بجزئها الأول الذي يقول: ” يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.” الارتداد هنا، وفقا للمفهوم القرآني، هو ارتداد قتالي، نتيجة لاستسلام حربي، وهو ما يقره على كل حال الأستاذ منير الغضبان في رده على ياسين. هذا أولا: وثانيا، لم يكلف إبراهيم نفسه عناء شرح كيف يستنتج من هذه الآية أن الردة عمل يستوجب رد فعل أرضي. فالآية تقول بوضوح ” أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”، ولم تفرض على البشر القيام بأي رد فعل حيال ذلك.

ولكن السيد الطاهر إبراهيم يعتد بحديث ابن عباس عن النبي أنه قال: “من بدل دينه فاقتلوه”، مما لا يترك لنا خيارا إلا أن نفهم أن الكاتب الإسلامي يؤيد ترك من يغير دينه، دون أن يقلل من أهمية هذا الاستشهاد رد السيد إبراهيم اللاحق على التعقيب الذكي لمحمد علي الأتاسي، عندما نفى (إبراهيم) أنه أفتى بقتل المرتد، وإنما ترك الأمر للحاكم المسلم(2). لأن ذلك يفتح سيلا من الأسئلة تتعلق بفكرة الحاكم المسلم وموقف الإخوان المسلمين الملتبس أساسا من هذه المسألة.

والجريمة الثانية التي ارتكبها ياسين هي أنه أعمل فكره في البناء على مواقف معظم رجال الدين والمفكرين الإسلاميين المعاصرين التي ترفض حرية الاعتقاد. ، فهو لا يكتفي بأدلة ياسين الاستنباطية العقلية، بل يبادر إلى سؤال ياسين “من أين استقى أدلته في قوله” أن “مبدأ حرية الاعتقاد رغم توفر آيات قرآنية متعددة تقرره ورغم غياب آيات قرآنية قاطعة الدلالة تعارضه مرفوض في الإسلام المعاصر”. وهو يعيب على ياسين هنا أنه لا يذكر “لنا من أي مرجع أو كتاب اقتبس كلامه هذا حتى يكتشف أن الإسلام المعاصر يرفض حرية الاعتقاد؟ إلا أن يكون أراد هنا بحرية الاعتقاد “تغييرَ الاعتقاد”.

ثمة هنا نقطتان ينبغي الالتفات إليهما: الأولى هي إن إعمال العقل مرفوض من حيث المبدأ بالنسبة للباحثين في الشأن الإسلامي، والمقبول حصرا هو النقل عن “مرجع أو كتاب.” والثانية إن السيد إبراهيم يقرر دون حجة أو برهان، ومن دون وجه حق، أن تغيير الاعتقاد ليس من حرية الاعتقاد، ثم يبني على ذلك صحة موقف الإسلاميين من هذه المسألة. غير أن كثرة من المسلمين العلمانيين يؤمنون، خلافا للسيد إبراهيم، أنه لا معنى لفكرة حرية الاعتقاد إذا لم تتضمن حرية تغيير هذا الاعتقاد.

أما “أم الخطايا التي وقع فيها الأستاذ “ياسين” في مقاله آنف الذكر” فهي، وفقا للباحث الإسلامي خطيئة مطالبته بـ”تمكين المرأة بحيازة حق الطلاق، وتقييد هذا السلاح المطلق بيد الرجال”. وقد سبق لنا أن قلنا أن المرأة بالنسبة للإسلاميين خط أحمر. فهم وإن تساهلوا في بعض القضايا كالديمقراطية والعقلانية والمساواة (بعد تجريد كل هذه المفاهيم من محتواها الحقيقي وقصقصتها لتصبح ملائمة لفهمهم الضيق للإسلام) فإن قضية تمكين المرأة ومساواتها كانت ولا تزال مسألة لا تهاون ولا تهادن فيها.أما تفنيد السيد إبراهيم لخطيئة ياسين فليس سوى التفنيد البدائي الذي لا ينم إلا عن تحامل وتمييز ضد المرأة. ويتلخص هذا التفنيد بمقولة أن “المرأة سريعة التأثر تثور وتغضب، فتبادر لإيقاع الطلاق على زوجها، لأتفه الأسباب عدة مرات في اليوم الواحد ثم تندم، فيما لو كانت العصمة بيدها. أما الرجل فهو يَعُدّ للعشرة –حفاظا على أطفاله أو لأسباب مادية- قبل أن يوقع يمين الطلاق”. ولست أدري حقا عن أي الرجال يتحدث السيد إبراهيم، وهل يشمل في قوله هذا الرجال الذين يقولون لضيفهم مثلا: “علي الطلاق بالثلاثة ما بتروح قبل ما تتعشى”؟ أم أولئك الذين يقولون لأزواجهم: “إذا رحت لبيت أمك فأنت طالق”؟ أم الذين يضربون أزواجهم ضربا مبرحا لأن الطعام مالح قليلا أو ينقصه الملح قليلا. (3)

عند ذاك، يطلق الكاتب الإسلامي تحذيره الأخير لياسين بقوله إن لغة النقد التي “ابتدعت هذه الأيام” هي موضع شك وحذر بالنسبة للإسلاميين الذين قد يقبلونها “على مضض في مقالات تكتب، (ولكننا) لا نقبلها عند التطرق إلى الشأن الذي يتناول أمر العقيدة. وللأسف فإن مقال الأستاذ ياسين مليء بأمثال هذه التعبيرات، التي لنا مآخذ عليها، ليس من حيث اللغة فحسب، بل من حيث الدلالة”. ههنا إنذار ينبغي أخذه على محمل الجد. ونحن لا نعرف بعد إلامَ سوف يؤدي هذا الإنذار. فهل سيسعى السيد إبراهيم وصحبه إلى تطليق زوجة ياسين منه لأنه مرتد؟ كما فعل أصحابه في مصر مع المفكر الكبير نصر حامد أبو زيد؟ بانتظار ذلك سوف نركز على استخدام كلمة “ابتدعت” بالنسبة للغة العقل النقدي، واضعين أمامنا المقولة الإسلامية الشهيرة “كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.”

ثم ينهي السيد إبراهيم تحذيره بقوله إنه لا يحق لياسين إعمال العقل في الفكر الإسلامي، لأنه ليس رجل دين، “تماما مثلما نرفض أن يأتي عامل من منجم فحم ليقوم بعملية جراحية في الدماغ أو يجري عملية القلب المفتوح.” وفي ذلك، إذا افترضنا حسن النية، سذاجة وتناقض. فأما السذاجة فتتأتى من فكرة أن الدين مثله مثل الهندسة والطب وعلم الذرة، وهذا ليس صحيحا. فالمفترض في الدين أن يكون بالنسبة للبشر مثل الماء والهواء والحب. وهو لا يحتاج إلى شهادة دكتوراه لكي يتم البحث في شؤونه. وأما التناقض فيكمن في أن السيد إبراهيم ينسى أن معظم رجال الدين يتحدثون في الفيزياء والكيمياء والطب والفلك، وهي التي تحتاج إلى اختصاص وعلم، ليبرهنوا أن القرآن قد ذكر ذلك قبل أربعة عشر قرنا. (4)

3

على أن عصبية السيد إبراهيم تغدو بسيطة بالمقارنة مع الرسالة اللطيفة الناعمة التي أرسلها قائد آخر في حركة الإخوان المسلمين إلى ياسين الحاج صالح، داعيا إياه إلى التوبة والعودة إلى “رسول الله.” وقد بدأ الأستاذ منير الغضبان رسالته بقوله إنه بينما كان يصلي التراويح “والكعبة المشرفة أمامي. قفز إلى خاطري كتابة هذه الرسالة لك. ولم أستطع منها فكاكاً حتى عدت إلى البيت لأتحدث معك من القلب إلى القلب.”

ثم انتقل الغضبان ليعد الخصائل الحميدة التي تجمعه مع ياسين وهي أولا، أنه أوقف حياته على الإنسان وأمضى ستة عشر عاما في السجن من أجل هذا الهدف؛ وثانيا، أنه ” موسوعة ثقافية شاملة، أصل أحياناً إلى مرحلة الاستفادة منها”، وثالثا، اختباره الخط الأصعب والأشق وهو “أن تقول كلمة الحق أمام السلطة الحاكمة مهما كلفتك من ثمن، وقد جعلك هذا الموقف، تفقد أمنك وراحتك. ولو شئت أن تدهن وتلبن لكنت في موقع الوزارة أو الإمارة.”

من هذا التقديم الرقيق والمشجع والمغري، ينتقل الأستاذ الغضبان ليقيس قياسا أرسطيا بليغا:

إن أي مثقف كبير لا يمكن أن يجهل الإسلام / ياسين مثقف كبير / إذن، ياسين لا يمكن أن يجهل الإسلام.

وهو شبهه برجل ذي كاريزما عالية بين العرب جميعا، مسلمين وغير مسلمين؛ متدينين وغير متدينين، هو خالد بن الوليد، بقوله: إن النبي طالما أرسل إلى عدوه آنذاك، يقول له فيها: “ما مثل خالد يجهل الإسلام وعقله عقله، ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين لكان خيراً له”. فقط لكي يرسل إلى ياسين رسالة مشابهة فيقول: “ما مثل ياسين يجهل الإسلام.”

وجوهر تحليل الغضبان أن ياسين أدرك نصف الإسلام وعليه أن يدرك نصفه الآخر. فأما إدراكه نصف الإسلام فيتأتى، برأي الغضبان، من إيمانه بأن “الله واحد” حيث لخص ياسين “عميق إيمانك بالله” بقوله: “إن الأساس العميق للحرية هو تعالي الله غير المتناهي على (الدين كله)”، وهو لا بد أن يكمل النصف الثاني بإقراره “أن محمدا رسول الله.” وهو يشبّه موقف ياسين بموقف أبي سفيان الذي أقر بوحدانية الله ولكنه تردد في إعلان قبوله برسالة النبي. وبالتالي فإن الغضبان يرى أن ياسين قد قطع نصف الطريق بتوحيده “الرائع (لا إله إلا الله). وبقي نصف الشوط الآخر نحو هذا الدين: محمد رسول الله.”

والدليل جاهز عند الغضبان بقياس أرسطي آخر. فالنبي لا يكذب؛ محمد نبي؛ إذن محمد لا يكذب. وعلى ياسين، لكي يكمل إسلامه، أن يقر بما قاله محمد عن نفسه وما أكده الله في كتابه، بأنه رسول الله.

محاكمة الأستاذ الغضبان محاكمة منطقية. وعلى الضد من الأستاذ إبراهيم، فهم الغضبان أن الأرضية التي يقف عليها ياسين هي أرضية فكر إسلامي إصلاحي. وهو ما كان ياسين قد بدأه تلميحا منذ سنوات ثم راح يبشر به منذ أشهر، وتبناه بشكل مباشر في مقالته الجميلة التي نحن بصددها.

على أن ما فات ياسين وكل الإصلاحيين في الفكر الإسلامي أن الفكر الأصولي لا يقبل حلا وسطا، وأن الخلاف بين الأصوليين بعضهم ببعض هو في اللغة وليس في المضمون. ومن هنا فإنه وإن اختلفت الحدة النقدية الجارحة التي تميز بها خطاب إبراهيم عن اللغة الناعمة الملطفة للغضبان، إلا أن مضمون الخطابين واحد. وبينما طلب إبراهيم من ياسين ألا يتدخل في شأن يجهله، باعتباره “عامل منجم” لا يحق له التدخل في “جراحة دماغية”، يناشد الغضبان “أخاه ياسين” أن يعود إلى الطريق القويم، ملاحظا أن ياسين قد تاه “أمام ركام كبير من التصورات يقال عنها (الدين)” وأنه لم يهتد “بعد إلى الدين الذي أنزله الله تعالى على أنبيائه”، ولذلك فهو يدعوه ” إلى الدين الحق (المتمثل في القرآن والسنة الصحيحة) ونحن نزعم أن هذا هو الحق الذي أنزله الله تعالى إلى خلقه. فإن كنت ترى غير ذلك، وترى أن تفصل الدين عن (الله). فهو رفض لرسالة محمد…” ذلك أن الله لا يمكن أن يترك البشر بدون هداية. ويتركهم لأهوائهم وتصوراتهم وعقولهم، كل يزعم أنه الحق. وليست مسلمة هداية البشرية من الله بأقل من مسلمة الحرية للإنسان من الله.”

ها قد وصل الغضبان إلى ذروة الحجة المقنعة. فهل يمكن لياسين “وعقله عقله” ألا يستجيب لهذه الحجة؟ لذلك لم يبق أمام الغضبان إلا أن يختم بقوله: “هلم أيها الأخ الكريم.. لقد قطعت شوطاً عظيماً في إيمانك بـ: لا إله إلا الله. فهلم هلم إلى محمد رسول الله.” وفي ذلك ما يشبه الاستتابة في الإسلام.

نحن، إذن، أمام ردين إسلاميين على رؤية إسلامية عقلانية ومنفتحة، ولكنها مرفوضة من قبل إسلاميين أصوليين، استجابا بشكل مختلف ولكن بمضمون واحد. ولئن خطّأ السيد الغضبان السيد إبراهيم في رده الانفعالي على ياسين، إلا أن رد الغضبان، برأيي أخطر وأدعى إلى القلق. لأن الاستتابة تسبق الحد في التقليد الإسلامي المشوه. ولقد رد ياسين على إبراهيم ردا طويلا ومفحما، ولكنه آثر الصمت أمام استتابة الغضبان. ونحن لا ندري حتى الآن سببا لذلك.

—————
ملاحظات:

(1) في موقع “الأوان” بتاريخ 10/9/2007 وفي جريدة “السفير” بتاريخ 11/9/2007


(2) كتب محمد علي الأتاسي مقالة جميلة في ملحق النهار ( عدد 24 أيلول 2007) شبه فيها هجوم الطاهر إبراهيم “الناري” على ياسين حاج صالح بالقانون رقم 49 الذي يقضي بإعدام كل من ينتمي إلى جماعة الإخوان المحظورة، و”لكن بمسحة فقهية لا سياسية.” ويضيف الأتاسي بحق أن الكاتب الإسلامي الذي أقر لوهلة بحرية الاعتقاد في الإسلام سرعان ما ” يعلن استقالة عقله النقدي مقرراً بكل بساطة أن موضوع “تغيير الاعتقاد كأن يترك المسلم دينه وينتقل إلى غير الإسلام، أو ما يسمى بالردة، فأمر آخر، وليس لنا أن نجتهد فيه”، ومبيناً أن عقوبة المرتد هي القتل استناداً إلى الحديث المنسوب إلى الرسول “من بدل دينه فاقتلوه” الوارد في صحيح البخاري. وإذا كان الطاهر إبرهيم لا يفتي صراحة بقتل المرتد فإنه يضع أمر البت في قتل المرتد من عدمه في يد “الحاكم المسلم الموكل بتطبيق شرع الإسلام. فهو الذي يقرر العقوبة حسب كل حالة”. ويستشهد الكاتب في هذا المجال بما قاله عمر بن الخطاب لأحد ولاته الذي قتل مرتداً: “هلا تركته في السجن حتى يتوب أو يموت؟!”

(3) يرى الإسلاميون المعتدلون أن ضرب المرأة ضربا مبرحا غير جائز، أما الضرب غير المبرح فجائز. انظر الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة -أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين- وهو يقول: “ولا شك أن ضرب الزوج لزوجته مشروع ، والضرب إحدى وسائل التأديب ، ولكن لا يجوز للزوج أن يبادر إلى ضرب زوجته ابتداءً ، ولا بد أن يعظها أولاً ، فإن نفع الوعظ فبها ونعمت ، وإن لم ينفعها الوعظ هجرها في المضجع ، فإن أخفق الهجر في ردها إلى جادة الصواب ، فإنه حينئذ يلجأ إلى الضرب ، وليس المقصود بالضرب إلحاق الأذى بالزوجة كأن يكسر أسنانها أو يشوه وجهها ، وإنما المقصود بالضرب هو إصلاح حال المرأة ، ويكون الضرب غير مبرح ، وكذلك لا يجوز الضرب على الوجه والمواضع الحساسة في الجسد.”

http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaA&cid=1122528619658

(4) ثمة مفارقة طريفة يقع فيها الإسلاميون الذين يقولون إن القرآن ذكر مثلا الليزر قبل أربعة عشر قرنا في سورة النور. المفارقة تقع في أن معظم الإسلاميين (باستثناء المعتزلة) يؤمنون أن القرآن غير مخلوق، بل هو أزلي، وجد مع وجود الخالق، منذ الأبد. وبالتالي، فهم يقعون في تناقض حين يقولون إن القرآن ذكر ذلك قبل أربعة عشر قرنا. والأصح، من وجهة نظرهم، القول أن القرآن ذكر ذلك منذ الأزل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This